بقلم: جيل سوتي
زوجي، دون، يتحدث مع أي شخص. في طابور متجر، على متن طائرة، في موقف سيارات؛ لا يهم أين نكون، فهو يبادر بالحديث. في الواقع، حصلتُ على وظيفتي الحالية لأنه كان ودودًا بما يكفي ليدعو شخصين غريبين كانا يجلسان بجانبنا في مطعم للانضمام إلى طاولتنا. وكان أحدهما داكر كيلتنر، المدير المؤسس لمركز “غريتر غود” للعلوم.
ورغم أنني رأيتُ كم يمكن أن يكون التحدث مع الغرباء ممتعًا، بل ومغيرًا للحياة أحيانًا، فإنه ليس أمرًا أفعله بسهولة. نعم، أبتسم وألقي التحية أو أشكر من يساعدني. وأعرض المساعدة على الغرباء عند الحاجة، كإعطاء الاتجاهات أو التقاط كيس مشتريات سقط. لكن هل أسعى فعلًا إلى إجراء محادثات منتظمة مع غرباء؟ ليس حقًا.
وفقًا للباحثة جيليان ساندستروم، فإن ترددي هذا يعني أنني أفوّت شيئًا مهمًا. في كتابها الجديد Once Upon a Stranger، تشرح لماذا يُعدّ التحدث مع الغرباء مفيدًا لصحتنا النفسية، وكذلك للمجتمع ككل. ويقدّم الكتاب قصصًا كثيرة عن كيف يمكن لهذه المحادثات أن تمنحنا هدايا غير متوقعة—حتى للانطوائيين—مدعومة بالأدلة العلمية.
تحدثتُ معها عن كتابها ولماذا تدافع بقوة عن التفاعل بين الغرباء. وفيما يلي نسخة محررة من حوارنا.
جيل ساتي: لماذا ينبغي أن نحاول التحدث مع الغرباء—مقارنةً مثلًا بالأشخاص الأقرب في حياتنا؟ ما الفوائد؟
جيليان ساندستروم: أول فائدة وجدناها باستمرار هي أنها تحسّن المزاج. عندما تتحدث مع شخص غريب، غالبًا ما تغادر وأنت تشعر بسعادة أكبر وبقدر أعلى من الترابط، وهو أمر بالغ الأهمية للبشر.
كما تُظهر الأبحاث أننا نتعلم أكثر مما نتوقع عند التحدث مع الغرباء. فهذا يُدخل عنصر الجِدّة إلى حياتنا ويجعلها أكثر ثراءً. وهناك أبحاث تشير إلى أن الرفاه لا يأتي فقط من السعادة أو الهدف والمعنى، بل أيضًا من “الثراء النفسي”. وأعتقد أن التحدث مع الغرباء يحقق هذا الثراء لأنه يجلب التجديد والتعلّم.
وبالطبع، العلاقات مع المقربين مميزة ومهمة وتمنحنا أشياء لا توفرها التفاعلات العابرة. لكن تنوّع شركاء الحوار مهم أيضًا للرفاه. إذ تشير الأبحاث إلى أن التفاعل مع طيف متنوع من الناس يرتبط برضا أكبر عن الحياة، وليس فقط بعدد التفاعلات.
كما نعلم أن العلاقات الضعيفة—كالمعارف—تمنحنا وصولًا إلى معلومات أوسع. وينطبق ذلك على الغرباء أيضًا، لأنهم غالبًا مختلفون عنا ويعرفون أشياء لا يعرفها المقربون منا.
س: هل للتحدث مع الغرباء فوائد اجتماعية تتجاوز الفائدة الشخصية؟
ج: نعم. عملتُ مؤخرًا مع باحثين لدراسة الفوائد المجتمعية، مثل توسيع الأفق. وبدأنا نجد أن قضاء الوقت في محادثات عميقة مع المقربين لا يغيّر هذا الجانب كثيرًا، بينما التحدث المنتظم مع الغرباء لمدة ثلاثة أسابيع يزيد من التواضع الفكري ويجعل الناس أكثر انفتاحًا على وجهات نظر مختلفة.
وخلال جائحة كوفيد، وجدتُ أن مجرد محادثة واحدة عبر الإنترنت مع غريب تزيد شعور الناس بالثقة في الآخرين.
