بقلم: فاليري فان مولكوم
سواء كنت تنبهر بلوحة فنسنت فان غوخ «ليلة النجوم» أو بنظريات ألبرت أينشتاين حول الزمكان، فستتفق على الأرجح أن كلاهما يمثل ذروة الإبداع الإنساني. فالمخيّلة هي القوة التي تدفعنا كنوع بشري إلى الأمام، إذ توسّع آفاقنا وتمنحنا أفكارًا واكتشافات واختراعات جديدة.
لكن لماذا يختلف الناس بهذا الشكل الكبير في قدرتهم على التخيل؟ وهل يمكن تدريب العقل ليصبح أكثر إبداعًا وخيالًا؟ يقدم العلم بعض الإجابات التي تعتمد على ثلاثة أنواع مترابطة من الخيال.
النوع الأول هو الخيال الإبداعي
وهو ما نقصده عادة بالإبداع الكبير، مثل تأليف عمل موسيقي ضخم أو الوصول إلى اكتشاف علمي غير مسبوق. وهذا يختلف عن الإبداع اليومي البسيط، مثل إيجاد حلول ذكية لمشكلات الحياة اليومية أو ممارسة الأشغال اليدوية.
الإلهام الإبداعي غالبًا ما يكون صعب الوصول إليه وغير ثابت، ولهذا سعى الفنانون والعلماء منذ زمن طويل إلى فهم كيفية توليد الإبداع أو الدخول في حالته.
لكن هل يمكن فعل ذلك فعلاً؟ تشير الدراسات إلى أن بعض الأشخاص لديهم استعداد طبيعي أعلى للإبداع، لكن البيئة والتجربة الجادة يمكن أن تلعب دورًا كبيرًا في تطوير هذه القدرة. فقد أظهرت تجارب على الأطفال أن تعرضهم للمحتوى الإبداعي أو مشاهدتهم لأشخاص مبدعين يزيد من مستوى إبداعهم لاحقًا.
ويتكون الخيال الإبداعي من مرحلتين أساسيتين. المرحلة الأولى هي التفكير التباعدي، وهي القدرة على إنتاج عدد كبير من الأفكار المختلفة المرتبطة بمشكلة واحدة أو موضوع واحد. ويعتمد هذا النوع من التفكير غالبًا على الحدس والسرعة والتلقائية. ثم تأتي المرحلة الثانية وهي التفكير التقاربي، حيث يتم تقييم هذه الأفكار واختيار الأنسب منها. وهذه المرحلة تعتمد على التفكير التحليلي البطيء والمتأني الذي يساعد على اختيار الفكرة الأكثر جدوى.
لذلك، إذا أردت إنتاج عمل إبداعي مميز، فإن جلسات العصف الذهني مع الآخرين أو حضور دورات في الكتابة أو التفكير الإبداعي قد تساعدك على توليد أفكار جديدة.
لكن الوصول إلى الأفكار وحده لا يكفي، فاختيار الفكرة المناسبة لا يقل أهمية. وتشير الأبحاث إلى أن العامل الأهم هنا هو الخبرة والتعرض الطويل للمجال. فكلما قضيت وقتًا أطول في التعلم والتجربة وارتكاب الأخطاء، أصبحت أكثر قدرة على توليد أفكار جيدة بشكل حدسي، وكذلك أكثر دقة في تقييمها بعقلية تحليلية.
لذلك فإن النجاح الإبداعي لا يعتمد على انتظار الإلهام فقط. وكما قال عالم الأحياء الدقيقة لويس باستور فإن الحظ يساعد العقل المستعد. وينطبق الأمر نفسه على الفن، كما عبّر بابلو بيكاسو حين قال إن عليك أن تتعلم القواعد كالمحترفين حتى تتمكن من كسرها كفنان.
النوع الثاني هو الخيال الفانتازي
وهو القدرة على الانغماس الكامل في عالم من الأفكار أو الصور الذهنية، وهو عنصر مهم لدى كثير من الأشخاص الذين ينجزون أعمالًا إبداعية كبيرة. هذا النوع من الخيال يرتبط بميل الشخص إلى أحلام اليقظة وبقدرته على الانغماس في عوالم متخيلة تبدو وكأنها حقيقية.
ورغم أن هذا النوع من الخيال قد يبدو غير عملي، لأنه قد يؤدي إلى الشرود وصعوبة التركيز على متطلبات الحياة اليومية، إلا أن له جانبًا إيجابيًا مهمًا. كما أنه قد يتفاقم أحيانًا كرد فعل على الصدمات النفسية، حيث يصبح وسيلة للهروب من الواقع.
لكن فوائده واضحة أيضًا، فالأطفال الذين ينخرطون في اللعب التخيلي وتمثيل الأدوار يطورون قدرات أعلى في الإبداع وسرد القصص وفهم وجهات نظر الآخرين. أما البالغون، فقد يساعدهم هذا النوع من الخيال على تحسين الذاكرة، وتعزيز القدرة على حل المشكلات الإبداعية، وتحسين مهارات التخطيط.
ويمكن تنمية هذا النوع من الخيال أيضًا. إذ تشير الدراسات إلى أن الأطفال الذين يشجعهم والداهم على اللعب التخيلي والتمثيل يطورون لاحقًا مستوى أعلى من الانغماس في الخيال. وحتى في مرحلة البلوغ، فإن الأشخاص الذين يمارسون التمثيل كهواية غالبًا ما يمتلكون قدرة أكبر على هذا النوع من الخيال.
النوع الثالث هو الخيال الحدثي
وهو قريب من الخيال الفانتازي، لكنه يعتمد بشكل أساسي على تفاصيل حقيقية من الذاكرة، وليس على صور متخيلة بالكامل. أي أنه يستخدم أحداثًا وتجارب سابقة لبناء صور ذهنية للمستقبل أو لإعادة تصور الماضي.
يساعد هذا النوع من الخيال الإنسان على إعادة تصور ما حدث في الماضي بطريقة مختلفة، مما يتيح له التعلم من الأخطاء. كما يساعده على تخيل المستقبل والاستعداد له بشكل أفضل. وتشير بعض الدراسات إلى أن الأشخاص الذين يمتلكون قدرة عالية على التصور البصري يعيشون تفاصيل أكثر دقة وحسية عند تخيل المستقبل.
ومن المثير للاهتمام أن كثيرًا من كتب تطوير الذات تروّج لفكرة أن مجرد تخيل النتيجة المرغوبة يؤدي إلى تحقيقها، لكن الأبحاث تشير إلى عكس ذلك. فالطريقة الأكثر فاعلية هي تخيل عملية الوصول إلى الهدف وليس النتيجة النهائية فقط. فقد أظهرت إحدى الدراسات أن الطلاب الذين تخيلوا النجاح فقط حصلوا على نتائج أسوأ من أولئك الذين تخيلوا خطوات الدراسة والتحضير اللازمة لتحقيق النجاح.
في النهاية، يمتلك كل إنسان قدرة على التخيل بدرجات متفاوتة، ومن الصعب تخيل عالم بلا هذه القدرة. وحتى لو لم تحقق بعد ما تطمح إليه من أعمال إبداعية، فإن الاستمرار في المحاولة مهم جدًا. فالإبداع يتطور من خلال اللعب والممارسة والخبرة، وهذه العناصر قد تجعلك أكثر قدرة على الابتكار وربما أكثر ذكاءً أيضًا.
وكما يُنسب إلى أينشتاين قوله إن العلامة الحقيقية للذكاء ليست في المعرفة بل في الخيال.
