- تُعطي ميديلين الأولوية لرفاهية المواطنين المباشرة على حساب المقاييس التقليدية من أجل استعادة الثقة العامة وتعزيز التماسك الاجتماعي.
- وقد نجحت الجهود التعليمية الموجهة وبرامج تدريب المهارات في تقليل معدلات التسرب وخفض البطالة على المستوى الإقليمي.
- كما أن الاستثمار الشفاف في الأحياء المهمشة يعزز دورة إيجابية من الفخر المدني والمساهمة الطوعية في الضرائب.
في مختلف أنحاء العالم، تتسع الفجوة بين الحكومات والشعوب التي تخدمها. فبينما تنمو المدن وتتطور وتتغير بوتيرة غير مسبوقة، تتراجع الثقة، وتزداد حالات التهرب الضريبي، وتفرغ الأماكن العامة من روادها. تسأل معظم المدن كيف يمكنها أن تفعل المزيد، لكن السؤال الحقيقي هو: لمن؟
تجرب ميديلين – ثاني أكبر مدينة في كولومبيا – نهجاً مختلفاً. فبدلاً من تعريف النجاح من خلال الأرقام فقط، ركزت المدينة على أمر أصعب قياساً وأسهل تجاهلاً: هل يشعر المواطنون فعلاً بالتقدم في حياتهم اليومية؟ عندما تنظم المدينة أولوياتها حول هذا المبدأ، تبدأ العلاقة بين الحكومة والمواطنين في التغير. يعود الناس إلى المشاركة. يساهمون. ويبدأون في استعادة الثقة.
ما يلي ليس نموذجاً جاهزاً، بل تجربة مستمرة — وسرد صادق لما يحدث عندما تقرر مدينة أن تقيس نجاحها ليس بما تبنيه، بل بمن تصل إليهم.
البدء بما يهم حقاً
إن وضع الناس في المقام الأول فعلاً يعني ضمان ألا يُترك أحد خارج الأنظمة التي تخلق الفرص. التعليم، والعمل، وتنمية المهارات تشكل أسساً جوهرية. ومع ذلك، تقيس معظم المدن التقدم من خلال معدلات التسجيل، دون طرح السؤال الأصعب: ماذا يحدث لمن يغادرون؟
تشير تقارير اليونسكو إلى أن 251 مليون طفل وشاب حول العالم خارج المدارس، وهو رقم لم يتغير تقريباً خلال عقد. وعندما لاحظت ميديلين معدل تسرب بلغ 5.4%، أطلقت برنامج ""في المدرسة نعتمد عليك""، القائم على فكرة بسيطة: إذا لم يأتِ الطلاب إلى المدرسة، فعلى المدينة أن تذهب إليهم. وباستخدام تحديد المواقع، تم تحديد أماكن المتسربين، حيث قامت فرق بزيارتهم من منزل إلى منزل وربطهم بمدارس قريبة. وقد جمع النهج بين التواصل المباشر، وأنظمة الإنذار المبكر لرصد الطلاب المعرضين للخطر، وتوفير الوجبات المدرسية، ودعم النقل، والتعليم المرن لمن تأخروا.
انخفضت معدلات التسرب إلى 2.4%، وعاد نحو 6000 شاب إلى مقاعد الدراسة. ولم يكن هذا نتيجة برنامج واحد، بل نتيجة جعل التعليم أكبر استثمار حديث للمدينة (324 مليون دولار)، مع التوسع في تدريب المهارات التي تتماشى مع اقتصاد متغير، بما في ذلك المهارات الرقمية، وتحليل البيانات، واللغة الإنجليزية، والمجالات الناشئة التي تشكل مستقبل العمل.
عندما يتوسع الوصول إلى المهارات ذات الصلة، تتبع الفرص ذلك. وتتمتع ميديلين الآن بأدنى معدل بطالة في كولومبيا بنسبة 6.7%، في وقت لا تزال فيه بطالة الشباب من أكبر التحديات في أمريكا اللاتينية. وقد شارك أكثر من 50 ألف شخص في برامج توليد الدخل، فيما جلبت 136 فعالية توظيف على مستوى الأحياء فرص العمل الرسمية مباشرة إلى المجتمعات المهمشة.
عندما يحصل الناس على الأدوات اللازمة لبناء حياة أفضل، فإنهم يستخدمونها. وعندما تلتزم مدينة بأكملها بجعل ذلك ممكناً، لا يُقاس التأثير بعدد البرامج المنفذة، بل بالمستقبل الذي لم يكن ليوجد لولا ذلك.
عندما تصبح الثقة قابلة للقياس
عندما تستثمر المدينة باستمرار في سكانها، في تعليمهم، ووظائفهم، وتجربتهم اليومية في الحياة العامة، يبدأ تحول معاكس. يبدأ المواطنون في الاستثمار بدورهم. ليس لأنهم مطالبون بذلك، أو لأن الرقابة أصبحت أشد، بل لأنهم يشعرون أن المساهمة تستحق العناء. هذا التبادل بين المدينة وسكانها هو أحد أوضح مؤشرات نجاح شيء جوهري.
