بقلم: مات كابلان
في عام 1775 استعان جورج واشنطن بجنود من الجيش الاستعماري كانوا قد نجوا سابقًا من مرض الجدري لاستعادة مدينة بوسطن بينما كانت تعيش تفشيًا واسعًا للمرض.
كان ذلك في يونيو 1775، وكانت القوات البريطانية تسيطر على بوسطن، وكان واشنطن قد تولى لتوّه قيادة الجيش الاستعماري. ورغم أنه لم يشارك في معركة بانكر هيل، فإنه وصل إلى المنطقة بعد المعركة بوقت قصير. تمركز هو وجنوده في الغابات المحيطة بالمدينة، يراقبون وينتظرون فرصة لاستعادتها.
لكن الخطة واجهت عدة عقبات. أولًا لم يكن لدى واشنطن ما يكفي من الأسلحة لفرض حصار على المدينة. ثانيًا حتى لو توفرت الأسلحة فلن يكون ذلك كافيًا لأنه لم يمتلك عددًا كافيًا من الجنود لتنفيذ حصار فعلي. ومع ذلك بدت هاتان المشكلتان أقل خطورة مقارنة بالمشكلة الثالثة، فقد كان الجدري ينتشر في المدينة.
النص التالي مقتبس بتصرف من كتاب I Told You So!: Scientists Who Were Ridiculed, Exiled, and Imprisoned for Being Right.
يمكن قول الكثير عن كوفيد-19، لكن إذا قورن بالأمراض العديدة التي أصابت البشر عبر التاريخ، فإنه ليس من أشدها فتكًا. لا يعني هذا التقليل من شأن الجائحة التي أودت بحياة الملايين، بل وضعها في سياقها التاريخي. ففي بداية الجائحة، قبل ظهور اللقاحات أو العلاجات المعروفة، كان نحو 15٪ من المصابين في أمريكا الشمالية وأوروبا يصابون بحالات مرضية شديدة. كثير منهم احتاجوا إلى دخول المستشفى، وبعضهم تعرض لمضاعفات، وبعض هؤلاء توفوا. وبوجه عام كان احتمال الوفاة لدى المصابين عام 2020 يتراوح بين 1 و3٪.
أما الجدري فكان أشد قسوة بكثير.
في مراحله الأولى كان يشبه الإنفلونزا أو كوفيد. يصاب المريض بالحمى، وآلام في الجسم، وإرهاق، وأحيانًا بالغثيان. ثم تبدأ المرحلة المرعبة من المرض، تظهر بثور صغيرة على الجبهة.
وسرعان ما تتكاثر لتغطي الوجه وداخل الفم، ثم تنتشر في معظم أنحاء الجسم. خلال الأيام التالية تمتلئ هذه البثور بسائل وتتحول إلى بثور قيحية صلبة مرتفعة، وهي العلامة المميزة للجدري. كانت تبدو كأن حبيبات صغيرة دُفنت تحت الجلد.
كثير من المرضى كانوا يُغطَّون بهذه البثور من الرأس إلى القدمين. ومع مرور الوقت يبدأ السائل المعدي داخلها بالتسرب، ثم بعد أسبوعين تقريبًا تجف البثور وتسقط تاركة ندوبًا دائمة تشوه الجلد.
هذا الشكل العادي من الجدري كان يقتل نحو 30٪ من المصابين به وفق تقديرات متحفظة. وكانت هناك أنواع أكثر فتكًا من المرض مثل النوع الخبيث والنزفي، وغالبًا ما كانت تقتل معظم من يصاب بها.
كان واشنطن يعرف الجدري جيدًا. فقد شهدت المستعمرات الأمريكية عدة تفشيات للمرض، لكنها لم تكن كبيرة أو متكررة مثل تلك التي حدثت في إنجلترا. ومع ذلك كان هناك أمر مهم يلفت الانتباه، فبينما لم يكن الطب آنذاك قادرًا على مواجهة معظم الأمراض الخطيرة، فقد أحرز تقدمًا ملحوظًا في مواجهة الجدري تحديدًا، بسبب فداحة آثاره.
