القائمة الرئيسية

هل يمكن أن يفتح صراع الشرق الأوسط الباب أمام فرض ضوابط على الأسعار؟ إليكم كيف يعمل ذلك في اليونان

هل يمكن أن يفتح صراع الشرق الأوسط الباب أمام فرض ضوابط على الأسعار؟ إليكم كيف يعمل ذلك في اليونان
ملخص المقال

تناقش هذه المقالة كيف قد يدفع تصاعد التوترات في الشرق الأوسط الحكومات إلى إعادة التفكير في ضوابط الأسعار لمواجهة ارتفاع تكاليف المعيشة، مستعرضة تجربة اليونان كنموذج عملي عبر برنامج “سلة الأسرة” الذي فرض قيوداً على أسعار السلع الأساسية مع شفافية رقمية ومراقبة صارمة، ما ساهم في خفض الأسعار رغم الجدل، ويطرح تساؤلاً حول إمكانية اعتماد سياسات مماثلة عالمياً للتخفيف من آثار التضخم والأزمات الاقتصادية.

أدى الصراع بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران إلى هزات في الاقتصاد العالمي، وأصبحت التوقعات بعودة تضخم شبيه بفترة كوفيد أكثر صعوبة في تجاهلها. في العديد من البلدان، بدأت هذه الضغوط تظهر بالفعل، حيث تكافح الأسر لتحمل تكاليف الأساسيات.

خلال ذروة الجائحة وبعدها، لجأت حكومات من مختلف التوجهات السياسية إلى تجربة ضوابط الأسعار في محاولة لحماية المواطنين من الارتفاع الحاد في تكاليف المعيشة. فقد طبّقت إسبانيا والمكسيك هذه الإجراءات من اليسار السياسي، بينما قامت اليونان بذلك من اليمين.

وكانت هذه السياسات استجابة لضغوط التضخم، وضعف الأوضاع المالية للأسر، وتزايد الشعور بعدم الأمان لدى شرائح واسعة من السكان.

ومن بين هذه التجارب، يبرز برنامج “سلة الأسرة” في اليونان كمحاولة مفصلة للحفاظ على أسعار السلع الأساسية في متناول الجميع. ومع احتمال عودة دوامة ارتفاع تكاليف المعيشة، فإن هذه التجربة تستحق الدراسة.

دخلت اليونان فترة التضخم (2021-2022) بأجور تُعد من الأدنى في أوروبا، إذ لا يزال متوسط الأجور فيها يعادل ثلث نظيره في ألمانيا. وعندما بلغ التضخم 10% إلى 12% في عام 2022، ارتفعت أسعار الضروريات اليومية مثل الغذاء ومنتجات الألبان والمواد المنزلية بسرعة.

في نوفمبر 2022، أطلقت حكومة “الديمقراطية الجديدة” من يمين الوسط برنامج سلة الأسرة، والذي ألزم سلاسل المتاجر الكبرى بالحفاظ على أسعار منخفضة لأكثر من 50 فئة من السلع الأساسية، من بينها الخبز والمعكرونة والأرز ومنتجات الألبان ومواد التنظيف وأغذية الأطفال. وتم تمييز هذه المنتجات بوضوح داخل المتاجر، مع تحديث القائمة أسبوعياً.

طُرح البرنامج في البداية كإجراء مؤقت، لكنه تم تمديده مراراً بسبب استمرار التضخم، وكان آخر تمديد نتيجة المخاوف من ارتفاع الأسعار المرتبط بالصراعات. وأصبح جزءاً أساسياً من استراتيجية البلاد لتحقيق استقرار تكاليف المعيشة، إلى جانب إجراءات أخرى مثل تحديد هوامش الأرباح في قطاع الوقود.

نظام قائم على الشفافية

ما يميز النموذج اليوناني هو الجمع بين التنظيم وإتاحة المعلومات للمستهلكين عبر منصة رقمية. إذ يُلزم البرنامج سلاسل المتاجر الكبرى بنشر أسعار منتجات السلة عبر الإنترنت.

وبمجرد إدراج المنتج ضمن القائمة، لا يمكن رفع سعره لمدة سبعة أيام، بينما يمكن تخفيضه في أي وقت. وتواجه الشركات المخالفة غرامات تصل إلى 5 ملايين يورو. كما يُطلب من المتاجر تقديم قوائم أسعار الموردين، ما يمنح الجهات التنظيمية رؤية أوضح حول أماكن تحقيق الأرباح.