في ميديلين، يظهر هذا التحول في قرارات المواطنين بشأن مواردهم الخاصة. ففي عام 2025، شهد برنامج طوعي لتسوية الضرائب قيام 37,900 مواطن بتسديد ديونهم خلال ثلاثة أشهر، متجاوزين الهدف بنسبة 407%. دون عقوبات أو حملات إلزامية، بل مجرد باب مفتوح وقرار حر بالدخول. كما ارتفعت إيرادات الضرائب على الصناعة والتجارة بنسبة 20% لتتجاوز 900 مليار بيزو كولومبي، بينما تجاوزت إيرادات ضرائب العقارات التوقعات بأكثر من 10%.
وبحسب استطلاع ""ميديلين كيف نسير""، بلغ الشعور بالفخر المدني 91% في عام 2025، وهو أعلى مستوى في السنوات الأخيرة.
لكن هذا التبادل لا يحدث تلقائياً. فقد جاء في تجربة ميديلين نتيجة تسلسل واضح: إدارة الموارد العامة بشفافية وتقشف، واستثمارها حيث الفجوات أكبر، وتنفيذها بطرق يراها المواطنون ويشعرون بها في أحيائهم، مدرسة جديدة، حديقة مُعاد تأهيلها، أو معرض وظائف في منطقتهم.
لم تنمُ الثقة من خلال حملات تواصل، بل من تراكم قرارات ملموسة وقابلة للتحقق. ويمكن تكرار هذا التسلسل. فكل مدينة تنجح في سد الفجوة بين ما تجمعه من موارد وما يختبره المواطنون مقابل ذلك، تخلق الظروف لإطلاق نفس الدورة، وتكسب شيئاً أكثر قيمة من الإيرادات: الشرعية.
بنية تحتية بنية واضحة
كل مدينة تبني. السؤال الحقيقي هو: أين ولمن؟ تركز العديد من المدن بنيتها التحتية على المناطق التجارية أو ذات العائد المرتفع، بينما تنتظر المجتمعات المهمشة طويلاً. حاولت ميديلين عكس هذا الاتجاه من خلال توجيه الموارد أولاً إلى الأحياء التي عانت تاريخياً من الإهمال.
يجري حالياً تنفيذ أكثر من 1800 مشروع عام في المدينة، مع استعادة 13 مليون متر مربع من المساحات العامة. ويعد مشروع ""بريمافيرا نورتي"" أحد أكثر مشاريع التطوير الحضري طموحاً، حيث يوسع المساحات الخضراء والبنية التحتية المجتمعية في المنطقة الشمالية التي كانت من بين الأكثر تهميشاً. هذه ليست مشاريع استعراضية، بل قرارات مدروسة حول من يحصل أولاً على مدينة أفضل.
المبدأ بسيط وقابل للتطبيق: استخدام البيانات لتحديد أماكن الفجوات، وإعطاء الأولوية للمناطق التي انتظرت أطول، وتصميم كل مشروع — مدرسة أو حديقة أو مساحة عامة — بناءً على السؤال: من سيتغير يومه بسبب هذا المشروع؟ هذا لا يتطلب ميزانية استثنائية، بل نية واضحة.
رهان يستحق المخاطرة
تجربة ميديلين ليست نموذجاً مكتملًا، بل اختبار مستمر لمعرفة ما إذا كانت المدينة قادرة على الحفاظ على دورة إيجابية: الاستثمار في الناس، كسب ثقتهم، ثم تحويل هذه الثقة إلى فرص جديدة. وتشير المؤشرات الأولية إلى أن ذلك ممكن، لكن بشرط أن يتطور الالتزام بالتوازي مع الاقتصاد.
وهذا التطور بدأ بالفعل. فقد أصبحت ""روتا إن""، مركز الابتكار والأعمال في المدينة، نقطة ارتكاز لنظام متنامٍ يربط رواد الأعمال والباحثين والاستثمار العام حول اقتصاد قائم على المعرفة.
وبصفتها مقر مركز الثورة الصناعية الرابعة في ميديلين، الوحيد في شبكة المنتدى الاقتصادي العالمي في أمريكا اللاتينية، تعمل المدينة أيضاً على ضمان أن تتحول التقنيات الناشئة إلى فرص وحلول للتحديات اليومية التي يواجهها المواطنون. الهدف ليس الابتكار من أجل الابتكار، بل ابتكار يجيب عن نفس السؤال الذي وجه كل شيء آخر: من المستفيد؟
السؤال الذي يواجه كل مدينة ليس ما إذا كانت تستطيع تحمل هذا الرهان، بل ما إذا كانت تستطيع تحمل عدم القيام به.
