القائمة الرئيسية

كيف يمكن تعزيز الإبداع داخل الصف الدراسي

كيف يمكن تعزيز الإبداع داخل الصف الدراسي
ملخص المقال

يتناول المقال في موقع the conversation

بقلم دان ديفيز أهمية الإبداع في التعليم بوصفه مهارة أساسية في القرن الحادي والعشرين، نظرًا لتغيرات الاقتصاد العالمي وتعقّد المشكلات التي تتطلب تفكيرًا مرنًا وحلولًا مبتكرة. ويشير إلى أن فهم الإبداع غالبًا ما يكون محدودًا لدى المعلمين، إذ يُختزل في الفنون، بينما هو أوسع من ذلك ويعني ربط أفكار غير مترابطة. ويؤكد أن تعزيز الإبداع في التعليم يتطلب تمكين المعلمين أنفسهم من التجريب والابتكار داخل الصف، وتوفير بيئات تعلم مرنة تقوم على التوازن بين الحرية والانضباط، وتشجع التعاون والحوار والتجربة. كما يعرض أمثلة تطبيقية توضح كيف يمكن للأنشطة غير التقليدية والتعلم القائم على الاستكشاف والمشاريع العملية أن تنمّي فضول الطلاب وتعمّق فهمهم للمفاهيم العلمية. ويخلص إلى أن الإبداع في التعليم لا يحدث عفويًا، بل يحتاج إلى تخطيط وجهد واعٍ من المعلم، لكنه يفتح المجال أمام تعلم أعمق وأكثر فاعلية.

بقلم: دان ديفيز

يُعدّ الإبداع من أهم المهارات في القرن الحادي والعشرين داخل بيئة التعليم. لذلك بدأت العديد من الدول بإدراجه كهدف أساسي في مناهجها الوطنية، حتى أن دولًا متقدمة في التعليم مثل سنغافورة، التي تتصدر التصنيفات العالمية، باتت تعترف بأهمية تنمية الإبداع بشكل أكبر داخل مدارسها.

هذا الاهتمام المتزايد من قبل المعلمين وقادة المدارس والباحثين والحكومات يعود جزئيًا إلى قناعة متنامية بأن الاقتصاد العالمي سريع التغير يحتاج إلى أفراد يمتلكون مرونة ذهنية عالية، تمكنهم من التكيف مع التحولات المستمرة بدلًا من اتباع مسار مهني تقليدي ثابت.

نحن نعيش في عالم تتزايد فيه تعقيدات المشكلات، ما يجعل الحاجة إلى حلول مبتكرة أمرًا ضروريًا. كما أن إتاحة الفرصة للأفراد لاستكشاف إبداعهم تمنحهم شعورًا أكبر بالقدرة على التأثير والسيطرة على حياتهم.

ومع ذلك، من المثير للدهشة أن عددًا قليلًا من المعلمين يصفون أنفسهم بأنهم مبدعون. ويعود ذلك غالبًا إلى أن مفهوم الإبداع لديهم يرتبط بالنموذج الفني الأدائي، مثل العزف على آلة موسيقية أو الرسم أو التمثيل أو كتابة قصة أو قصيدة أو أغنية فريدة. بينما المفهوم الأوسع للإبداع هو القدرة على ربط أفكار أو سياقات لم تكن مرتبطة من قبل، وهو ما وصفه الكاتب المجري البريطاني آرثر كويستلر بمصطلح “الترابط بين فكرتين غير مرتبطتين”.

في عام 2013، قمت بقيادة فريق بحث أجرى مراجعة شاملة حول بيئات التعلم الإبداعية في التعليم لصالح الحكومة الاسكتلندية. ومن خلال تحليل عدد من الدراسات، وجدنا أن تعزيز الإبداع لدى الطلاب يتطلب أولًا أن يعيد المعلمون النظر في تصوراتهم المسبقة حول معنى الإبداع، كجزء من عملية التطوير المهني.

منح المعلمين مساحة للإبداع

يحتاج المعلمون إلى الحصول على صلاحية حقيقية للابتكار والتجريب داخل الصف، وهي صلاحية غالبًا ما تكون محدودة في البيئات التعليمية التي تركز على الاختبارات عالية المخاطر. وعندما يُمنح المعلمون هذا الدعم والثقة، يصبح بإمكانهم تصميم بيئات تعلم أكثر إبداعًا لطلابهم، تشمل البيئة المادية للصف، وأسلوب التدريس نفسه.

