القائمة الرئيسية

ما الذي تُصغي إليه وما الذي قد يغيب عنك

ما الذي تُصغي إليه وما الذي قد يغيب عنك
ملخص المقال

يناقش مقال على موقع greatergood بقلم جوليانا تافور مفهوم الإصغاء، موضحًا أن جودة الحوارات لا تعتمد فقط على تبادل الأفكار، بل على الطريقة التي يُصغي بها الأفراد، حيث يميل الناس إلى أنماط مختلفة من الإصغاء تشمل التركيز على المشاعر والعلاقات، أو الأفكار والصورة الكبرى، أو التأمل الداخلي، أو الحقائق والتفاصيل. ويبيّن المقال أن هذه الاختلافات طبيعية لكنها قد تؤدي إلى سوء فهم إذا لم يتم إدراكها، مؤكدًا أن الإصغاء مهارة قابلة للتطوير وليست صفة ثابتة. كما يشرح أن تحسين الإصغاء يتطلب ثلاث قدرات أساسية: وعي الفرد بنمطه، وفهمه لاحتياجات الآخرين، والقدرة على التكيّف مع متطلبات الموقف. ويبرز أهمية الإصغاء المتعاطف الذي يقوم على الحضور الذهني، وطرح الأسئلة، وتقدير مشاعر الآخرين، لما له من أثر في تعزيز الفهم وتقليل التوتر. ويخلص إلى أن تطوير هذه المهارة يتم عبر الملاحظة والمراجعة الذاتية، وأن الإصغاء بوعي ومرونة يسهم في بناء تواصل أعمق وأكثر إنسانية.

بقلم: جوليانا تافور

تخيّل أن أحدهم يشارك قصة حساسة ومؤثرة خلال اجتماع، ثم يعمّ الصمت المكان. في تلك اللحظة، إلى أين يتجه انتباهك؟

قد تجد نفسك تميل إلى إبداء التعاطف والدفء، فتؤكد ما سمعته وتساعد المتحدث على الشعور بأنه ليس وحده. وربما تنجذب إلى توسيع زاوية النظر، فتطرح إطارًا جديدًا أو احتمالًا مختلفًا يساعد الحضور على فهم ما قيل. وقد تفضّل أن تعالج الأمر داخليًا، رابطًا ما سمعته بتجاربك الخاصة. وهناك من ينشغل بالتحقق من الوقائع، فيراجع التفاصيل ويتساءل عن دقتها وكيف يمكن تحويل الحديث إلى خطوات عملية واضحة.

كل هذه الاستجابات طبيعية، ولا يمكن وصف أي منها بالخطأ. لكنها تعكس طرقًا مختلفة في فهم العالم والتعامل معه. وغالبًا ما يتوقف نجاح الحوار أو تعثره على أمر نادرًا ما ننتبه إليه، وهو نوع الإصغاء الذي نمارسه. حين ندرك ما الذي نركز عليه أثناء الاستماع، يصبح بإمكاننا تعديل طريقة إصغائنا في اللحظة نفسها، فنفهم الآخرين بشكل أعمق ونُفهَم منهم بالمثل.

الإصغاء ليس مهارة ثابتة يولد بها الإنسان أو يفتقر إليها، بل هو عادة تتشكل مع الوقت. ومع التكرار، تصبح طريقة الإصغاء تلقائية وتعمل أحيانًا دون وعي كامل، لكنها تبقى قابلة للتغيير والتطوير. وهذا يعني أننا لسنا محكومين بأنماطنا المعتادة، بل نستطيع تحسينها وتوسيعها.

يعتمد ما يُعرف بذكاء الإصغاء على ثلاث قدرات أساسية. الأولى هي فهم الذات، أي أن يسأل الإنسان نفسه إلى ماذا يميل أن يُصغي أولًا وما الذي يغفل عنه عادة. الثانية هي فهم الآخرين، من خلال محاولة إدراك ما يركز عليه الطرف الآخر وما يحتاجه ليشعر بأنه مفهوم. أما الثالثة فهي القدرة على التكيّف في الوقت الفعلي، بحيث يغيّر الإنسان أسلوب إصغائه بما يتناسب مع متطلبات الموقف.

في العمل الذي يركّز على بناء الجسور بين الناس رغم اختلافاتهم، يتضح أن الإصغاء الجيد هو الخطوة الأولى التي لا غنى عنها، لأنه يخفف من التوتر والدفاعية ويفتح المجال لحوار أكثر عمقًا. وكثير من حالات سوء الفهم لا تنشأ من نوايا سيئة، بل من كون كل طرف يصغي إلى شيء مختلف عن الآخر. فالاختلاف لا يقتصر على الأفكار أو القيم، بل يمتد أيضًا إلى طرق الإصغاء نفسها.

يمكن فهم أنماط الإصغاء من خلال أربعة مرشحات رئيسية يستخدمها الناس بدرجات متفاوتة. هناك من يركّز على الجانب الإنساني والعلاقات، فيلتقط المشاعر الكامنة خلف الكلمات ويهتم بكيفية تأثير الحديث على الآخرين. وهناك من ينشغل بالأفكار والصورة الكبرى، فيبحث عن الأنماط والمعاني العامة والاحتمالات الجديدة. وهناك من يفضّل التأمل الداخلي، فيربط ما يسمعه بخبراته الشخصية ويحاول أن يمنحه معنى خاصًا. وفي المقابل، نجد من يركّز على الدقة والحقائق، فيتحقق من التفاصيل ويسعى إلى فهم ما يمكن تطبيقه عمليًا.

