القائمة الرئيسية

كيف نقيس الرفاهية؟

كيف نقيس الرفاهية؟
ملخص المقال

المقال يستعرض التعقيدات المرتبطة بقياس الرفاهية، موضحًا أن الرفاه لا يقتصر على الاستهلاك المادي بل يشمل الصحة والعلاقات الاجتماعية والقدرة على تحقيق ما يهم الفرد. ويستعرض ثلاث مناهج رئيسية: مقاييس السعادة الذاتية التي تعتمد على رضا الحياة والمشاعر الإيجابية، ونهج القدرات الذي يركز على ما يستطيع الفرد فعله أو أن يكونه والفرص المتاحة له، ونهج التفضيلات الذي يأخذ بعين الاعتبار اختلاف قيم الأفراد حول جوانب الحياة المهمة. ويبيّن المقال أن كل نهج يقدم رؤية مختلفة عن الرفاهية، وأن اختيار المقياس يعتمد على الهدف: تصنيف الدول، متابعة أداء الأفراد، أو احترام الاختلافات الفردية في تقدير الحياة الجيدة، مشيرًا إلى فروق ملموسة بين مقاييس الدخل والرضا والدخل المعادل في دراسة مقارنة لدول أوروبية.

تختلف الآراء حول تعريف الرفاهية، إلا أن هناك إجماعًا متزايدًا على أنها لا تقتصر على الاستهلاك المادي، وأن جوانب أخرى من الحياة مثل الصحة والعلاقات الاجتماعية الجيدة أساسية للشعور بالرفاه.

ويُنظر عمومًا إلى تعزيز الرفاهية كأحد المكونات الأساسية للتقدم الاجتماعي، ولكن إذا كانت مختلف جوانب الحياة تساهم جميعها في الرفاهية، فهل يمكن أو ينبغي أن نصنع مقياسًا شاملًا لها؟ على سبيل المثال، هل يمكن اعتبار “السعادة” مقياسًا جيدًا؟

قبل أن نبدأ في متابعة التقدم الاجتماعي من حيث الرفاهية، نحتاج أولًا إلى وضوح أكبر حول المفهوم نفسه.

قياس السعادة

إحدى الطرق هي استخدام استطلاعات الرأي الكبيرة، حيث يجيب الأفراد على أسئلة بسيطة حول مدى سعادتهم أو رضاهم عن حياتهم. وقد كشفت هذه الاستطلاعات عن أنماط ثابتة، تؤكد أن النمو الاقتصادي له تأثير أقل من المتوقع على الرضا، وأن جوانب أخرى من الحياة مثل الصحة والبطالة مهمة أيضًا.

تبدو هذه المقاييس الاستطلاعية بسيطة وموثوقة، لكن علماء النفس يشيرون إلى أن السعادة ورضا الحياة لا يتطابقان بالضرورة. رضا الحياة له جانب معرفي، إذ يحتاج الفرد إلى التراجع لتقييم حياته، بينما تعكس السعادة المشاعر الإيجابية والسلبية التي تتقلب.

التركيز على المشاعر الإيجابية والسلبية يمكن أن يؤدي إلى فهم الرفاهية بطريقة “هيدونية” تعتمد على اللذة وغياب الألم. أما النظر إلى أحكام الأفراد حول ما يستحق السعي من أجله، فيقترح نهجًا قائمًا على التفضيلات. فالأشخاص يحددون أشياء مختلفة باعتبارها جديرة بالسعي.

بمعنى آخر، قد تكون السعادة عنصرًا في تقييم رفاهية الفرد، لكنها ليست الوحيدة.

نهج القدرات

أشار الحائز على نوبل، أمارتياسن، إلى أن فهم الرفاهية بناءً على مشاعر الرضا أو اللذة أو السعادة يواجه مشكلتين.