وتتسم هذه البيئة بعدة خصائص مهمة، منها أن يكون لدى الطلاب قدر من التحكم في تعلمهم، وأن يتحقق توازن بين الانضباط والحرية، وأن يتبنى المعلمون أسلوبًا مرحًا وتفاعليًا في التدريس. كما يجب أن يُستخدم الوقت بمرونة، وأن تقوم العلاقة بين المعلم والطلاب على التوقعات العالية والاحترام المتبادل والنقاش والحوار، إضافة إلى نمذجة سلوكيات إبداعية من قبل المعلم. كذلك يُشجع الطلاب على العمل التعاوني وتقييم أعمال بعضهم البعض.

ورغم أن كل خاصية من هذه الخصائص قد تبدو منفردة جزءًا من التعليم الجيد، إلا أن الجمع بينها هو ما يصنع بيئة تعليمية قادرة على تعزيز الإبداع بشكل حقيقي.

ومن الأمثلة التي توضح ذلك، تجربة أحد المعلمين في مقاطعة سومرست، حيث فاجأ طلابه بترتيب أنشطة على الطاولات أثناء فترة الاستراحة قبل درس “الغازات”. تضمنت الأنشطة شمعة مشتعلة، وأكوابًا بلاستيكية تحتوي على عدد مختلف من الكرات، وكُرات مطاطية منفوخة وأخرى فارغة.

لم يقدم المعلم أي شرح شفهي، بل وضع بطاقات أسئلة بجانب الأنشطة، مثل: راقب الشمعة أثناء احتراقها، ماذا تلاحظ؟ انظر إلى ترتيب الكرات، حرّكها، ماذا يحدث؟ اضغط على الكرتين المطاطيتين، ماذا يمكنك أن تقول؟

في البداية بدا الطلاب في حالة من الحيرة، لكن سرعان ما بدأوا بالتفاعل مع التجارب ومناقشة أفكارهم. هذا الأسلوب غير المتوقع في بدء الدرس، والخروج عن الروتين المعتاد، إضافة إلى دعوة الطلاب للنظر إلى الظواهر اليومية بطريقة مختلفة، شكّل نقطة جذب قوية أثارت فضولهم تجاه موضوع علمي جديد.

تحويل المفاهيم المجردة إلى تجربة ممتعة

في مثال آخر، استخدم منسق العلوم في إحدى المدارس الابتدائية في جنوب غلوسترشاير تقنية الرسوم المتحركة باستخدام الصلصال، على طريقة أفلام “والاس وغروميت”، لمساعدة الأطفال على فهم مفهوم القوى في مواقف حياتية واقعية.

عمل الطلاب في مجموعات صغيرة مكونة من شخصين أو ثلاثة، وطُلب منهم إعداد قصة قصيرة باستخدام الرسوم المتحركة، تتضمن أمثلة يومية على القوى المؤثرة في الأشياء.

قامت إحدى المجموعات المكونة من ثلاث فتيات بتصوير قصة بسيطة عن ولدين يتشاجران ويدفعان بعضهما أرضًا، مع دخول كلب يقفز فوقهما. ثم أضافوا تعليقات على الفيديو باستخدام الحاسوب مثل الدفع والسحب والجاذبية ومقاومة الهواء.

وقد علّق أحد الأطفال قائلًا إن استخدام الرسوم المتحركة يجعل الإبداع أسهل، لأنه يسمح لهم بتصميم ما يريدون القيام به والتفكير في كيفية عمل القوى وتطبيقها.

لم يساعد هذا النشاط فقط على فهم مفهوم علمي معقد مثل القوى، بل أتاح أيضًا للطلاب حرية الاختيار، وربط التعلم بمحتويات أخرى، والتفكير النقدي عند مراجعة نتائج أعمالهم.

تُظهر هذه الأمثلة أن إبداع المعلم واستعداده للمجازفة يمكن أن يفتح المجال أمام إبداع الطلاب في طريقة التعلم. غير أن التعليم من أجل الإبداع ليس عملية سهلة أو عشوائية، بل يتطلب إعدادًا دقيقًا وتخطيطًا واعيًا. وكما قال توماس إديسون، فإن العبقرية هي واحد بالمئة إلهام وتسعة وتسعون بالمئة عمل وجهد.

المصدر

مقالات ذات صلة