القائمة الرئيسية

كيف تتعامل كيب تاون مع التكاليف الحضرية والإنسانية الخفية لخدمات التوصيل عند الطلب

كيف تتعامل كيب تاون مع التكاليف الحضرية والإنسانية الخفية لخدمات التوصيل عند الطلب
ملخص المقال

تناقش هذه المقالة التأثيرات الحضرية والإنسانية المتزايدة لخدمات التوصيل عند الطلب في كيب تاون، حيث وفّرت آلاف فرص العمل لكنها في الوقت نفسه أدت إلى ازدحام مروري وتحديات بيئية وظروف عمل هشة للسائقين. وتسلط الضوء على نقص البنية التحتية والخدمات الأساسية التي يحتاجها السائقون في المدن، إضافة إلى محدودية الحلول الحالية من الحكومات والقطاع الخاص. كما تستعرض تجربة تجريبية لإنشاء مراكز للتنقل الدقيق توفر مرافق أساسية وتنظم حركة الدراجات، بهدف تحسين ظروف العمل وتقليل الضغط على الفضاء العام، مع إمكانية تطويرها مستقبلاً لتصبح جزءاً مهماً من البنية التحتية الحضرية للنقل والخدمات اللوجستية.

  • أدى النمو السريع لخدمات التوصيل عند الطلب في جنوب أفريقيا إلى خلق آلاف فرص الدخل، لكنه جلب معه أيضاً مفاضلات خطيرة، من بينها زيادة الازدحام المروري والانبعاثات، إضافة إلى ظروف العمل الهشة التي يواجهها السائقون.
  • وقد حاولت مدينة كيب تاون وبعض الشركات الخاصة إيجاد حلول للمشكلات المرتبطة بخدمات التوصيل عند الطلب، إلا أن هذه الحلول ما تزال غير كافية وغير مستدامة.
  • وفي هذا السياق، يجري اختبار مبادرة تجريبية تقوم على إنشاء مراكز للتنقل الدقيق توفر مرافق تساعد السائقين وتقلل من ازدحام المشاة ومشكلات أخرى.

لقد غيّرت الابتكارات في تطبيقات الهواتف المحمولة مدننا. وفي كيب تاون يظهر هذا التأثير بوضوح في الشوارع، حيث أصبح العدد المتزايد من دراجات التوصيل جزءاً أساسياً من منظومة الخدمات اللوجستية الحضرية.

ومع وجود ما يقدَّر بنحو 50 ألف مركبة توصيل من نوع السكوتر تعمل في مختلف أنحاء جنوب أفريقيا (من بينها 3,800 مركبة كهربائية)، أسهمت خدمات التوصيل في المرحلة الأخيرة في خلق فرص عمل ضمن اقتصاد يعاني من صعوبات، مع تركز معظم هذه الفرص في المدن الكبرى مثل كيب تاون.

ومع ذلك، فإن الزيادة في مركبات التوصيل جاءت على حساب البيئة، إذ أدت إلى ارتفاع مستويات الازدحام المروري، كما ترتب عليها ثمن اجتماعي يتمثل في ظروف العمل غير المستقرة للسائقين.

صعود خدمات التوصيل عند الطلب في كيب تاون

بدأت خدمات التوصيل عند الطلب عبر تطبيقات الهاتف المحمول في جنوب أفريقيا عام 2016. وخلال خمس سنوات فقط، توسعت بسرعة لتصبح صناعة كبيرة تُقدَّر قيمتها حالياً بنحو 14 مليار راند جنوب أفريقي، مع توقعات بنمو كبير في حصتها السوقية مقارنة بتجارة التجزئة التقليدية.

وقد أدى ازدهار سوق التوصيل عند الطلب إلى زيادة موازية في عدد رواد الأعمال الصغار الذين ينضمون إلى المنصات كسائقين.

وكما هو الحال في قطاع خدمات النقل عبر التطبيقات، صممت الشركات المشغلة للمنصات أنظمتها على أساس أن رواد الأعمال الصغار يكونون في حركة دائمة، يلتقطون الطلبات ويسلمونها باستمرار.

