- تُعدّ المدن عنصرًا محوريًا في التحول المناخي، إذ توفر مبانيها وأنظمة الطاقة والنقل والتخطيط الحضري فيها فرصًا مترابطة لإزالة الكربون.
- ولضمان جذب الاستثمارات في المشاريع المرتبطة بالمناخ، يجب على المدن وضع رؤية واضحة، واعتماد نهج التفكير المنظومي، وتعزيز التعاون بين القطاعين العام والخاص.
- وتوفر خطط العمل للمدن الخضراء، التي يتم تنفيذها ضمن برنامج المدن الخضراء للبنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، إطارًا يربط بين التحديات البيئية والاستثمارات في البنية التحتية المستدامة والإجراءات السياسية.
كما قال الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش: “المدن هي المكان الذي ستُحسم فيه معركة المناخ إلى حد كبير”. فالمدن تضم غالبية سكان العالم، وهي محركات الاقتصاد العالمي. وفي المقابل، فإنها مسؤولة عن 70% من انبعاثات غازات الدفيئة المرتبطة بالطاقة عالميًا، كما أنها تتحمل العبء الأكبر من آثار تغير المناخ والظواهر الجوية المتطرفة.
وتتراوح هذه الآثار بين الفيضانات في مولدوفا التي دمّرت العاصمة كيشيناو، إلى الهجرة الجماعية إلى أولان باتور في منغوليا عقب ظاهرة “دزود”، حيث تنخفض درجات الحرارة إلى أقل من 30 درجة مئوية تحت الصفر.
عندما نتحدث عن المدن، فنحن بالطبع نشير إلى تجمعات سكانية متنوعة ومختلفة. فالقاهرة تختلف كثيرًا عن فيلنيوس، وإسطنبول تختلف عن كيشيناو. ولكن رغم اختلاف السياقات، تظهر تحديات وفرص مشتركة أمام المدن التي تسعى إلى خفض الانبعاثات وتعزيز قدرتها على الصمود.
التحديات والفرص المناخية الرئيسية للمدن
الكثافة الحضرية. يمكن للمدن ذات التخطيط المتماسك والكثافات المتوازنة أن تعمل بكفاءة أكبر. لكن الكثافة تؤدي أيضًا إلى تركيز الطلب على الكهرباء والتدفئة والتبريد ومواد البناء والتنقل، مما يؤثر على مستويات الانبعاثات.
النقل. يُعد إزالة الكربون من قطاع النقل من خلال التحول إلى الكهرباء، وتعزيز النقل العام، وتشجيع المشي وركوب الدراجات وغيرها من وسائل التنقل النشط، من التحديات الرئيسية. وعندما يكون استخدام السيارات أمرًا لا مفر منه، فإن التحول إلى المركبات الكهربائية يمكن أن يحقق مساهمة كبيرة.
المباني. تمثل المباني مصدرًا رئيسيًا آخر للانبعاثات، ويُعد تحديثها فرصة مناخية مهمة للعديد من المدن. ويمكن أن يؤدي تجنب الهدم واستخدام مواد منخفضة الانبعاثات في تحسين كفاءة الطاقة إلى تحقيق أقصى خفض ممكن في الانبعاثات على مدى عمر المبنى.
الطاقة. تعتمد المدن على الطاقة في جميع وظائفها تقريبًا، مما يجعل التحول إلى مصادر الطاقة المتجددة وإزالة الكربون من شبكاتها أولوية، إلى جانب تحسين الربط لدعم الاستخدام المستدام للطاقة.
تخطيط المدن من أجل العمل – وجذب الاستثمار
كيف يمكن للمدن تصميم مشاريع تعالج عدة قضايا في آن واحد وتجذب الاستثمارات؟ المدن بطبيعتها معقدة، وتضم العديد من الأطراف المعنية – من المواطنين والشركات إلى مختلف مستويات الحكومات – الذين يجب إشراكهم جميعًا. لذا، فإن التعاون أمر حيوي.
وبالمثل، فإن اعتماد نهج قائم على الأنظمة، كما أظهرت أبحاث المنتدى الاقتصادي العالمي، يُعد أمرًا أساسيًا. فلكي تتمكن المدن من تطوير مشاريع قابلة للتنفيذ والتمويل، تحتاج إلى صياغة رؤية واضحة لما تريد تحقيقه، وإنشاء قائمة أولويات من المشاريع التي تستفيد من الترابط والتكامل بين مكونات البنية التحتية الحضرية.
