القائمة الرئيسية

كيف يمكن لهدنة إنسانية في السودان أن تمهّد الطريق نحو سلام عادل وإحياء المجتمع المدني

كيف يمكن لهدنة إنسانية في السودان أن تمهّد الطريق نحو سلام عادل وإحياء المجتمع المدني
ملخص المقال

تناقش هذه المقالة كيف يمكن لهدنة إنسانية في السودان أن تشكّل نقطة تحول نحو سلام عادل من خلال تقليل العنف وفتح المجال أمام المجتمع المدني للعب دور أقوى في دفع العملية السياسية، حيث يبرز تصاعد تأثير المبادرات المدنية والحملات الشعبية رغم التحديات، مع التأكيد على أن التنسيق بين الجهود المحلية والدعم الدولي، إلى جانب تمكين المجتمعات من التعبير والمشاركة، هو المفتاح لإحداث توازن في موازين القوى وبناء مسار سلام مستدام لا ينتظر اللحظة المناسبة بل يُصنع بإرادة جماعية مستمرة.

  • مع دخول الحرب في السودان عامها الرابع، يتردد الوسطاء الدوليون في تأمين هدنة إنسانية.
  • تميز المؤتمر الدولي لعام 2026 حول أزمة السودان عن الاجتماعات السابقة من خلال إشراك المجتمع المدني السوداني طوال العملية، مما يعكس تنامي صوته في الدعوات إلى السلام والإغاثة.
  • لقد أثبت المجتمع المدني السوداني بالفعل قدرته على الحشد من أجل السلام في سياق عسكري؛ ومن شأن هدنة إنسانية أن تخلق مساحة أكبر لعمله.
  • وبمناسبة مرور ثلاث سنوات كاملة على اندلاع الحرب في السودان، عُقد مؤتمر دولي في برلين في أبريل من هذا العام، تبع اجتماعات سابقة لم تسفر عن نتائج حاسمة.

هذا العام، أكد الاجتماع حقيقة مألوفة: يمكن للمجتمع الدولي تسليط الضوء على أزمة السودان، لكن ذلك لا يمكن أن يكون بديلاً عن خطوات عملية للحد من الأضرار التي تلحق بالمدنيين وتهيئة مساحة لعملية سياسية ذات مصداقية.

في بيان مشترك، دعا المشاركون في استضافة المؤتمر – ألمانيا، فرنسا، المملكة المتحدة، الولايات المتحدة، الاتحاد الأفريقي، والاتحاد الأوروبي – إلى بذل جهود مشتركة لإنهاء الحرب في السودان، ومعالجة الأزمة الإنسانية، وإشراك الأصوات السودانية في الحلول السياسية.

كما أقر البيان الختامي بدور مجموعة “الرباعية” – وهي إحدى مجموعات الوساطة التي تضم الولايات المتحدة ومصر والسعودية والإمارات العربية المتحدة – في جهود وقف إطلاق النار.

ومع ذلك، ورغم أن الهدنة الإنسانية تشكل أساس خارطة الطريق نحو السلام التي وضعتها هذه المجموعة ومطلباً رئيسياً للمجتمع المدني السوداني، فقد تم التقليل من أهميتها باعتبارها شرطاً أساسياً لضمان الوصول الإنساني.

صحيح أن الوصول الإنساني يجب أن يُحمى من حيث المبدأ وألا يكون مشروطاً، لكن تهميش الحاجة إلى هدنة محددة زمنياً ومراقبة ومنظمة قد يترك المدنيين عالقين بين التزامات قانونية ونظرية على الورق وبين واقع العنف على الأرض.

يمكن أن تشكل الهدنة الإنسانية جسراً عملياً بين الضرورات الإنسانية والمسار السياسي.

ما ميز اجتماع برلين لعام 2026 عن اجتماعات باريس في 2025 ولندن في 2024 هو المشاركة الواضحة لأعضاء المجتمع المدني السوداني الذين يدافعون عن السلام.

فقد شاركوا ليس فقط في الجلسات الرسمية، بل أيضاً في الاجتماعات التحضيرية والفعاليات الجانبية، مما يشير إلى اتساع التوافق المدني الذي يطالب بنتائج ملموسة لا مجرد بيانات.