غير أن هذا ليس الواقع في الاقتصادات النامية مثل كيب تاون وجنوب أفريقيا. فكل يوم عمل يشهد فترات ذروة وفترات انخفاض في الطلب، في حين يظل عدد السائقين المتاحين مرتفعاً.

وفي كيب تاون تتركز دراجات التوصيل في المناطق التجارية خلال معظم ساعات اليوم. كما أن العديد من الشركات ومراكز التسوق التي تستخدم خدمات التوصيل لا تسمح للسائقين باستخدام مرافقها مثل دورات المياه أو أماكن الاستراحة، إذ تفضّل الحفاظ على تجربة الزبائن التقليديين داخل منشآتها.

ومع غياب البنية التحتية العامة التي تلبي احتياجات السائقين، أصبح التبول في الأماكن العامة أمراً شائعاً، كما تُجرى إصلاحات محركات الدراجات على الأرصفة، ويضطر السائقون إلى مواجهة مختلف الظروف الجوية باستخدام أي غطاء متاح.

لماذا يصعب حل مشكلات التوصيل عند الطلب

خلصت مراجعة منهجية أُجريت عام 2025 ونُشرت في مجلة ""النقل والصحة"" إلى أن سائقي التوصيل في المرحلة الأخيرة يواجهون باستمرار مخاطر أعلى للإصابة الجسدية ومشكلات الصحة النفسية وغيرها من الآثار النفسية والاجتماعية.

ولا تقتصر هشاشة أوضاع السائقين على تأثيرها عليهم وحدهم، بل تمتد أيضاً إلى سكان المدن الآخرين، خصوصاً فيما يتعلق بكيفية استخدام المساحات العامة وتجربتها. فعندما لا يحصل السائقون على مرافق أساسية مثل دورات المياه أو الملاجئ أو أماكن الوقوف المنظمة، تتحول الأرصفة إلى مناطق انتظار وإصلاح غير رسمية.

وقد تزايد الضغط على الحكومات المحلية لتوفير المزيد من مرافق المراحيض العامة، وتحويل بعض أماكن الوقوف العامة لتناسب الدراجات، ونشر قوات إنفاذ القانون للحد من التأثيرات السلبية على البنية التحتية المخصصة للمشاة.

وقد اتخذت مدينة كيب تاون بعض الخطوات لتكييف المساحات العامة مع نموذج توزيع البضائع القائم على التنقل الدقيق، إلا أن هذه الحلول الحكومية ليست مستدامة.

فهي تعتمد على إعادة تخصيص مساحات عامة محدودة وعلى إدارة بلدية مستمرة، في حين أن الواقع يشير إلى أن خدمات التوصيل عند الطلب تحل محل رحلات التسوق التقليدية. ونتيجة لذلك، تبقى التدخلات مجزأة، في ظل ميزانيات محدودة وإجراءات تنظيمية بطيئة ومعقدة تجعل من الصعب على الحكومات مواكبة نظام سريع التطور تقوده السوق.

وبالمثل، شهدنا استجابة من جهات في القطاع الخاص عبر حلول صُممت لتلبية احتياجاتها الخاصة. فقد خصصت سلاسل متاجر كبرى مساحات مظللة وخدمات الإنترنت اللاسلكي ومنافذ شحن للهواتف المحمولة لإتاحة فرص الاستراحة في عدد محدود من مواقعها.

غير أن هذه المبادرات ذات طبيعة حصرية، إذ تقع داخل ممتلكات خاصة، وغالباً ما تخدم هيكلاً تابعاً لشركة واحدة بدلاً من خدمة مجموعة من السائقين المستقلين.

ويبقى الفضاء العام التحدي الأكبر. فعلى مستوى العالم، من المتوقع أن تزيد عمليات التوصيل في المرحلة الأخيرة من انبعاثات الكربون بنسبة 60% بحلول عام 2030.