وتتيح المنصة للمستهلكين مقارنة الأسعار بين المتاجر المختلفة وتحديد الفروع التي توفر المنتجات المطلوبة. ويجب أن تتم عمليات الشراء داخل المتاجر، مما يحافظ على تركيز البرنامج على البيع التقليدي مع تعزيز الشفافية.

إلى جانب السلة، تم في عام 2025 الاتفاق بين وزارة التنمية وتجار التجزئة على خفض أسعار نحو 2000 سلعة بنسبة متوسطة تبلغ 8%، كما تم تثبيت هوامش الربح على السلع الأساسية عند مستويات عام 2021. وتم إجراء عمليات تفتيش دورية لضمان الالتزام.

شهدت العديد من الفئات انخفاضاً ملحوظاً في الأسعار. فقد انخفضت أسعار 56 منتجاً من حبوب الإفطار بنسبة تصل إلى 23%، و34 نوعاً من الجبن بنسبة بين 5% و35%، كما انخفضت أسعار اللحوم الطازجة بنسبة تتراوح بين 5% و7%. كذلك تراجعت أسعار الزيوت والدهون بنسبة 5% إلى 16%، والمعكرونة بنسبة 3% إلى 5%، والحلويات والشوكولاتة بنسبة 3% إلى 17%.

توسعت السلة تدريجياً لتشمل البقوليات والدواجن الطازجة وقطع اللحوم والحليب والجبن. كما أدخلت الحكومة اليونانية “سلالاً موسمية” مؤقتة خلال فترات الطلب المرتفع، مثل عيد الميلاد وعيد الفصح، حيث شملت لحوم الضأن والماعز والديك الرومي وبيض الشوكولاتة للحد من تكاليف المناسبات.

لا تزال ضوابط الأسعار مثار جدل لدى البعض. فقد اعتبر بعض تجار التجزئة في اليونان أن النظام غير عادل، وأنهم غير قادرين على تحمل التكاليف.

ومع ذلك، قبلت المتاجر الكبرى في الحالة اليونانية تقليص هوامش أرباحها على السلع الخاضعة للقيود السعرية. كما دخلت في منافسة سعرية لجذب الزبائن وزيادة حصتها السوقية، وطرحت منتجات بعلاماتها الخاصة بأسعار تنافسية. ومن نتائج هذه الإجراءات أن أصبحت سلة الغذاء في اليونان منخفضة التكلفة نسبياً مقارنة بدول الاتحاد الأوروبي الأخرى.

في المملكة المتحدة، وخلال ذروة جائحة كوفيد، قامت بعض الشركات الكبرى برفع الأسعار بما يفوق معدل التضخم، مما أدى إلى مضاعفة أرباحها بين عامي 2019 و2021-2022. وفي مثل هذه الظروف، قد يرى كثيرون أنه من العدل مطالبة هذه الشركات بالمساهمة في مواجهة أزمة تكاليف المعيشة.

وعليه، ورغم أن ضوابط الأسعار قد لا ترضي جميع القطاعات، فإنها أصبحت أكثر شيوعاً. إذ تسعى العديد من الدول إلى إيجاد وسائل للحد من تكاليف المعيشة، باعتبارها أدوات عملية لتحقيق الاستقرار ودعم المواطنين في مواجهة الصدمات الاقتصادية غير المتوقعة.

تُظهر تجربة اليونان أن هذه الإجراءات يمكن أن تكون منظمة وشفافة وقابلة للتنفيذ. كما تثبت أن ضوابط الأسعار ليست حكراً على توجه سياسي معين، بل استخدمتها حكومات مختلفة عند مواجهة ضغوط التضخم.

ومع استعداد المملكة المتحدة لمزيد من الاضطرابات الاقتصادية الناتجة عن الصراعات وتقلبات أسواق الطاقة، تقدم سلة الأسرة اليونانية نموذجاً يستحق الدراسة. فهي ليست حلاً كاملاً للتضخم المرتفع، إذ لا يوجد حل بسيط لذلك، لكنها توضح كيف يمكن للحكومات التدخل لتخفيف الضغط على الأسر مع الحفاظ على الرقابة على الأسواق الأساسية.

المصدر

مقالات ذات صلة