عندما يقول أحد الزملاء مثلًا إنه قلق من سرعة العمل وأن بعض الفريق بدا غير مرتاح، فإن كل نمط من هذه الأنماط سيتعامل مع الموقف بطريقة مختلفة. من يركّز على العلاقات قد يفكر في مشاعر الفريق وكيف يمكن دعمهم. ومن ينظر إلى الصورة الكبرى قد يبحث عن طريقة بديلة لتنظيم العمل. أما من يتأمل داخليًا فقد يستحضر تجربة مشابهة مرّ بها من قبل. في حين يسعى الشخص التحليلي إلى معرفة الأدلة التي تشير إلى وجود مشكلة فعلية.

لا يوجد نمط أفضل من الآخر، فلكل منها نقاط قوة تضيف إلى الحوار. إدراك هذه الاختلافات يساعدنا على توسيع قدرتنا على الإصغاء، ويمنحنا فرصة للاستفادة من وجهات نظر الآخرين بدل الاكتفاء بطريقتنا المعتادة.

تشير الدراسات إلى أن الإصغاء الجيد لا يؤثر فقط في مجرى الحديث، بل ينعكس أيضًا على المتحدث نفسه، إذ يشعر بمزيد من الارتياح والتواصل، ما يساعده على التفكير بعمق أكبر وفهم ذاته بشكل أفضل. ويُعرف هذا النوع من الإصغاء بالإصغاء المتعاطف، وهو يقوم على مجموعة من السلوكيات البسيطة ولكن المؤثرة.

من هذه السلوكيات إظهار الفضول من خلال طرح أسئلة تشجع الطرف الآخر على التوضيح والتوسع، مثل طلب المزيد من التفاصيل. كما يتطلب الإصغاء حضورًا ذهنيًا كاملًا، بحيث يركز المستمع دون أن يقاطع أو يصدر أحكامًا مسبقة. ويشمل أيضًا الاعتراف بمشاعر الطرف الآخر وتقديرها، حتى في حال عدم الاتفاق معه. ويضاف إلى ذلك محاولة فهم دوافعه وظروفه من منظوره هو، لا من منظورنا الشخصي. كما تلعب لغة الجسد دورًا مهمًا في التعبير عن الاهتمام والانتباه.

حين نفهم النمط الذي نميل إليه في الإصغاء، يصبح بإمكاننا اختيار سلوك مختلف عن المعتاد إذا تطلبت الظروف ذلك. فقد يميل من يركز على الأفكار إلى تقديم حلول مباشرة، لكنه قد يحتاج أولًا إلى إظهار التعاطف. ومن يركز على الحقائق قد يحتاج إلى إبداء اهتمام بمشاعر الآخرين قبل الدخول في التفاصيل.

يشبه الإصغاء في ذلك عمل مهندس الصوت، الذي لا يضبط كل الأزرار دفعة واحدة، بل يختار ما يناسب اللحظة لتحقيق أفضل توازن. كذلك نحن، لا نحتاج إلى استخدام كل مهارات الإصغاء في كل موقف، بل يكفي أن نختار ما يلائم السياق. وفي بعض الأحيان، يكون الخيار الأنسب هو التوقف أو وضع حدود واضحة بدل الاستمرار في الحوار.

يمكن لأي شخص أن يطوّر وعيه بأسلوب إصغائه من خلال ملاحظة بسيطة لما يجذب انتباهه أثناء الحديث. فإذا كان يركز على المشاعر والعلاقات، فهو يميل إلى الإصغاء الترابطي. وإذا كان يبحث عن الأنماط والأفكار، فهو أقرب إلى الإصغاء المفاهيمي. وإذا كان يعالج الأمور داخليًا، فهو تأملي بطبيعته. أما إذا كان يهتم بالحقائق والخطوات العملية، فهو يميل إلى الإصغاء التحليلي.

ولتطوير هذه المهارة، يمكن اتباع خطوات بسيطة تبدأ بتحديد نية واضحة لملاحظة أسلوب الإصغاء قبل الدخول في أي حوار. ثم الانتباه أثناء الحديث إلى ما يركز عليه كل طرف. وأخيرًا، تخصيص لحظة بعد انتهاء الحوار للتفكير فيما حدث، وما الذي تم ملاحظته، وما الذي كان يمكن التعامل معه بطريقة مختلفة.

هذه المراجعة الذاتية تساعد على تعميق الفهم وتوسيع الوعي، وتدفع الإنسان إلى إعادة النظر في أفكاره وتحيزاته، مما يسهم في نموه الشخصي.

عندما تصبح المحادثات صعبة، يميل كثيرون إلى محاولة الإصغاء بشكل أكبر، لكن الأجدى هو الإصغاء بوعي. أي أن يدرك الإنسان نمطه، ويختار سلوكه، ويتعلم من تجربته. الهدف ليس الوصول إلى نمط مثالي، بل أن يكون أكثر مرونة وقدرة على التكيف مع كل موقف.

في المرة القادمة التي تشعر فيها بأن الحوار يسير في اتجاه غير مريح، حاول أن تسأل نفسك: إلى ماذا أُصغي الآن، وما الذي قد لا أراه؟ ثم جرّب تعديلًا بسيطًا في طريقة إصغائك.

ومع مرور الوقت، لن ينعكس هذا التغيير على جودة حواراتك فقط، بل سيؤثر أيضًا في طريقة فهمك لنفسك وللآخرين، ويعزز الثقة ويقلل من التوتر، ويجعل التواصل أكثر إنسانية وعمقًا.

المصدر

مقالات ذات صلة