ومع محدودية الوصول إلى المركبات الكهربائية، سيستمر الأسطول غير المنظم من دراجات التوصيل في طرح تحديات بيئية داخل المدن، الأمر الذي يتطلب تدخلات استراتيجية تحمي فرص العمل وتدعم في الوقت نفسه مساحات عامة أكثر حيوية وصحة وأماناً.

سائقو التوصيل يأخذون استراحة بالقرب من مركز للتنقل الدقيق في كيب تاون، جنوب أفريقيا.
الصورة: أشرف هندريكس

مراكز التنقل الدقيق كحل محتمل

لمعالجة النقص في البيانات المحلية التي توضح حلولاً ممكنة لهذا التحدي المتعدد الأبعاد، استضافت جامعة كيب تاون مؤخراً ورشة عمل جمعت مسؤولين من الحكومة المحلية، ومشغّل مركز تسوق محلي، ومنصة UberEats Marketplace، إضافة إلى شركاء من المجتمع المدني، لاستكشاف تجربة تجريبية لمراكز التنقل الدقيق في عاصمة جنوب أفريقيا.

ويهدف هذا المشروع التجريبي، الممول من مكتب الشؤون الخارجية والكومنولث والتنمية التابع لحكومة المملكة المتحدة، إلى اختبار استجابات قابلة للتوسع وعابرة للقطاعات للتعامل مع الآثار السلبية غير المباشرة الناتجة عن توزيع البضائع الصغير اللامركزي.

ويتمثل التدخل المقترح في فكرة بسيطة لكنها موضوعة بشكل استراتيجي: توفير الظل، وإمكانية الوصول إلى دورات المياه، ومياه الشرب، وخدمة الإنترنت اللاسلكي، ونقاط شحن للهواتف المحمولة في نقطتين تشهدان طلباً مرتفعاً على خدمات التوصيل في كيب تاون.

وإلى جانب المرافق الأساسية، تهدف هذه المراكز إلى العمل كمناطق تنظيمية مخصصة، تساعد في ترتيب أماكن وقوف الدراجات، وتقليل ازدحام الأرصفة، وخلق ظروف أكثر أماناً للمشاة، إضافة إلى توفير بيئة انتظار لائقة للسائقين خلال فترات انخفاض الطلب. كما يوفر المشروع التجريبي بيانات حول أنماط الاستخدام، وأوقات الذروة، واحتياجات السائقين، وتأثيرات استخدام المساحات.

ورغم أن المشروع لا يزال في مراحله الأولى، فإن بعض الملاحظات الأولية لم تكن مفاجئة: فهناك قدر كبير من عدم الثقة بين السائقين، تشكّل عبر سنوات من ظروف العمل غير المستقرة، وتفاقم بسبب ظواهر مثل كراهية الأجانب والمخاوف من وجود أجندات خفية. كما أن السائقين يستخدمون بشكل كبير الخدمات العملية مثل الإنترنت اللاسلكي المجاني والمياه ودورات المياه.

لكن خلف هذه الاحتياجات الأساسية تكمن إمكانات أكبر بكثير. فإذا جرى توسيع هذه المراكز في مختلف أنحاء المدينة وتصميمها لتشمل خدمات إضافية وشراكات متنوعة، فقد تصبح طبقة جديدة من البنية التحتية للنقل الحضري للبضائع تدعم اللامركزية وتعزز نشاط المشروعات الصغيرة.

والفرصة الحقيقية تكمن في خلق الظروف اللازمة للتعاون بين شركات المنصات الرقمية، وحكومات المدن، وتجار التجزئة، وأصحاب العقارات من أجل تصميم هذه المساحات بشكل مشترك وإطلاق نماذج تمويل مبتكرة. وقد يكون هذا المشروع التجريبي صغيراً، لكن الحاجة الهيكلية واضحة، ولا تستطيع المدن الانتظار طويلاً قبل أن تتحرك للاستجابة.

المصدر

مقالات ذات صلة