وبعد تحديد هذه المشاريع، يجب إعدادها لجذب الاستثمار. فإذا كانت المدينة تستهدف تمويلًا من بنك تنمية متعدد الأطراف، فإن ذلك يتطلب إجراء دراسة جدوى وتصميمًا مبدئيًا. هل يُعد أسطول الحافلات الكهربائية الجديد أو محطة معالجة مياه الصرف مشروعًا مناسبًا؟ وما المواصفات التقنية المطلوبة؟
ولضمان قابلية تمويل المشروع، يجب إشراك الممولين منذ البداية. فالبنية التحتية تتطلب استثمارات كبيرة، وبناء الثقة يستغرق وقتًا. وإذا كانت بنوك التنمية متعددة الأطراف ستستثمر، فعليها التأكد منذ مرحلة دراسة الجدوى من أن المشروع يلبي متطلباتها. ويعزز برنامج المدن الخضراء التابع للبنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية هذا النوع من العلاقات التعاونية طويلة الأمد مع أكثر من 50 مدينة.
نهج مخصص لمشاريع حضرية قابلة للتمويل
يعمل برنامج المدن الخضراء على تحديد أولويات التحديات البيئية في المدن وربطها بالاستثمارات في البنية التحتية المستدامة والإجراءات السياسية. وتوفر منهجية خطة العمل للمدينة الخضراء، القائمة على الأدلة، أدوات تساعد المدن على تحديد الإجراءات، وإطارًا لإشراك مختلف الأطراف المعنية – من المواطنين إلى المسؤولين الحكوميين – في العملية.
تقوم المدن بإعداد هذه الخطط بدعم من خبراء. وقد تعاون البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية مع شركة “أروب” لتنفيذ خطط العمل في 10 مدن، من بينها فيلنيوس وتيرانا وأنقرة ووارسو، وأخيرًا أغادير. وفي هذه الحالة، تقوم رؤية تمتد لـ15 عامًا على سبعة أهداف استراتيجية تركز على كفاءة استخدام الموارد، والعدالة الاجتماعية، والمرونة المناخية، والابتكار الرقمي. وتشمل الخطة 31 إجراءً عبر قطاعات رئيسية، مدعومة بإطار للرصد والتقييم لتتبع التنفيذ والأثر.
ومن خلال امتلاك هذه الخطط، يمكن للمدن استخدام ميزانياتها لتمويل المشاريع، أو التوجه إلى المقرضين التجاريين، أو الشراكة مع بنك تنمية متعدد الأطراف مثل البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية. وإذا اختارت المدينة هذا البنك، فإنه يكيف نهجه وفقًا لاحتياجات البلدية أو شركة المرافق (إذا كانت هي المقترض)، وكذلك الإطار التنظيمي المحلي. كما تتيح أدوات التمويل المتنوعة التي يمتلكها تقليل المخاطر، وبالتالي خفض تكاليف الاقتراض.
ويُمكّن هذا النهج البنك من الاستثمار بفعالية في مدن ضخمة مثل إسطنبول، كما في مدن أصغر مثل كيشيناو. ففي إسطنبول، ونظرًا لحجم المدينة، تركز خطة العمل على توسيع شبكة المترو إلى مناطق مثل الحي المالي، مما يساهم في خفض الانبعاثات وتحسين جودة الهواء وتحقيق تأثير اقتصادي قوي.
أما في كيشيناو، فقد أدت خطة العمل إلى استثمار البنك في برنامج كفاءة الطاقة للمباني العامة، وتحديث شبكات توزيع الطاقة والتدفئة، وإنشاء مرافق حديثة لإدارة النفايات الصلبة. كما شملت تعزيز القدرة على التكيف، من خلال تحسين تصريف مياه الأمطار وبناء دفاعات ضد الفيضانات على طول نهر بيك، إلى جانب توفير مساحات خضراء إضافية للسكان عبر تطوير ممشى نهري محسّن.
وكما هو الحال مع العديد من التحديات العالمية الأخرى، فإن العمل المناخي الفعّال يتطلب رؤية واضحة، وتفكيرًا متكاملًا، وتعاونًا بين مختلف الجهات – في القطاعين العام والخاص. فالمدن التي تتبنى هذا النهج يمكنها أن ترسم مستقبلًا مستدامًا اجتماعيًا وبيئيًا واقتصاديًا لسكانها.
