بقلم: جيني راديسكي
في كل مرة تُقدَّم فيها تقنية جديدة، فإنها تُحدث اضطرابًا في القيم والروتين والسلوكيات. وهذا ليس أمرًا حديثًا، بل يعود إلى ما قبل استبدال الطباعة للتاريخ الشفهي أو استبدال الهاتف للمحادثات المباشرة وجهًا لوجه، لكنه يظهر بوضوح اليوم في عادتنا اليومية المتمثلة في تفقد هواتفنا الذكية بحثًا عن الإشعارات. ويكبر الأطفال اليوم مع توقع تشغيل الفيديوهات تلقائيًا، ومع إمكانية الوصول إلى هواتفنا عندما نحتاجهم أن يكونوا هادئين.
إن القلق البشري من هذه التغيرات قد يستغرق سنوات حتى يتوازن، بينما نحاول تدريجيًا أن نُخضع التكنولوجيا لقيمنا واحتياجاتنا بدل أن تُخضعنا هي لها. ومع السرعة الكبيرة التي تُطوَّر بها المنتجات والخدمات الرقمية الجديدة، يشعر الآباء اليوم بقدر كبير من الإرهاق. فهم يخشون أن يفوتهم ما قد تقدمه التكنولوجيا من فوائد لأسرهم، وفي الوقت نفسه لا يثقون تمامًا بأن الأجهزة والتطبيقات تُصمَّم أو تُسوَّق بما يخدم مصلحة الطفل.
كنا نحن الأطباء ننصح في السابق بمنع استخدام الوسائط الرقمية للأطفال دون سن السنتين، وتحديد وقت الاستخدام بساعتين يوميًا كحد أقصى. لكننا وصلنا اليوم إلى فهم أكثر دقة وتعقيدًا للطرق المختلفة التي يستخدم بها الأطفال الأدوات الرقمية. ومن خلال مراجعة أحدث الدراسات، وإجراء مقابلات ومجموعات نقاش مع آباء من خلفيات متنوعة، إضافة إلى خبرتنا السريرية، أصبحنا نوصي بأن يستخدم الآباء الوسائط الرقمية كأداة تعليمية، كوسيلة للتواصل والإبداع، وليس فقط للاستهلاك.
وبوصفي طبيبًا متخصصًا في النمو السلوكي للأطفال، وأبًا لطفلين صغيرين، والمؤلف الرئيسي لبيان سياسة الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال بعنوان “الوسائط وعقول الأطفال الصغار”، فإنني آمل أن أساعد الآباء على تشكيل استخدام التكنولوجيا داخل منازلهم بما يتماشى مع قيمهم الإنسانية.
المبادئ الأساسية التي ينبغي أخذها في الاعتبار
يمثل هذا البيان خلاصة أفضل الأبحاث الطبية والدراسات الأكاديمية حول الوسائط الإلكترونية وصحة الأطفال ونموهم منذ الولادة وحتى سن الخامسة. وبالاشتراك مع موقع تخطيط استخدام الوسائط العائلية، فإنه يركز على كيفية استخدام الآباء للوسائط الإلكترونية مع أطفالهم الصغار لتعزيز الترابط الأسري والتعلم ومهارات الثقافة الرقمية، وذلك بعدة طرق.
نؤكد على أهمية تعليم الأطفال أن استخدام الوسائط لا يعني الترفيه فقط، بل يمكن أن يشمل أيضًا التواصل مع الآخرين. فمكالمات الفيديو مثلًا مناسبة في أي عمر، رغم أن الرضّع يحتاجون إلى مساعدة والديهم لفهمها. ومن الاستخدامات المهمة أيضًا الإبداع والتعلم المشترك، مثل أن يلتقط الطفل الصور أو يسجل مقاطع فيديو أو أغاني، أو البحث عن أفكار للأعمال اليدوية. ونأمل أن يشعر الآباء بالراحة في النظر إلى الوسائط الرقمية كأداة تساعدهم في التربية، لا كشيء مستقل يتحكم بنا أو بأطفالنا من خلال اقتصاد الانتباه أو أساليب التلعيب.
أما فيما يتعلق بالترفيه، فنوصي بالمحتوى الصادر عن جهات موثوقة مثل Sesame Workshop وPBS Kids، حيث تصمم هذه الجهات تطبيقاتها مع مراعاة احتياجات الطفل ووالديه. كما يُعد موقع Common Sense Media مصدرًا ممتازًا للحصول على معلومات حول المنتجات الرقمية والإجابة عن أي سؤال يتعلق بتربية الأطفال في عصر التكنولوجيا.
وننصح بوجود أوقات ومساحات خالية من الأجهزة الرقمية، بحيث يتمكن كل من الطفل والوالد من اللعب أو الشعور بالملل أو الحديث دون تشتيت أو شعور بالحاجة إلى تعدد المهام.
