القائمة الرئيسية

هل يمكن للبالغين أن يستعيدوا روح اللعب؟

هل يمكن للبالغين أن يستعيدوا روح اللعب؟
ملخص المقال

يعرض المقال في موقع greater good

بقلم ليلى روزنبرغ فكرة تراجع “اللعب الحر” في حياة البالغين، موضحًا أنه ليس مجرد ترف بل عنصر أساسي في الإبداع والفضول والصحة النفسية والاجتماعية، وأن فقدانه يرتبط بانشغالنا بالإنجاز والخوف من الأحكام والتقيد بالتوقعات. ويبيّن أن اللعب غريزة إنسانية تستمر معنا لكننا نقمعها مع التقدم في العمر، رغم دورها في التعلم والتكيف والتعافي من الضغوط. ويقترح الكتاب استعادة هذه الروح عبر تبني “عقلية مرِحة” تقوم على الانفتاح على الإمكان بدل اليقين، والتخلي عن الأحكام، وإعادة تعريف النجاح ليشمل التجربة والخطأ. وفي النهاية، يؤكد أن استعادة اللعب تعني استعادة جانب أصيل من إنسانيتنا، مما يجعل الحياة أكثر مرونة وثراءً واتصالًا بالذات والآخرين.

بقلم: ليلى روزنبرغ

يتناول كتاب حديث فكرة تراجع اللعب الحر في حياة البالغين، ذلك النوع من اللعب الذي يخلو من القواعد الصارمة والأحكام المسبقة، ويتساءل عن الأسباب التي تدفعنا إلى فقدانه مع مرور الوقت، ولماذا ينبغي لنا أن نستعيده لما له من أثر عميق في تنمية الإبداع والفضول والتعلم.

تخيل امرأة أنهت يوم عملها وقررت أن تصحب كلبها إلى الحديقة. كانت القواعد في ذلك الوقت تفرض إبقاء الحيوانات الأليفة مقيّدة، لكنها نظرت حولها ورأت أن المكان شبه خالٍ، فسمحت لكلبها بأن يتحرك بحرية. لم تمضِ لحظات حتى لمح الكلب مجموعة من الأشخاص في الطرف الآخر من الحديقة، فانطلق نحوهم مسرعًا.
شعرت المرأة بالذعر، وتخيلت أسوأ السيناريوهات: أن يقفز الكلب عليهم، وأن يوبخوها لأنها خالفت القواعد. لكنها فوجئت برد فعل مختلف تمامًا. ابتسم أولئك الأشخاص وقالوا لها بلطف: شكرًا لأنك منحتنا فرصة مشاركة كلبك فرحته.
لو كنت في هذا الموقف، ما الذي سيلفت انتباهك أولًا: بهجة الكلب أم خرق القواعد؟

هذه القصة ليست سوى مثال يورده كتاب بعنوان Playful: How Play Shifts Our Thinking, Inspires Connection, and Sparks Creativity. وهي تفتح الباب أمام تساؤل أعمق: كيف يرى البالغون العالم؟ فنحن لا نختبر الواقع كما هو، بل كما نختار أن نراه. إذا كنا منفتحين على الفرح والخفة، سنجدها بسهولة في تفاصيل الحياة اليومية. أما إذا فقدنا حس اللعب، فإننا نصبح أكثر عرضة للانشغال بالخوف، وبمراقبة الآخرين، وبنقد أنفسنا باستمرار.

تطرح مؤلفة الكتاب فكرة أن اللعب ليس مجرد نشاط ترفيهي، بل يمكن اعتباره عدسة نرى من خلالها العالم بطريقة أكثر إشراقًا. وعندما نعيد اكتشاف اللعب، فإننا في الحقيقة نعيد الاتصال بجوانبنا الأصيلة التي تراجعت تحت ضغط المسؤوليات. فالحياة في نظرها تصبح أكثر اتساعًا ومرونة وسعادة حين نسمح لأنفسنا باللعب. وتؤكد أن اللعب عنصر أساسي من عناصر الحياة الصحية، ليس فقط لرفاهنا الشخصي، بل أيضًا لطبيعة علاقاتنا مع الآخرين.

وترى أن استعادة اللعب الحر ممكنة من خلال ثلاث تحولات أساسية: أن نسمح للإمكان بالظهور بدل التمسك باليقين، أن نتخلى عن الأحكام، وأن نعيد تعريف النجاح.

يرتكز الكتاب على فكرة أن اللعب ليس حكرًا على الأطفال، بل هو حاجة إنسانية تمتد عبر جميع المراحل العمرية، وله آثار عاطفية واجتماعية ونمائية عميقة، حتى وإن اعتاد الناس النظر إليه على أنه أمر ثانوي في حياة البالغين.

كيف يتراجع اللعب مع التقدم في العمر

مع مرور السنوات، يتغير إيقاع الحياة. يصبح الإنسان أكثر انشغالًا بالأهداف، وأكثر سعيًا إلى الكفاءة، إلى درجة أنه يفقد القدرة على التوقف والتأمل. نركض خلف الإنجاز لدرجة أننا لا نكاد نلاحظ ما حولنا من جمال. تفرض علينا متطلبات العمل والأسرة والنجاح نوعًا من الصرامة الداخلية، فنصبح أكثر قسوة على أنفسنا وأكثر خوفًا من الفشل.

