بقلم: كارين هيلي
يُعد تعرّض الطفل للتنمّر في المدرسة من أكبر المخاوف التي يعيشها الوالدان، وتشير الأبحاث إلى أن هذا الخوف في محله تمامًا. فقد وُصف التنمّر المدرسي بأنه أحد أخطر التهديدات لصحة الأطفال والمراهقين النفسية.
وتُظهر الدراسات المحكمة أن التعرّض للتنمّر في المرحلة الابتدائية يزيد من احتمالية الإصابة بمشكلات نفسية خطيرة خلال المراهقة، وقد يمتد أثره ليؤدي إلى اكتئاب مستمر حتى مرحلة البلوغ.
محاصرون بين خيارين صعبين
عندما يكتشف الوالدان أن طفلهما يتعرض للتنمّر، فمن الطبيعي أن يشعروا بالقلق الشديد. لكن السؤال الصعب هو: ماذا يجب أن يفعلوا تحديدًا؟ هل يتواصلون مع المدرسة؟ أم مع والدي الطفل الآخر؟ أم يتركون الطفل يتعامل مع الأمر بنفسه؟
غالبًا ما يكون من الصعب الموازنة بين النصائح المتضاربة. فالوالدان يريدان حماية طفلهما بشدة، لكن التدخل السريع قد يُفسَّر أحيانًا على أنه مبالغة في الحماية أو تدليل زائد.
في المقابل، تنصح إدارات المدارس عادةً بترك الأمر لها للتعامل معه. وهذا يكون جيدًا إذا نجحت المدرسة في إيقاف التنمّر، لكن هذا لا يحدث دائمًا. إذ إن معظم البرامج المدرسية لمكافحة التنمّر تحقق تحسنًا محدودًا فقط، ما يعني أن بعض الأطفال يستمرون في التعرض له.
وقد يفسّر ذلك لجوء بعض الأهالي إلى أخذ الأمور بأيديهم، وهو ما قد يضعهم في مواقف قانونية غير واضحة إذا قاموا بتوبيخ أطفال آخرين، كما قد يؤدي إلى خلافات حادة بين أولياء الأمور. ومن الواضح أن أياً من هذه الطرق ليس مثاليًا.
أبحاث حديثة حول دور الوالدين
أصبح من المعروف اليوم أن أسلوب التربية يؤثر بشكل مباشر على احتمالية تعرض الطفل للتنمّر. فقد خلص تحليل شمولي في عام 2013 إلى أن التربية الدافئة والداعمة تُعد عامل حماية مهم، بينما تُعد التربية السلبية عامل خطر يزيد من احتمالية تعرض الطفل للتنمّر.
كما أظهرت دراسة كبيرة أخرى في المملكة المتحدة أن العلاقات الأسرية الداعمة تساعد أيضًا في حماية الطفل من الآثار النفسية السلبية للتنمّر. فعندما يشعر الطفل بدعم والديه، تقل احتمالية أن يصبح هدفًا للتنمّر، كما يصبح لديه شخص يلجأ إليه عندما يواجه مشاكل في المدرسة، مما يساعده على التكيف.
وقد حددت الأبحاث طريقتين إضافيتين يمكن للوالدين من خلالهما تحسين علاقات الطفل مع أقرانه: الأولى هي تدريب الطفل على المهارات الاجتماعية، والثانية هي دعم صداقاته بشكل فعال.
فالوالدان يريان الطفل يوميًا، مما يضعهما في موقع مثالي لمساعدته على التعامل مع مشكلات العلاقات. ويمكنهما تحسين مهاراته الاجتماعية ليصبح أكثر قبولًا بين أقرانه، كما يمكنهما دعم صداقاته من خلال تنظيم لقاءات لعب وأنشطة تساعده على بناء علاقات وثيقة مع زملائه. ووجود صداقات جيدة في المدرسة يُعد عامل حماية مهم ضد التنمّر.
وهناك برنامج في جامعة كوينزلاند يُسمى “المرونة Triple P”، يعلّم الوالدين كيفية دعم الطفل، ودعم صداقاته، وتدريبه على المهارات الاجتماعية والعاطفية، والتواصل الفعّال مع المدرسة والبالغين الآخرين.
في إحدى الدراسات، تم توزيع 111 عائلة عشوائيًا إما للمشاركة في البرنامج أو عدم المشاركة، وتمت متابعتها لمدة تسعة أشهر. وقد كانت المدارس على علم بأن بعض الأسر لديها مخاوف تتعلق بالتنمّر.
أظهرت النتائج أن الأطفال الذين شاركت أسرهم في برنامج “المرونة Triple P” شهدوا انخفاضًا أكبر في التعرض للتنمّر، والضيق النفسي، والاكتئاب. كما أفاد المعلمون بأن هؤلاء الأطفال أصبحوا أكثر قبولًا من قبل أقرانهم، وأفاد الأطفال أنفسهم بأنهم أصبحوا أكثر استمتاعًا بالمدرسة.