لم تبدأ هذه الجهود في أوروبا، بل في الصين. هناك استُخدمت بقايا البثور التي يتركها المرض كوسيلة لمحاربته. ففي بعض الحالات كانت البثور تترك حتى تجف ثم تُطحن إلى مسحوق ناعم يُنفخ في أنف الشخص. وفي حالات أخرى كان السائل داخل البثور يُجمع ويُعرض للبخار وبعض الأعشاب ثم يوضع على قطعة قطن تُدخل في الأنف.
بغض النظر عن الطريقة، كان الشخص الذي يتعرض لهذه المادة يُصاب بشكل خفيف من المرض. قد يشعر بالمرض لبضعة أيام وتظهر لديه بعض البثور ويكون معديًا لفترة قصيرة، لكن احتمال الوفاة ينخفض من نحو 30٪ إلى قرابة 2٪ فقط. والأهم أن الإصابة بهذا الشكل الخفيف تمنح مناعة مدى الحياة ضد الجدري، كما لو أنه أصيب به طبيعيًا. أما اللقاح الأكثر أمانًا فلم يُكتشف إلا عام 1796.
يرى بعض الباحثين أن رهبان الطاوية ربما طوروا هذه التقنية منذ نحو عام 1000 ميلادي وقدموا العلاج على أنه نوع من السحر.
حدثت المناعة لأن الفيروس لم يكن ينتقل بالطريقة المعتادة عبر الرذاذ التنفسي من شخص مريض بشدة إلى شخص سليم. إضافة إلى ذلك كانت جزيئات الفيروس تتضرر جزئيًا بسبب التجفيف أو التعرض للبخار والأعشاب، مما يقلل كمية الفيروس التي تدخل الجسم ويمنح الجهاز المناعي فرصة أفضل للسيطرة عليه بسرعة. لذلك كانت البثور أقل وعدد الوفيات أقل بكثير.
من الصعب تحديد متى بدأت هذه الممارسات بالضبط، والتي تُعرف اليوم باسم التلقيح، أو أي الطرق استُخدمت أولًا. ويرجع ذلك جزئيًا إلى حرص الممارسين على إبقاء تقنياتهم سرية لتحقيق أرباح. فقد وُجدت سجلات تشير إلى أن كيميائيين صينيين مارسوا التلقيح في القرن السادس عشر، لكنهم أخفوا تفاصيله حتى لا يظهر منافسون لهم.
انتقلت هذه المعرفة لاحقًا خارج الصين. وبحلول القرن السابع عشر كان التلقيح معروفًا في تركيا. هناك تغيرت الطريقة قليلًا. فقد وصف قاسم أغا، سفير طرابلس لدى البلاط البريطاني، الطريقة قائلًا إن من يرغب في تلقيح أطفاله يأخذهم إلى شخص مصاب بالجدري عندما تكون بثوره قد نضجت، ثم يقوم الجراح بعمل شق صغير في اليد ويضع فيه قليلًا من المادة المستخرجة من تلك البثور.
وأضاف أن من بين كل مئة شخص يُلقحون لا يموت عادة أكثر من اثنين، بينما يموت نحو ثلاثين من كل مئة يصابون بالمرض طبيعيًا.
مع ذلك لم يحظ التلقيح باهتمام كبير في إنجلترا حتى ظهرت السيدة ماري وورتلي مونتاغيو . فقد توفي شقيقها بسبب الجدري، كما أصيبت هي نفسها بالمرض وترك على وجهها تشوهات دائمة.
عندما كانت تعيش في القسطنطينية عام 1716 لاحظت أن النساء في الحمامات التركية لا يحملن آثار الجدري على وجوههن. دفعها ذلك إلى البحث عن السبب، فعرفت بالتلقيح ورتبت أن يُعالج ابنها بهذه الطريقة. وبعد أن نجحت التجربة حاولت أن تفعل الشيء نفسه لابنتها لاحقًا.
