بقلم: ليان رولاندز
تخيل السيناريو التالي: أنت تقترب من نهاية يوم عمل مزدحم، عندما يأتي تعليق من مديرك ليقلّل ما تبقّى لديك من صبر. تلتفت، وقد احمرّ وجهك، نحو مصدر انزعاجك. ثم تتوقف، وتتأمل، وتختار ألا تعبّر عن استيائك. فالنهاية قريبة على أي حال.
قد لا تكون هذه القصة الأكثر إثارة، لكنها تُظهر كيف يمكننا كبشر تنظيم عواطفنا.
إن تنظيم العواطف لا يقتصر على كبح نوبة غضب، بل يعني أننا نستطيع إدارة ما نشعر به، وكذلك كيف ومتى يتم اختبار هذه المشاعر والتعبير عنها. وهذا قد يمكّننا من البقاء إيجابيين في مواجهة المواقف الصعبة، أو تظاهرنا بالفرح عند فتح هدية عيد ميلاد سيئة. كما يمكنه أن يمنع الحزن من أن يسحقنا، والخوف من أن يشلّ حركتنا.
وبما أنه يسمح لنا بزيادة الاستمتاع بالمشاعر الإيجابية وتقليل المعاناة من المشاعر السلبية، فإن تنظيم العواطف بالغ الأهمية لرفاهيتنا. وعلى العكس، يرتبط اضطراب تنظيم العواطف بحالات الصحة النفسية والاضطرابات النفسية. فعلى سبيل المثال، يُعتقد أن انهيار استراتيجيات تنظيم العواطف يلعب دورًا في حالات مثل الاكتئاب والقلق وتعاطي المواد المخدّرة واضطرابات الشخصية.
كيف تدير عواطفك؟
بحكم طبيعتها، تجعلنا العواطف نشعر، لكنها أيضًا تدفعنا إلى الفعل. ويرجع ذلك إلى التغيرات في الجهاز العصبي اللاإرادي والهرمونات المرتبطة به في جهاز الغدد الصماء، والتي تهيّئ السلوكيات المرتبطة بالعاطفة وتدعمها. فعلى سبيل المثال، يُفرَز الأدرينالين في المواقف المخيفة لمساعدتنا على الهروب من الخطر.
قبل أن تنشأ العاطفة، هناك أولًا موقف، قد يكون خارجيًا مثل اقتراب عنكبوت، أو داخليًا مثل التفكير بأنك لست جيدًا بما يكفي. ثم يتم الانتباه إلى هذا الموقف والتركيز عليه، قبل أن نقوم بتقييمه. ببساطة، يتم تقييم الموقف من حيث المعنى الذي يحمله بالنسبة لنا، وهذا المعنى هو ما يؤدي إلى الاستجابة العاطفية.
وقد وصف عالم النفس والباحث جيمس غروس مجموعة من خمس استراتيجيات نستخدمها جميعًا لتنظيم عواطفنا، ويمكن استخدامها في مراحل مختلفة من عملية توليد العاطفة:
1. اختيار الموقف (Situation selection)
يتضمن هذا النظر إلى المستقبل واتخاذ خطوات تجعلنا أكثر احتمالًا للتواجد في مواقف تولّد عواطف مرغوبة، وأقل احتمالًا للتواجد في مواقف تولّد عواطف غير مرغوبة. مثلًا: اختيار طريق أطول لكنه أكثر هدوءًا للعودة من العمل لتجنب الغضب المروري.
2. تعديل الموقف (Situation modification)
تُستخدم هذه الاستراتيجية عندما نكون بالفعل داخل موقف معين، وتشير إلى خطوات يمكن اتخاذها لتغيير تأثيره العاطفي أو تحسينه، مثل الاتفاق على الاختلاف عندما يحتدم النقاش.
3. توجيه الانتباه (Attentional deployment)
هل سبق أن شتّت نفسك لتتغلب على خوف؟ هذا ما يُسمّى “توجيه الانتباه”. ويمكن استخدامه لتوجيه التركيز إلى جوانب مختلفة من الموقف، أو إلى شيء آخر تمامًا. مثل شخص يخاف الإبر ويتذكر لحظات سعيدة أثناء فحص الدم.
4. التغيير المعرفي (Cognitive change)
يتعلق هذا بتغيير طريقة تفسيرنا للأشياء بهدف تغيير شعورنا تجاهها. أحد أشكاله هو “إعادة التقييم”، أي التفكير بطريقة مختلفة أو رؤية الجوانب الإيجابية. مثل إعادة تفسير فقدان الوظيفة على أنه فرصة مثيرة لتجربة أشياء جديدة.
5. تعديل الاستجابة (Response modulation)
تحدث هذه الاستراتيجية في مرحلة متأخرة من توليد العاطفة، وتتضمن تغيير طريقة ردّ فعلنا أو التعبير عن العاطفة لتقليل أو زيادة تأثيرها، مثل إخفاء الغضب تجاه زميل في العمل.
كيف يفعل الدماغ ذلك؟
الآليات التي تقف خلف هذه الاستراتيجيات معقدة للغاية ومتميزة، وتشمل عمليات نفسية ومعرفية وبيولوجية. إذ يتضمن التحكم المعرفي في العاطفة تفاعلًا بين أنظمة الدماغ العاطفية القديمة (تحت القشرية) مثل المنطقة الرمادية المحيطة بالمسال، وتحت المهاد، واللوزة الدماغية، وبين أنظمة التحكم المعرفي في القشرة الجبهية الأمامية والقشرة الحزامية.
خذ مثال “إعادة التقييم”، وهي نوع من استراتيجيات التغيير المعرفي. عند القيام بها، تساعدنا قدرات التحكم المعرفي المدعومة بمناطق في القشرة الجبهية الأمامية على إدارة مشاعرنا من خلال تغيير معنى الموقف. يؤدي ذلك إلى انخفاض نشاط أنظمة العاطفة العميقة في الدماغ.
وليس هذا فقط، بل إن إعادة التقييم تغيّر أيضًا استجابتنا الفسيولوجية، مثل خفض معدل ضربات القلب وتقليل التعرّق، وتحسين طريقة تجربتنا للمشاعر. وهذا يدل على أن “النظر إلى الجانب المشرق” يمكن أن يجعلنا نشعر بتحسن فعلاً — لكن ليس الجميع قادرًا على ذلك.
الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات عاطفية، مثل الاكتئاب، يبقون في حالات عاطفية صعبة لفترات طويلة، ويجدون صعوبة في الحفاظ على المشاعر الإيجابية. ويُعتقد أن المصابين بالاكتئاب يُظهرون أنماطًا غير طبيعية من النشاط في نفس مناطق التحكم المعرفي في القشرة الجبهية الأمامية، وكلما زادت شدة الاكتئاب، قلّت قدرتهم على استخدام إعادة التقييم لتنظيم المشاعر السلبية.
ومع ذلك، رغم أن بعض الأشخاص قد يجدون إعادة التقييم صعبة، فإن اختيار الموقف قد يكون أسهل قليلًا. سواء كان ذلك في الطبيعة، أو الحديث مع الأصدقاء والعائلة، أو رفع الأثقال، أو احتضان كلبك، أو القفز بالمظلات — فإن القيام بالأشياء التي تجعلك تبتسم يمكن أن يساعدك على رؤية الجوانب الإيجابية في الحياة.