لكن على الرغم من ذلك، يظل اللعب جزءًا أصيلًا من طبيعتنا. فهو ليس مهارة مكتسبة، بل غريزة إنسانية، مثل الخوف والرغبة. الأطفال يمارسون اللعب بشكل عفوي، ويعبّرون من خلاله عن شخصياتهم وميولهم. ومن الناحية النمائية، يشكل اللعب بيئة خصبة لنمو الإبداع والفضول والتعلم، وهي كلها قدرات يحتاجها البالغون، لكنهم غالبًا ما يقمعونها دون وعي.

تشير المؤلفة أيضًا إلى أن غياب اللعب ليس مسألة بسيطة، بل قد تكون له آثار عميقة. فالأشخاص الذين ينشؤون في بيئات تفتقر إلى اللعب قد يعانون من نوع من الانفصال العاطفي. وعلى الجانب الآخر، يظهر اللعب كأداة فعالة في التعامل مع الخوف والصدمات. بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، على سبيل المثال، شُجّع الأطفال على استخدام الألعاب للتعبير عن مخاوفهم وفهم ما حدث. كما أن الأطفال المرضى، وخاصة المصابين بأمراض خطيرة، يستجيبون بشكل أفضل للعلاج عندما يكون اللعب والمرح جزءًا من تجربتهم.

ومع ذلك، ومع دخول مرحلة المراهقة ثم الرشد، يبدأ التباعد التدريجي عن اللعب. ينشأ صراع داخلي بين ما يمكن تسميته بصوت اللعب وصوت النضج. يصبح الإنسان أكثر وعيًا بنظرة الآخرين إليه، وأكثر حرصًا على الالتزام بالتوقعات الاجتماعية. ومع الوقت، تتقلص مساحة اللعب الحر حتى تكاد تختفي.

صحيح أن بعض أشكال اللعب تستمر في حياة البالغين، مثل الألعاب الإلكترونية أو الرياضة أو غيرها من الأنشطة المنظمة، لكنها غالبًا ما تكون محكومة بقواعد واضحة وتوقعات محددة، وهو ما يحدّ من طبيعتها الاستكشافية. لذلك تقترح المؤلفة إعادة التفكير في مفهوم اللعب لدى البالغين، وتعرض أشكالًا مختلفة له، مثل اللعب الذي يقوم على حل المشكلات، أو اللعب الجسدي كالحركة والرقص، أو حتى بعض أشكال المزاح الخفيف. وتؤكد أن المساحة المتاحة للعب أكبر مما نتصور، لكننا لا ننتبه إليها.

كيف يمكن استعادة روح اللعب

في الجزء الثاني من الكتاب، تنتقل المؤلفة من التشخيص إلى الحل، وتطرح فكرة العقلية المرِحة، وهي حالة ذهنية يمكن تنميتها لدى البالغين.

البداية تكون بفتح الباب أمام الإمكان. أي أن نسمح لأنفسنا بخوض التجربة دون أن ننتظر موافقة الآخرين أو مشاركتهم. يتطلب ذلك قدرًا من الجرأة على الخروج من أنماط التفكير الصلبة، وإفساح المجال للتجربة والغموض والاكتشاف. عندما نفعل ذلك، نعيد الاتصال بذلك الجزء في داخلنا الذي تحركه الرغبة في المعرفة.

ثم يأتي دور التخلي عن الأحكام. كثير من البالغين يترددون في اللعب لأنهم يخشون أن يبدو تصرفهم غير مناسب أو غير جاد. لكن الحقيقة أن اللعب لا يخضع لمعيار صحيح أو خاطئ. كما أن الهوية، سواء لدى الأطفال أو البالغين، تتشكل من خلال التجربة. عندما نتحرر من القيود، تنفتح أمامنا إمكانات جديدة للإبداع. ويشمل ذلك أيضًا إعادة النظر في الأعراف الاجتماعية، والسماح لأنفسنا بالإبداع قبل إصدار الأحكام، والتخفف من الهياكل التي تحدّ من استقلاليتنا.

أما الخطوة الأخيرة فهي إعادة تعريف النجاح. كثيرًا ما يرتبط النجاح في أذهان البالغين بالكمال وتجنب الخطأ. لكن اللعب يقدم منظورًا مختلفًا، حيث يصبح الفشل جزءًا طبيعيًا من عملية التعلم. الفكرة هنا ليست في الوصول إلى نتيجة مثالية، بل في خوض التجربة واكتشاف ما يمكن تعلمه منها. هذا التحول في النظرة يسمح بقدر أكبر من الحرية، ويعيد الاعتبار للفضول بوصفه دافعًا أساسيًا للنمو.

في النهاية، يدعو هذا الكتاب البالغين إلى إعادة الاتصال بصوت اللعب الكامن في داخلهم، ذلك الصوت الذي يحمل في طياته الفرح والخيال وروح الاستكشاف. فاللعب ليس مجرد نشاط عابر، بل هو تعبير عميق عن إنسانيتنا. من خلاله نفهم أنفسنا بشكل أفضل، ونتواصل مع الآخرين بصدق أكبر، ونتعامل مع تعقيدات الحياة بمرونة أوسع.
وبهذا المعنى، لا يصبح اللعب ترفًا يمكن الاستغناء عنه، بل ضرورة حقيقية لحياة أكثر توازنًا وعمقًا ومعنى.

المصدر

مقالات ذات صلة