القائمة الرئيسية

ماذا تكشفه الأسر الصومالية عن العمل والطموحات وفرص المستقبل

ماذا تكشفه الأسر الصومالية عن العمل والطموحات وفرص المستقبل
ملخص المقال

تناقش هذه المقالة واقع الأسر في الصومال بين ضغوط الفقر والجفاف وارتفاع الأسعار، وكيف تحاول التكيف مع محدودية فرص العمل عبر الاقتراض والمساعدات، مع إبراز الفوارق بين الفئات الاجتماعية وتأثير الأعراف والحواجز على الوصول إلى الوظائف، وفي الوقت نفسه تكشف عن طموحات قوية لدى السكان للعمل أو إنشاء مشاريع خاصة، رغم أن نقص التمويل والفرص يظل العائق الأكبر أمام تحقيق هذه الأحلام.

مع حلول المساء في مقديشو، تضيء أضواء المتاجر على طول الشوارع المزدحمة. تتنقل عربات التوك توك وسط حركة المرور، وتُنهي العائلات تسوقها، وتنبض المدينة بحياة مألوفة. للوهلة الأولى، يبدو الأمر كأي ليلة عادية. لكن خلف هذا الإيقاع اليومي، تكمن حقيقة أكثر تعقيدًا. ففي أنحاء الصومال، أمضت الأسر العام الماضي في مواجهة الجفاف وارتفاع الأسعار ومحدودية الوصول إلى الخدمات الأساسية. بالنسبة لملايين الناس، أصبحت الحياة اليومية تتطلب تكيفًا مستمرًا، خاصة فيما يتعلق بالوظائف، وتوفر الفرص، وسبل التخطيط للمستقبل.

ولفهم كيفية تعامل الناس مع هذه الظروف، أجرينا مسحًا عبر الهاتف بالتعاون مع المكتب الوطني الصومالي للإحصاء. في موجتين بين أبريل وأغسطس 2025، شمل المسح 3,000 أسرة في كل مرة، موزعة بين المدن والمناطق الريفية والمجتمعات البدوية.

يوفر تحليلنا لهذه البيانات نافذة لفهم كيفية كسبهم للعيش، وما يطمحون إليه، والعقبات التي تواجههم. وتُظهر النتائج أن السكان يتعاملون مع قيود صعبة بمرونة وطموح. كما تؤكد حقيقة بسيطة: الوظائف لا تنشأ من الطموح وحده، بل تعتمد على توفر الظروف التي تربط الناس بالأسواق، وتمكّن الشركات من النمو، وتخلق طلبًا على العمالة.

الوظائف في سياق معاناة مستمرة

لا تزال الصعوبات المعيشية واسعة الانتشار في الصومال. إذ يعتبر أكثر من أربعة من كل عشرة أسر أنفسهم فقراء، ويؤثر انعدام الأمن الغذائي على غالبية الأسر، خاصة في المناطق الريفية والبدوية وبين النازحين. هذا الواقع يحدد كيفية تعامل الناس مع العمل والدخل. فعندما يكون البقاء غير مضمون، تميل الأسر إلى التركيز على التكيف بدلاً من البحث عن فرص طويلة الأمد.

ومع ذلك، حتى في ظل هذه القيود، تحاول معظم الأسر كسب دخل. إذ أفاد ما يزيد قليلًا عن ثلثي الأسر بوجود مصدر دخل من العمل. ويكون التوظيف أكثر شيوعًا في المناطق الحضرية وبين الأسر الأكثر ثراءً، ما يعكس توفرًا أفضل للأسواق والخدمات وفرص العمل المدفوعة. حيثما تتوفر هذه الأسس، تكون فرص الاتصال بالوظائف أكبر.

عندما تغيب الوظائف، تلجأ الأسر إلى التكيف

بالنسبة للأسر التي لا تمتلك دخلًا من العمل، تكشف البيانات عن مجموعة هشة من استراتيجيات التكيف. ويُعد الاقتراض (الدَّين) المصدر الأكثر شيوعًا للدخل عند غياب الوظائف، سواء في المدن أو المناطق الريفية. وتختلف الاستراتيجيات الأخرى حسب الموقع؛ إذ تعتمد الأسر غير الحضرية أكثر على الدخل الزراعي السابق والزكاة والمدخرات، بينما تعتمد الأسر الحضرية بشكل أكبر على التحويلات المالية والمساعدات والدخل السابق.