يعتمد البرنامج على إشراك الوالدين في مساعدة الطفل على التعامل مع مشكلات الأقران بشكل فعال، وفي حال لم تنجح محاولات الطفل، أو كان في خطر، ينتقل الوالدان إلى دور الدفاع المباشر عن الطفل.
كيف يساعد الوالدان الطفل على التكيف
إذا تحدث طفلك معك عن مشاكل مع أطفال آخرين في المدرسة، فهذه علامة إيجابية. فكثير من الأطفال لا يبوحون بمشكلة التنمّر، إما بسبب الشعور بالخجل أو الخوف من رد فعل الوالدين. لذلك من المهم جدًا أن يستمع الوالدان بهدوء عندما يشارك الطفل مشكلته، لأن الانفعال أو ردود الفعل المبالغ فيها قد تدفع الطفل إلى التوقف عن الحديث في المستقبل.
أما إذا كان الطفل لا يتحدث عن الأمر، فهناك علامات قد تشير إلى تعرضه للتنمّر، مثل تجنب الذهاب إلى المدرسة أو المواقف الاجتماعية، أو زيادة الحساسية وتقلب المزاج، أو تغيرات في النوم والأكل، أو ظهور أعراض جسدية غير مبررة. وإذا ظهرت هذه العلامات، يمكن للوالدين طرح أسئلة لطيفة لمعرفة كيف تسير أمور حياته في المدرسة والجوانب الأخرى.
سواء كان الطفل يتعرض للتنمّر أم لا، من المهم دعم صداقاته باستمرار، لأن ذلك يُعد استثمارًا في صحته النفسية على المدى الطويل. ويشمل ذلك تخصيص وقت للقاء أصدقائه، والتعرف على أولياء أمور آخرين لدعم علاقاته الاجتماعية.
وعندما ينزعج الطفل من سلوك أطفال آخرين، يمكن للوالدين أن يكونا مصدر دعم مهم له، من خلال مساعدته على فهم المواقف واتخاذ قرارات مناسبة.
في كثير من الحالات يمكن حل المشكلات إذا تعلم الطفل كيف يدافع عن نفسه بهدوء. ويمكن للوالدين مساعدته على التدرب على ذلك.
كما يمكنهم مساعدته على تجاهل المشكلات البسيطة، وتعزيز صداقاته مع الأطفال اللطفاء، وحل النزاعات المستمرة، وطلب المساعدة من المعلم عند الحاجة.
التواصل مع المدرسة والبالغين الآخرين
إذا لم يتمكن الطفل من التعامل مع المشكلة بنفسه، يصبح من الضروري أن يتدخل الوالدان للتواصل نيابة عنه. ويُفضل أن يكون التواصل أولًا مع المدرسة، سواء مع المعلم إذا كانت المشكلة داخل الصف، أو مع إدارة المدرسة إذا كانت أوسع من ذلك.
ومن المهم أن يخطط الوالدان جيدًا لما سيقولانه عند التواصل مع المدرسة، لأن المدارس قد تتخذ موقفًا دفاعيًا عند الحديث عن التنمّر. لذلك ينبغي الحفاظ على الهدوء وشرح ما حدث بدقة وكيف تأثر الطفل، مع طلب المساعدة لتحسين الوضع ومتابعة التطورات بمرور الوقت.
وقد يحتاج الوالدان أيضًا إلى التواصل مع بالغين آخرين يشرفون على الطفل خارج المدرسة، مثل المشرفين في الأنشطة بعد الدوام، أو مدربي الرياضة، أو قادة الكشافة، أو معلمي الرقص.
ويصبح الأمر أكثر حساسية إذا حدثت المشكلات تحت إشراف أصدقاء أو أفراد من العائلة. ومع ذلك تبقى المبادئ نفسها، وهي طلب المساعدة بهدوء دون إلقاء اللوم، وأحيانًا يمكن البدء بالاعتراف بوجود مشكلة بين الأطفال واقتراح التعاون لحلها.
وعادةً لا يُنصح بالتواصل المباشر مع والدي الطفل الآخر إذا لم تكن هناك علاقة جيدة مسبقة، لأن ذلك قد لا يحل المشكلة وقد يؤدي إلى تصعيد الخلاف، مما يزيد الوضع تعقيدًا بين الأطفال ويصعّب على المدرسة التدخل.
ماذا لو لم تنجح الحلول؟
أحيانًا، وعلى الرغم من كل الجهود التي يبذلها الوالدان والمدرسة، يستمر التنمّر. وهذا الوضع يشكل خطرًا غير مقبول على الطفل.
إذا استمر الطفل في المعاناة ولم تستجب المدرسة بشكل كافٍ، يمكن التفكير في خيارات أخرى، مثل التواصل مع الجهات التعليمية الأعلى أو الإبلاغ عن حالات الاعتداء الجسدي أو التنمّر الإلكتروني للشرطة.
كما يمكن التفكير في نقل الطفل إلى مدرسة أخرى قد تكون بيئة أفضل له، لكن من المهم إشراك الطفل في هذا القرار وعدم اتخاذه بشكل منفرد.
