أصبح مصطلح «الإيجابية السامة» يتردد كثيرًا في الآونة الأخيرة. فبعد انتشار حركة «الإيجابية» في الثقافة العامة، بدأنا ندرك أن الشعور بالسعادة شيء محمود، لكن المبالغة في التركيز على ضرورة أن نكون إيجابيين طوال الوقت قد تأتي بنتائج عكسية، وتزيد شعورنا بعدم الرضا.
الأبحاث تشير إلى أن الأشخاص السعداء يعيشون حياة أطول، ويتمتعون بصحة أفضل، ويحققون نجاحات أكبر، بل إن الأشخاص الأكثر سعادة يستفيدون من هذه المميزات أكثر من أولئك الذين يتمتعون بسعادة متوسطة. لكن السعي وراء السعادة بشكل مباشر أحيانًا قد يتحول إلى عبء ويصبح ضارًا.
في دراستنا المنشورة في مجلة علم النفس الإيجابي وشملت نحو 500 مشارك، أردنا فهم هذا التناقض: كيف يمكن أن يكون السعي إلى السعادة مفيدًا وفي الوقت نفسه ضارًا؟ وحاولنا اكتشاف العامل الذي يجعل من الإيجابية سامة.
توقع الأفضل وما يترتب عليه من إحباط
أظهرت الدراسات أن الأشخاص الذين يضعون السعادة كأولوية قصوى غالبًا ما يشعرون بعدم رضا أكبر، خاصة في المواقف التي يتوقعون فيها أن يكونوا سعداء.
فالتركيز على السعادة المطلقة قد يقود إلى خيبة الأمل أو لوم الذات عند الشعور بالحزن، وقد يرتبط ذلك بزيادة أعراض الاكتئاب وانخفاض مستوى الرفاه النفسي. كما يعبر عنها كاريكاتير مشهور:
«أنا سعيد جدًا، لكني أريد أن أكون سعيدًا أكثر، ولهذا أشعر بالبؤس».
على النقيض، لاحظ الباحثون أن الأشخاص الذين يركزون على تعزيز سلوكيات تساعد على سعادتهم المستقبلية — بدل محاولة رفع مستوى سعادتهم في اللحظة نفسها — يحققون تحسنًا حقيقيًا في رفاههم النفسي.
هذا يشمل الانخراط في أنشطة تمنح شعورًا بالإنجاز أو الهدف، مثل التطوع، إتمام المهام الصعبة، أو تنظيم روتين يومي يدعم الصحة النفسية. ومن هنا يظهر أن السعي غير المباشر للسعادة، بدل أن يكون الهدف الرئيس، يحوّل البحث عن الإيجابية من عبء إلى مصدر قوة.
تقدير السعادة مقابل التركيز على الإيجابية
درسنا نهجين مختلفين لفهم كيف نتعامل مع السعادة:
تقدير السعادة: أشخاص يضعون السعادة نصب أعينهم دائمًا، يقلقون بشأنها حتى عند شعورهم بها، أو يعتقدون أن شعورهم بعدم السعادة يعني وجود خلل بهم.
إعطاء الأولوية للإيجابية: أشخاص ينظمون حياتهم لتعزيز مشاعرهم الإيجابية، ويبحثون عنها وينمّونها بشكل طبيعي ضمن يومهم.
كما درسنا شعور الناس بعدم الراحة تجاه مشاعرهم السلبية، مثل الحزن أو القلق، وما إذا كانوا يربطونها بالفشل الشخصي.
تبين أن من يقدّر السعادة بشكل مفرط غالبًا ما يرى مشاعره السلبية كدليل على الفشل، ويجد صعوبة في قبولها، مما يقلل من مستوى رفاهه. أما من يركز على الإيجابية بطريقة غير مباشرة، فلا يعتبر مشاعره السلبية مؤشرًا على الفشل، بل يقبلها كجزء طبيعي من الحياة، دون محاولة تجنبها أو كبتها.
هذا يوضح أن التركيز على السعادة المطلقة يجعلنا نتعامل بشكل سيء مع مشاعرنا السلبية، بينما السعي غير المباشر يسمح لنا بالعيش مع هذه المشاعر وفهمها دون أن تؤثر سلبًا على سعادتنا.
ما الذي يجعل الإيجابية سامة؟
الأمر لا يتعلق بالإيجابية نفسها، بل بطريقة تعاملنا مع السعادة عند مواجهة التجارب الصعبة.
الحياة لا تخلو من الألم والفشل والخسارة والخيبة، وسنشعر أحيانًا بالحزن أو القلق أو الوحدة. المهم هو كيفية استجابتنا لهذه المشاعر: هل نقبلها ونتعامل معها، أم نحاول الهروب منها؟
إذا ركزنا على أن نكون سعداء دائمًا، ستبدو لحظات الصعوبة كعائق أمام هدفنا. أما إذا وضعنا الأولوية للإيجابية ضمن حياتنا، فنحن أقل انزعاجًا من المشاعر السلبية، وننظر إليها كجزء طبيعي من الحياة.
القدرة على التفاعل مع المشاعر الصعبة بدلًا من الانفعال بها تعتبر مفتاحًا للسعادة الحقيقية. فمحاولتنا الدائمة لتجنب الألم أو كبت المشاعر تمنعنا من الاستفادة من الدروس التي تحملها التجارب الصعبة.
الاستجابة الجيدة تعني القدرة على أن نكون مرتاحين مع شعورنا بعدم الراحة، ونستكشف أسباب مشاعرنا ونتعلم منها. هذا يسمح لنا بفهم اختياراتنا واتخاذ قرارات أفضل.
كما يقال: «الألم حتمي، والمعاناة اختيارية».