كما نطلب من الآباء تجربة التطبيقات ومشاهدة الفيديوهات مع أطفالهم لتحديد مدى ملاءمتها لطبيعة الطفل، بدل ترك الطفل يتخذ هذه القرارات وحده. فالآباء هم الأقدر على الحكم على مدى مناسبة التطبيق أو الفيديو لمرحلة نمو الطفل الحالية ومعرفته.
ولا ينبغي أن يشعر الآباء بالضغط لإدخال أطفالهم إلى عالم التكنولوجيا مبكرًا بهدف تحقيق ميزة تنافسية. فالأطفال سيلحقون بغيرهم لاحقًا في المدرسة أو عند تقدمهم في العمر. لكن إذا رغب الآباء في تقديم الوسائط الرقمية مبكرًا، فإن الحد الأدنى الموصى به هو عمر 18 شهرًا. وفي هذا العمر تحديدًا، من الضروري أن يشارك الوالدان الطفل في الاستخدام أو المشاهدة حتى يكون هناك أي فائدة تعليمية، مثل تعلم كلمات جديدة. وإلا فقد يتحول الجهاز اللوحي إلى مجرد تلفاز متنقل أو لعبة سبب ونتيجة.
الحدود الزمنية والقواعد لا تزال مهمة
ما زلنا نوصي بوجود حدود زمنية، وهي ساعة واحدة يوميًا من الوسائط الترفيهية، وهذا لا يشمل مكالمات الفيديو أو التقاط الصور أو الاستخدام المشترك مع الوالدين كأداة تعلم، وغيرها من الاستخدامات المماثلة. كما نوصي بوضع قواعد واضحة لعدة أسباب.
أولًا، يتم تدريب أطباء الأطفال ليكونوا مدافعين عن الطفل، مما يجعلهم بطبيعتهم أكثر حرصًا على مصلحته. ومن خلال خبرتنا اليومية في العيادات، نلاحظ أن بعض الأطفال يواجهون مشكلات في النوم أو السمنة أو الدراسة أو العلاقات أو السلوك، ويبدو أن لهذه المشكلات ارتباطًا بعادات استخدام الوسائط الرقمية بشكل غير صحي.
نسمع من الآباء طلبًا واضحًا للحصول على إرشادات عملية حول دور الأجهزة الرقمية في حياة الأسرة. فهم يريدون معرفة ما الذي يمكن لأطفالهم مشاهدته، وكم من الوقت. كما يسألون كيف يمكنهم ضمان أن يصبح أطفالهم متمكنين من التكنولوجيا دون أن يصلوا إلى مرحلة يفضل فيها الطفل العالم الرقمي ويختاره على حساب الأنشطة الأخرى المهمة.
كما يعبر الآباء عن عدم رغبتهم في أن يتلقى أطفالهم المعلومات بشكل سلبي من الوسائط الإلكترونية. وهم قلقون أيضًا من أن التطبيقات قد تفرض على الطفل أفكار اللعب. كما أنهم يبحثون عن بدائل تساعد على تنمية الإبداع والمثابرة والمهارات المعرفية والاجتماعية والعاطفية التي يحتاجها الأطفال للنجاح في المدرسة.
وبشكل عام، لا تزال الأبحاث تشير إلى أن الإفراط في استخدام الوسائط الرقمية يرتبط باضطرابات في النوم، وزيادة خطر السمنة، وتراجع في بعض جوانب النمو مثل ضعف الوظائف التنفيذية، وهي ما يمكن تشبيهه بـ”مدير الدماغ” المسؤول عن التركيز وضبط الاندفاع والتخطيط. لذلك نوصي بأن يعطي الآباء أولوية كبيرة للعب غير المنظم، والتفاعل الاجتماعي، والأنشطة غير المرتبطة بالشاشات قدر الإمكان.
لقد كان الآباء دائمًا هم من يفسر العالم للأطفال الصغار. وإذا أردنا أن ينشأ الأطفال بفهم صحي للأدوات الرقمية وكيفية استخدامها بفعالية وإبداع ولطف، فعلينا أن نعلمهم ذلك. وهذا يعني الإرشاد المباشر، إضافة إلى أن نكون نحن أنفسنا قدوة بسلوكنا منذ البداية. والهدف على المدى الطويل هو تربية أطفال يرون في آبائهم مرجعًا يُلجؤون إليه عندما يواجهون محتوى غريبًا على الإنترنت أو تجارب سلبية على وسائل التواصل الاجتماعي.
نريد تربية أطفال لا يفرغون مشاعرهم السلبية بطريقة مؤذية على الآخرين عبر الإنترنت، ولا يفرطون في مشاهدة الفيديوهات أو الألعاب بشكل إدماني. نريد تربية أطفال يتمتعون بعادات نوم جيدة، وصحة جسدية جيدة، واهتمامات متنوعة، وفضول تجاه العالم، ويشعرون بالرضا عن تعلمهم وعلاقاتهم سواء في العالم الرقمي أو خارجه. ونأمل أن تساعد هذه الإرشادات الجديدة الجميع، الآباء والمهنيين الصحيين والأطفال، على تحقيق ذلك.