الأولى يسميها “إهمال الحالة البدنية”، إذ يتكيف البشر جزئيًا مع المواقف غير المواتية، ما يعني أن الفقراء والمرضى يمكن أن يكونوا سعداء نسبيًا. أظهرت دراسة على مرضى متلازمة “لوكيد إن” المزمن أن أغلبهم أبلغ عن شعورهم بالسعادة رغم إعاقتهم.

المشكلة الثانية هي “إهمال التقييم”، فقياس قيمة الحياة نشاط تأملي لا ينبغي اختزاله في مجرد الشعور بالسعادة أو التعاسة. ومع ذلك، يعترف سن بأنه “من الغريب القول إن الشخص الممزق بالألم والبؤس يعيش حياة جيدة جدًا”.

لذلك، لا ينبغي تجاهل أهمية الشعور بالرفاه، لكن يجب أيضًا الاعتراف بأنه ليس الشيء الوحيد الذي يهتم به الناس.

مع مارثا نوسباوم، صاغ سن بديلًا هو نهج القدرات، الذي يوضح أن الخصائص الشخصية والظروف الاجتماعية تؤثر في ما يمكن أن يحققه الناس بالموارد المتاحة لهم.

إعطاء كتب لشخص لا يستطيع القراءة لا يزيد رفاهيته، كما أن إعطاؤه سيارة لا يزيد من حركته إذا لم تكن هناك طرق مناسبة. وفقًا لسن، ما يتمكن الشخص من فعله أو أن يكونه – مثل التغذية الجيدة أو القدرة على الظهور في الأماكن العامة دون خجل – هو ما يهم فعليًا للرفاهية. ويسمي سن هذه الإنجازات بـ “الوظائف” التي يقوم بها الشخص، لكنه يرى أن تعريف الرفاهية بوظائف الفرد فقط غير كافٍ، لأن الرفاهية تشمل أيضًا الحرية.

مثال سن الكلاسيكي يقارن بين شخصين يعانيان من سوء التغذية؛ الأول فقير ولا يستطيع شراء الطعام، والثاني غني لكنه يصوم لأسباب دينية. رغم أن مستوى تغذيتهما متساوٍ، لا يمكن القول إن رفاهيتهما متساوية. لذلك يقترح سن أن تُفهم الرفاهية من حيث الفرص الحقيقية للأشخاص، أي كل التوليفات الممكنة من الوظائف التي يمكنهم اختيارها.

نهج القدرات متعدد الأبعاد بطبيعته، لكن من يسعون لتوجيه السياسات غالبًا ما يعتقدون أن التعامل العقلاني مع التنازلات يتطلب وجود مقياس وحيد نهائي. أولئك الذين يتبعون هذا النهج ويقبلون هذه الفكرة يميلون إلى عدم الثقة بالتفضيلات الفردية ويطبقون بدلًا من ذلك مجموعة من المؤشرات المشتركة بين الجميع، مثل مؤشر التنمية البشرية للأمم المتحدة الذي يجمع بين الاستهلاك ومتوسط العمر والتحصيل التعليمي. رغم شعبيته، إلا أنه يقع في فخ الجمع البسيط لدرجات مختلفة جميعها تُعتبر مهمة بنفس القدر.

أخذ القناعات الفردية على محمل الجد

بعيدًا عن النهج الذاتي ونهج القدرات، هناك منظور ثالث قائم على التفضيلات، الذي يأخذ في الاعتبار أن الناس يختلفون في تقدير أهمية جوانب الحياة المختلفة.

بعض الناس يرون أن العمل الجاد ضروري لحياة قيمة، بينما يفضل آخرون قضاء وقت أكثر مع العائلة. البعض يرى أن الخروج مع الأصدقاء مهم، بينما يفضل آخرون قراءة كتاب في مكان هادئ.

يعتمد نهج التفضيلات على فكرة أن رفاهية الشخص تتحسن عندما تتوافق واقعه مع ما يعتبره هو مهمًا. وتشمل التفضيلات جانبًا معرفيًا “تقييميًا”، فهي تعكس أفكار الأشخاص المطلعة والمدروسة عن الحياة الجيدة، وليس مجرد سلوكهم في السوق.

