تُعيد القوة المتنامية للدول المتوسطة تشكيل النظام العالمي. وقد تجلّى ذلك بوضوح من خلال دعوة رئيس الوزراء الكندي مارك كارني خلال المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس إلى تعزيز التنسيق بين الدول المتقاربة في الرؤى لمنع مزيد من التصدع في النظام القائم على القواعد. فمن أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، تختبر الصراعات النظام القديم، بينما تتولى القوى المتوسطة أدوارًا محورية متزايدة في مجالات المرونة الاقتصادية، وأمن الطاقة، واستقرار سلاسل الإمداد، والدبلوماسية. لقد بدأ عصر الاصطفاف الثنائي يتراجع لصالح تعاون أكثر مرونة قائم على القضايا.
لا تُعرَّف القوى المتوسطة فقط بحجم ناتجها المحلي الإجمالي أو إنفاقها العسكري، بل بثقلها الاقتصادي الفعلي، ونطاقها الدبلوماسي، وقدرتها على جمع الأطراف المختلفة. وبحكم اندماجها العميق في شبكات التجارة والتكنولوجيا والتمويل العالمية، فإن لديها مصلحة مباشرة في الحفاظ على الاستقرار، فضلاً عن امتلاكها المرونة اللازمة لبناء الجسور في بيئة عالمية متزايدة الاستقطاب.
ويزداد التعاون بين القوى المتوسطة أهمية في الحفاظ على النسيج الذي يربط العولمة. وتوفر مجالات مثل سلاسل الإمداد، والمعادن الحيوية، والابتكار المتقدم، وحوكمة الذكاء الاصطناعي، والتحول في مجال الطاقة، والتجارة الرقمية، أسسًا قوية لتعزيز هذا التعاون.
دور اليابان القيادي
إن تاريخ اليابان في الدبلوماسية البراغماتية يمنحها خبرة ومصداقية تؤهلها لتولي موقع قيادي بين القوى المتوسطة. فمنذ سبعينيات القرن الماضي، أظهرت قدرتها على تنويع علاقاتها الاقتصادية والدبلوماسية عبر شرق وجنوب شرق آسيا، وأفريقيا، وأمريكا اللاتينية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على تحالفاتها الأساسية. واليوم، تُعد اليابان ثاني أكبر مصدر للاستثمار الأجنبي المباشر الخارجي في العالم، حيث تمثل نحو 11.9% من التدفقات العالمية في عام 2024، ويتجه جزء كبير من هذه الاستثمارات إلى خارج الولايات المتحدة وأوروبا، نحو دول آسيان وأوقيانوسيا وأمريكا اللاتينية.
كما عملت اليابان بشكل استباقي على بناء شراكات أعمق. وتُظهر الاتفاقيات الأخيرة مع أستراليا بشأن المعادن النادرة والبنية التحتية للتعدين كيف يمكن لمثل هذا التعاون أن يعزز المرونة الاقتصادية مع البقاء مندمجًا في الاقتصاد العالمي الأوسع.
يركّز النهج الياباني على الجودة، وبناء القدرات، والشراكات طويلة الأمد. وقد أدى ذلك إلى مستوى عالٍ من الثقة والاحترام مع القوى المتوسطة، بما في ذلك دول الجنوب العالمي، سواء كشريك أمني أو تجاري. ففي جنوب شرق آسيا، غالبًا ما تُعتبر اليابان الشريك الأكثر موثوقية ومسؤولية، وهو ما يعكس عقودًا من التعاون الاقتصادي المستدام، والمساعدات التنموية، والانخراط الدبلوماسي القائم على الاحترام.
بناء التعاون عبر التقنيات المتقدمة
بالنسبة للقوى المتوسطة الساعية إلى التعاون في مجالات التكنولوجيا المتقدمة، تبرز اليابان كواحدة من الدول القليلة التي تمتلك في آن واحد القدرات التكنولوجية والرؤية الاستراتيجية للقيادة. فهي تحافظ على حضور قوي في مجالات مثل الطب التجديدي، والذكاء الاصطناعي، والروبوتات، والمواد المتقدمة. ويُظهر تفوقها في الطب التجديدي – لا سيما في أبحاث الخلايا الجذعية المستحثة متعددة القدرات والانتقال نحو الإنتاج على نطاق تجاري – قدرتها على تحويل التميز العلمي إلى تطبيقات واقعية. وبناءً على هذه المصداقية، تسهم اليابان أيضًا في تشكيل الحوكمة العالمية، بما في ذلك من خلال مبادرات مثل “عملية هيروشيما للذكاء الاصطناعي” لتعزيز تطوير واستخدام الذكاء الاصطناعي بشكل مسؤول.
ويُعد اقتصاد الفضاء مثالًا آخر بارزًا. فاليابان هي خامس دولة تحقق هبوطًا على سطح القمر، وتحتل المرتبة السادسة عالميًا من حيث عدد الأقمار الصناعية في المدار. وما يميزها بين القوى المتوسطة هو أن قطاع الفضاء لديها يشمل منظومة متكاملة، من الوكالات الحكومية والشركات الكبرى إلى مشهد متنامٍ من الشركات الناشئة.
كما يُقدم قطاع الفضاء نموذجًا توضيحيًا لقدرة اليابان على توظيف التقنيات المتقدمة كأدوات للدبلوماسية. فإلى جانب الابتكار المحلي، تستخدم اليابان قدراتها الفضائية لتعزيز الشراكات الدولية بين القطاعين العام والخاص، من خلال دعم دول في جنوب شرق آسيا ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ وأجزاء من أفريقيا عبر مشاركة بيانات الأقمار الصناعية، والبعثات المشتركة، وبناء القدرات في مجالات مراقبة المناخ، والاستجابة للكوارث، والوعي البحري.
وتساعد هذه المبادرات الدول الشريكة على تطوير قدراتها التقنية، مع تعزيز المعايير المشتركة المتعلقة بالشفافية والمرونة والاستخدام السلمي للفضاء الخارجي، مما يوضح كيف يمكن للتقنيات المتقدمة أن تكون منصات لتعميق التعاون بين القوى المتوسطة.
الطريق إلى الأمام
تُعد اليابان قوة متوسطة ذات مصداقية قيادية، لكن إنجازاتها السابقة لن تكون كافية. فمع تصاعد التنافس الجيوسياسي، سترتفع كلفة التقاعس، وستتقلص مساحة التأثير في رسم ملامح المستقبل، مما يتطلب من اليابان الاعتماد على نقاط قوتها.
وقد يعني ذلك التوجه إلى ما هو أبعد من محيطها المباشر لتعميق علاقاتها مع أفريقيا والشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية. ومن خلال البناء على العلاقات القائمة، يمكن لليابان تنويع سلاسل الإمداد، وتعزيز المرونة، ودعم دول الجنوب العالمي في تبني التقنيات المتقدمة وحوكمتها.
وفي الوقت نفسه، يمكن لليابان أن تركز على الداخل عبر الاستثمار في الابتكار والعلوم باعتبارهما أساس نفوذها الخارجي. ويتطلب ذلك تعزيز الشراكات بين القطاعين العام والخاص، وتنسيقًا أوثق مع المؤسسات الأكاديمية ومنظومات الشركات الناشئة لتوسيع نطاق الأبحاث وتحويلها إلى حلول عملية. ومن خلال ذلك، تستطيع اليابان الحفاظ على نهج استباقي حتى في ظل حالة عدم اليقين الجيوسياسي.