وعندما عادت إلى إنجلترا عام 1721 كان هناك تفشٍ خطير للجدري، فقررت تلقيح ابنتها باستخدام الأسلوب الذي تعلمته في القسطنطينية. نجحت العملية وانتشرت الأخبار بسرعة حتى وصلت إلى كارولين، أميرة ويلز، التي قررت حماية أطفال العائلة المالكة. وسرعان ما انتشر التلقيح بين ملوك أوروبا، ومنهم فريدريك الثاني ملك بروسيا ولويس السادس عشر ملك فرنسا وكاثرين الثانية إمبراطورة روسيا.
لكن الذين تلقوا التلقيح لم يكونوا دائمًا يُنصحون بالعزل بعده. فرغم أن المرض لديهم يكون خفيفًا، فإنهم يظلون معديين ويمكنهم نقل نسخة أشد من الفيروس إلى الآخرين.
وفي إنجلترا حاول بعض الأطباء احتكار هذا الإجراء لأسباب تجارية. بل إن بعضهم كان يستنزف دم المرضى قبل التلقيح معتقدًا أن ذلك يساعد على نجاح العملية، وهو إجراء أضعف المرضى بدل أن يحميهم وربما زاد الوفيات.
وفي خضم هذا الجدل العلمي والسياسي كان جورج واشنطن عام 1775 يقرر ما إذا كان سيهاجم بوسطن أم ينتظر حتى انتهاء الوباء. وأفادت تقارير من منشقين بريطانيين أن أكثر من ألفي جندي في المدينة مصابون بالجدري. كما ذكروا أن القائد البريطاني ويليام هاو كان يطرد بعض سكان بوسطن من المدينة بعد تعريضهم للعدوى عمدًا بهدف نشر المرض في صفوف الجيش الثوري.
كان ذلك شكلًا مبكرًا من الحرب الجرثومية.
استجاب واشنطن بطريقته المعتادة: التكيف. بدل حصار تقليدي اختار ألف جندي كانوا قد أصيبوا بالجدري سابقًا ونجوا منه، وبالتالي أصبحوا محصنين. في المقابل كان جيش هاو يعاني المرض، فاضطر إلى الانسحاب، وتمكن هؤلاء الجنود المحصنون من تأمين بوسطن.
لم يكن هذا آخر دور للجدري في الحرب الثورية. ففي وقت لاحق حاولت قوة بريطانية مهاجمة منطقة ألباني في نيويورك. أرسل المستعمرون نحو ألفي جندي إلى كندا لمحاصرة كيبيك، لكن الجدري ضربهم مجددًا، فأصيب 900 منهم واضطروا إلى الانسحاب، ومات نحو ثلثهم لاحقًا.
خوف المستعمرين من الجدري وسوء فهمهم لفوائد التلقيح دفع الكونغرس القاري عام 1776 إلى حظره. لكن واشنطن رأى أن القرار خطأ، وكتب إلى مدير المستشفيات في الجيش قائلاً إن انتشار المرض طبيعيًا قد يكون أخطر على الجيش من سيوف العدو.
لهذا أمر بإجراء تلقيح واسع لجنوده، مع فرض حجر صحي صارم بعده حتى لا ينقل الجنود الملقحون المرض إلى الآخرين.
نجحت الحملة. انخفضت الوفيات كثيرًا، وأصبح معظم جنود الجيش القاري محصنين ضد الجدري. وليس مبالغة القول إن فهم واشنطن للمرض واستعداده لاستخدام التلقيح ساعدا في تمهيد الطريق لتحول المستعمرات الثلاث عشرة لاحقًا إلى الولايات المتحدة. كما شكلت تلك اللحظة نقطة مهمة في تاريخ العلم.