هذا لا يتطابق مع رضا الحياة الذاتي، كما في حالة مرضى متلازمة “لوكيد إن” الذين أبلغوا عن رضاهم بسبب تكيفهم مع حالتهم، رغم أنهم ربما يفضلون استعادة صحتهم.

كمثال على مقياس قائم على التفضيلات، اقترح الاقتصادي الفرنسي مارك فلورباي أن يختار الناس قيم مرجعية لكل جانب من جوانب الحياة غير المرتبطة بالدخل، مثل الصحة أو ساعات العمل. هذه القيم تعتمد على الفرد: فالجميع قد يتفق على أن عدم المرض أفضل حالة، لكن محامي مدمن عمل سيقدر ساعات العمل بشكل مختلف عن عامل في مصنع شاق وخطير.

يقترح فلورباي بعد ذلك تحديد راتب يُرضي الفرد عندما يُجمع مع القيمة المرجعية غير المعتمدة على الدخل. الفارق بين هذا “الدخل المعادل” ودخل الشخص الفعلي يساعد على الإجابة عن السؤال: “كم من الدخل أنت مستعد للتخلي عنه من أجل صحة أفضل أو وقت فراغ أكثر؟”

يشك بعض علماء النفس في النهج القائم على التفضيلات، لأنه يفترض أن البشر لديهم أفكار مطلعة ومدروسة عن الحياة الجيدة، وحتى لو وجدت مثل هذه التفضيلات العقلانية، يصعب قياسها لأنها تتعلق بجوانب الحياة التي لا تُتداول في الأسواق، مثل الوقت العائلي والصحة.

هل كل هذا مهم عمليًا؟

يوضح الجدول التالي، الذي أعده الاقتصاديان البلجيكيان كوين ديكانك وإريك شوكايرت، كيف يمكن أن تؤدي الاختلافات في مقاييس الرفاهية إلى نتائج عملية.

يصنف الجدول 18 دولة أوروبية عام 2010 حسب ثلاثة مقاييس: متوسط الدخل، متوسط رضا الحياة، ومتوسط “الدخل المعادل” الذي يأخذ الصحة والبطالة والسلامة وجودة التفاعلات الاجتماعية في الاعتبار.

تشير النتائج إلى فروق لافتة. فالدنماركيون أكثر رضاً عن حياتهم مقارنة بما يملكونه من ثروة، بينما فرنسا العكس. هذه التباينات الكبيرة لا تظهر عند مقارنة الدخل المعادل، مما يشير إلى تأثير الثقافة على رضا الأفراد.

ألمانيا وهولندا تظهران أداءً أسوأ على رضا الحياة مقارنة بالدخل، لكن ترتيب الدخل المعادل يؤكد أنهما تحققان نتائج نسبية أفضل في جوانب الحياة غير المرتبطة بالدخل.

اليونان سجلت مستوى منخفضًا جدًا من رضا الحياة، وقد تلعب الثقافة دورًا، لكنها أيضًا دولة تتميز بارتفاع التفاوت في الدخل، وهو ما لا يُظهره المتوسط.

تشير هذه الفروقات بين مقاييس الرفاهية المختلفة إلى القضايا المهمة في تحديد أي مقياس ينبغي اعتماده. إذا كان الهدف تصنيف أداء الدول في توفير الرفاهية، فإن الميل سيكون نحو مقياس واحد بسيط مثل السعادة الذاتية. أما إذا كان الهدف متابعة أداء الأفراد في الجوانب الحقيقية المهمة، فسيكون الميل نحو تقييم متعدد الأبعاد مثل نهج القدرات. وإذا كان التركيز على اختلاف آراء الأفراد حول ما هو مهم، فسيكون من المناسب اعتماد نهج التفضيلات.

المصدر

مقالات ذات صلة