وفي الأيام التي سبقت اجتماع برلين، تحركت موجة من مجموعات المجتمع المدني المتنوعة للدعوة إلى إنهاء الحرب. وشملت هذه المنصة الديمقراطية للمجتمع المدني، ومسارات التلاقي المدني السوداني، وحملة “بردوها – خففوها”، والمجموعة السودانية لمناصرة اللاجئين، ومجموعات وقيادات النساء السودانيات.

تشكل هذه الحملات والرسائل الدعوية جزءاً من رصيد متنامٍ من أعمال المقاومة المدنية التي تهدف إلى تسليط الضوء على الآثار المدمرة للحرب على المدنيين، والضغط لإنهاء الأعمال العدائية، وحث الفاعلين الإقليميين والدوليين على إعطاء الأولوية للسودان في جهود السلام.

وتبرز المنصة الديمقراطية للمجتمع المدني بشكل خاص برؤيتها المنظمة والموجهة بالسياسات. إذ تركز حملتها على مطالب واضحة وعملية تتجسد في حملة “الحياة أولاً”.

الفكرة بسيطة: إنشاء هدنة إنسانية ذات مصداقية ترتكز على عملية سياسية بمشاركة مدنية حقيقية، مع استعادة الخدمات الأساسية مثل الصحة والتعليم، وحماية الدورات الزراعية والاقتصادات المحلية.

فالهدنة الإنسانية ليست مجرد توقف لوجستي عن القتال، بل هي حماية تركز على حياة الناس، تهدف إلى الحفاظ على الأسس الاجتماعية والاقتصادية اللازمة لتحقيق سلام دائم.

ولا يقتصر هذا الزخم على الدعوة التقليدية للسلام، بل يمتد أيضاً إلى مبادرات قطاعية قد تبدو تقنية لكنها ذات أبعاد سياسية مهمة. ومن أبرز الأمثلة المبادرة الوطنية لإنقاذ مستقبل طلاب الشهادة السودانية، التي أُطلقت في منتصف مارس.

وقد نشأت هذه المبادرة في ما وصفه المنظمون بلحظة حاسمة في التعليم السوداني، حيث تسعى لمعالجة وضع نحو 280 ألف طالب، كثير منهم في دارفور وكردفان، لم يتمكنوا من أداء امتحانات المرحلة الثانوية لثلاث سنوات متتالية بسبب الحرب.

ويشير بيان المبادرة إلى أن الفتيات يشكلن نحو 65% من المتضررين، مما يجعل الأزمة مرتبطة أيضاً بالإقصاء القائم على النوع الاجتماعي، إلى جانب كونها نتيجة لانهيار النظام.

ومن خلال اعتبار التعليم “آخر ركيزة” للوحدة الوطنية، تحذر المبادرة من أن حرمان جيل كامل من التعليم قد يكرس المظالم ذاتها التي تغذي الصراع.

لماذا تُعد الهدنة الإنسانية مهمة في السودان

يسعى المجتمع المدني السوداني المتنامي إلى إنهاء العنف واسع النطاق، وحماية المدنيين، وإحياء مسار التحول الديمقراطي بما يتماشى مع أهداف ثورة ديسمبر السودانية – الانتفاضة الشعبية التي أدت إلى عزل الرئيس عمر البشير وإنهاء حكمه الذي دام 30 عاماً.

ومنذ اندلاع الحرب الحالية، يعمل الفاعلون المدنيون في بيئة تزداد عسكرة، تتشكل بفعل بقايا النظام السابق وشبكات العنف المستفيدة من الحرب، وهي ظروف تحد من عملهم، وتضيق مساحة العمل المدني، وتجعل الانخراط المجتمعي السلمي أكثر صعوبة.

إن هدنة إنسانية مدعومة بتنسيق موثوق وآليات مراقبة والتزامات واضحة من شأنها أن تخلق مساحة عملية لعمل المجتمع المدني والحركات الداعية للسلام.

كما ستجعل من الأكثر أماناً تنظيم الجهود والتواصل وتمثيل المجتمعات المتضررة، وستساعد أيضاً على استقرار الظروف اللازمة لتقديم المساعدات الإنسانية واستعادة الخدمات الأساسية.