وتوضح حالة أسرة غوليد عبدي يابارو في منطقة باي الريفية هذا الواقع؛ إذ يعيش مع زوجته وأطفاله الستة في فقر شديد وغالبًا ما يعانون من الجوع. لم يعمل أي فرد من الأسرة خلال الأيام السبعة التي سبقت المسح، واضطروا للاعتماد على الاقتراض لتلبية احتياجاتهم الأساسية. تعكس هذه الحالة مدى سرعة تحول غياب الوظائف إلى هشاشة معيشية.

عدم المساواة في إدارة المخاطر

تزداد الفوارق وضوحًا بين الفئات الاجتماعية والاقتصادية. فالأسر الأكثر فقرًا تعتمد بشكل أكبر على الديون والزكاة والمساعدات، بينما تعتمد الأسر الأكثر ثراءً على المدخرات والتحويلات والدخل السابق. تمتلك الأسر ذات الموارد الأكبر قدرة أفضل على امتصاص الصدمات وانتظار الفرص، بينما تظل الأسر الفقيرة عالقة في دوامة من الهشاشة والديون. وهذا يمثل تحديًا كبيرًا في سوق العمل، ويساعد في تفسير استمرار عدم الاستقرار حتى مع وجود نشاط اقتصادي.

الاقتصادات المحلية تحدد فرص العمل

يلعب النشاط الاقتصادي على مستوى المجتمع دورًا مهمًا أيضًا. إذ أفاد نحو نصف المشاركين أن النشاط الرئيسي في مجتمعاتهم يتمثل في العمل المرتبط بالأسواق أو تربية المواشي أو إدارة الأعمال. في المناطق الريفية مثل باي، تظل المواشي محورًا أساسيًا للاقتصاد. أما في المدن، فتسود الوظائف المأجورة والمشاريع الصغيرة. وغالبًا ما تعمل الأسر الفقيرة لدى أسر أخرى، ما يشير إلى محدودية الوصول إلى رأس المال وقلة فرص العمل المستقل. وفي الأسواق الضعيفة، تكون الوظائف غالبًا غير رسمية، منخفضة الأجر، وغير مستقرة.

تأثير الأعراف الاجتماعية والحواجز على الوصول إلى العمل

يسلط المسح الضوء أيضًا على تصورات الناس حول العمل. إذ يرى نحو نصف المشاركين أنه ينبغي إعطاء الأولوية للرجال في التوظيف عند ندرة الوظائف، وهو رأي أكثر انتشارًا بين سكان المناطق غير الحضرية والأقل تعليمًا والأكثر فقرًا. وفي الوقت نفسه، يعتقد معظمهم أن الأسرة تكون في وضع أفضل عندما تتحمل النساء المسؤولية الأساسية عن أعمال الرعاية.

تؤثر هذه الأعراف على مشاركة الأفراد في سوق العمل وتوزيع الفرص. وعند سؤالهم عن أبرز العوائق، كان الجواب الأكثر شيوعًا بسيطًا: لا توجد وظائف كافية. كما تلعب الحواجز الاجتماعية دورًا، إذ أشار عدد كبير من المشاركين إلى وجود عوائق مرتبطة بالانتماء العشائري، خاصة بين الرجال وسكان المدن والأكثر تعليمًا. وحتى مع توفر المهارات، فإن الوصول إلى الفرص ليس مضمونًا.

الطموحات لا تزال مرتفعة: حلم العمل في القطاع الخاص

رغم كل التحديات، تظل الطموحات قوية بشكل لافت. يحلم الكثيرون بالعمل في القطاع الخاص أو إدارة مشاريعهم الخاصة. ويطمح الشباب والأكثر تعليمًا إلى وظائف حكومية أو في منظمات دولية، بينما يميل الأقل تعليمًا إلى العمل الحر. ويُعد الدخل الدافع الرئيسي، لكنه ليس الوحيد؛ فالاستقلالية، والاهتمام بالعمل، والرغبة في أن يكون الفرد صاحب عمله أيضًا عوامل مهمة. يسعى الناس إلى وظائف توفر الكرامة إلى جانب الدخل.

ويظل العائق الأكبر أمام تحقيق هذه الطموحات هو نقص المال، إلى جانب محدودية العلاقات والدافع. يحلم غوليد بامتلاك مشروع خاص ليحسن دخل أسرته ومستقبلها، لكن دون الوصول إلى التمويل أو رأس المال البشري أو الأسواق، يظل هذا الحلم بعيد المنال.

المصدر

مقالات ذات صلة