من تجربتي الشخصية، قد تبدو هذه التفاعلات الصغيرة عادية، لكن تأثيرها يتراكم. فأرى العالم بشكل مختلف، وأشعر بأمان وثقة أكبر، وكأن العالم مكان أفضل.
س: ما أبرز المفاهيم الخاطئة التي تمنع الناس من التواصل مع الغرباء؟
ج: أكبر مخاوفنا هي أن الآخرين لا يريدون التحدث معنا، وأننا قد نُرفض. لكن الأبحاث تظهر أن هذا نادر الحدوث، وحتى عندما يحدث، لا يكون سيئًا كما نتوقع.
كما نقلق لأننا لا نعرف ماذا نقول. يخبرنا صوت داخلي أننا لسنا جيدين في هذا. نخاف من الصمت المحرج. لكن في الواقع، هذه المخاوف لا تتحقق غالبًا. نحن نستمتع أكثر مما نتوقع، والآخرون يحبوننا أكثر مما نعتقد.
س: هل يؤثر التواصل الرقمي اليوم على قدرتنا على التحدث مع الغرباء وجهًا لوجه؟
ج: نعم، لدينا فرص أقل لذلك. نعمل من المنزل ونشتري كل شيء عبر الإنترنت، مما قلل من التفاعلات العفوية. وهذا يعني أننا نتمرن أقل على التواصل.
أنا شخص انطوائي، ولم أكن أفعل ذلك دائمًا. لكن مع الوقت أصبحت أكثر شبهًا بوالدي الذي كان يجيد هذا. وهذا يجعلني أعتقد أنها مهارة يمكن تعلمها.
وقد رأينا في أبحاثنا أن الأشخاص الذين تحدثوا مع غرباء يوميًا لمدة أسبوع أصبحوا أقل خوفًا من الرفض وأكثر ثقة. الممارسة تصنع التقدم.
لكن غياب الممارسة مشكلة كبيرة. كيف ستذهب لموعد أو مقابلة عمل إذا كنت لا تعرف كيف تتحدث مع غريب؟
س: هل هناك مواقف ينبغي فيها الحذر؟
ج: بالطبع، لا أنصح بذلك في مواقف غير آمنة. الأفضل أن يكون في أماكن عامة.
ومع ذلك، أحيانًا تكون أفضل المحادثات مع أشخاص لا يبدون متقبلين. أذكر أنني تحدثت مع امرأة في مترو لندن، بدت غير مهتمة في البداية، ثم عادت وسألتني عن يومي. وعندما شاركتها قصة شخصية، فتحت قلبها وأخبرتني أنها اكتشفت للتو أنها حامل. كانت لحظة مؤثرة جدًا.
س: ما بعض النصائح للبدء؟
ج: طوّرتُ طريقة باسم QUICK:
- QU (Questions): اطرح أسئلة بدافع الفضول مثل “ماذا تفعل؟”
- IC (In Common): ابحث عن شيء مشترك مثل الطقس أو المكان
- K (Kindness): قدّم لطفًا، كمجاملة أو مساعدة
هناك فرص كثيرة حولنا، لكننا لا نلاحظها. حتى أثناء انتظار القهوة، يمكنك إما التحديق في هاتفك أو إجراء حديث بسيط مع الموظف—والفرق ملحوظ دون أن يستغرق وقتًا إضافيًا.
س: لماذا يعد التحدث مع الغرباء مهمًا؟
ج: لأنه شكل من أشكال نشر اللطف. الفائدة ليست لك فقط، بل للطرف الآخر أيضًا. فهو يحسّن المزاج، ويعزز الشعور بالترابط، ويجعلنا نشعر بأننا مرئيون.
في دراسة بعنوان “اختبار اللطف”، ذكر نحو 10% من المشاركين أن آخر عمل لطف تلقوه كان من غريب—مثل التحية أو حديث قصير أو مجاملة. هذه الأشياء الصغيرة تبني الثقة في الآخرين.
في عالم يزداد عزلة، يظل التحدث مع الغرباء فعلًا بسيطًا يمكن لأي شخص القيام به ليشعر بترابط أكبر وينشر أثرًا إيجابيًا.