متظاهر يشير بيده خلال احتجاجات ضد استيلاء الجيش السوداني على السلطة وعزل الحكومة المدنية في العاصمة الخرطوم، السودان في 30 أكتوبر 2021
المصدر: رويترز / محمد نور الدين

لقد أظهر المجتمع المدني السوداني بالفعل قدرته على التعبئة حول قضايا الحقوق والحماية في سياق يتزايد فيه الطابع العسكري؛ ومن شأن هدنة إنسانية أن تتيح لهذه القدرة أن تسهم بشكل أكثر مباشرة في خفض التصعيد وفي دعم عملية سلام قابلة للاستمرار.

يمكن للحملات الداعية إلى السلام أن تساعد في إعادة توازن “ميزان القوى” داخل السودان وخارجه، من خلال تعزيز الجهات التي تؤيد التفاوض من أجل السلام، وفي الوقت نفسه تقييد الأطراف التي تعارضه.

وعلى أرض الواقع، بدأت تظهر ديناميكيات مشابهة. فعلى سبيل المثال، حظيت حملات مثل المبادرة الخاصة بامتحانات المرحلة الثانوية باعتراف من طرفي النزاع، وفتحت مجالاً للتفاوض.

وهذا يبيّن أن المقاومة المدنية يمكن، في ظروف معينة، أن تدفع الأطراف إلى تقديم تنازلات من خلال تغيير المشهدين الأخلاقي والسياسي.

وفي نهاية المطاف، ستوفر الهدنة الإنسانية المساحة اللازمة لتمكين المجتمع المدني الداعم للسلام من أداء دوره بفعالية، بما في ذلك التأثير على الرأي العام، وتهميش المعارضين لجهوده، وتمكين المواطنين من المطالبة بالمشاركة في القرارات المتعلقة بمستقبل السودان.

العمل الجماعي ضروري

رغم العقبات الكبيرة، أظهر المجتمع المدني السوداني إبداعاً وصموداً على المستويات المحلية والوطنية والدولية. ومن خلال تحركاته، عزز الروابط بين مختلف الأطراف، ومكّن المجتمعات، وشجع التعاون والابتكار، وواجه السرديات المضللة حول الصراع.

تعتمد قدرة هذه الجهود على الإسهام في تحقيق السلام على مدى قدرتها على التوسع، والتنسيق عبر المنصات المختلفة، وردم الفجوة بين الدعوة التي تقودها النخب والانخراط الشعبي، بحيث تتحول الدعوات إلى السلام إلى فوائد ملموسة على المستوى المحلي.

إن الطريق إلى الأمام مليء بالتحديات لكنه عملي. فالدعوة على مستوى النخب تظل ضرورية للتواصل مع الفاعلين الدوليين والتأثير في النقاشات السياسية؛ وفي الوقت ذاته، يتطلب الأمر تعميق الانخراط المجتمعي للحفاظ على الشرعية وممارسة الضغط.

إن تعزيز الشبكات القاعدية وتنظيم الجهود حول الاحتياجات اليومية مثل الأمن والخدمات وسبل العيش والتعليم يمكن أن يجعل جهود السلام مرتبطة بالحياة اليومية للناس. ولا يمكن للمجتمع المدني أن يحقق التأثير الكافي على أطراف النزاع أو يدعم عملية سلام ذات مصداقية إلا من خلال ردم هذه الفجوات.

انتهى مؤتمر برلين، لكن رسالة المجتمع المدني السوداني لا تزال واضحة: السلام لن يأتي من تلقاء نفسه أو في “لحظة نضج” مثالية – بل يجب بناؤه بشكل مستمر وجماعي.

ينبغي على الشركاء الدوليين دعم المبادرات المدنية السودانية مثل “الحياة أولاً” والمبادرة الوطنية لإنقاذ مستقبل طلاب الشهادة السودانية، وإعطاء الأولوية لهدنة إنسانية موثوقة وخاضعة للمراقبة كخطوة أولى منقذة للحياة، يمكن أن توسع مساحة العمل المدني وتمهّد الطريق لعملية سياسية شاملة.

المصدر

مقالات ذات صلة