القائمة الرئيسية

ما هي السعادة؟ سؤال يبحث عن إجابات فلسفية

ما هي السعادة؟ سؤال يبحث عن إجابات فلسفية
ملخص المقال

المقال يناقش مفهوم السعادة وتساؤلاتها الأساسية: ماذا نعني حقًا بالسعادة، وهل يمكن تحقيقها أو قياسها؟ يشير إلى أن تعريف السعادة يختلف باختلاف السياقات؛ فبينما يرى بعض علماء النفس الإيجابي أنها شعور بالرفاه، تقيسها علوم السعادة مؤشرات مادية مثل الدخل أو الصحة، يعرّفها المجتمع الرأسمالي والاستهلاكي عبر امتلاك المنتجات وأنماط الحياة، ما يؤدي غالبًا إلى رضا مؤقت وتعاسة مستمرة. كما يبرز دور الدين في تقديم مفهوم سعادة أبدية، ويقترح الفيلسوف بول ريكور أن السعادة مرتبطة بالتعاسة وأنها تتأثر بالمصادفات والحظ، ما يجعل التوازن بين السعي النشط وترك مساحة للصدف ضروريًا. بالتالي، يدعو المقال لإعادة تعريف السعادة بشكل أعمق، بعيدًا عن الاستهلاكية والسياسة الرقمية، لتصبح رؤية شاملة لحياة ذات معنى، تشمل العدالة والرعاية المتبادلة واحترام البيئة، وتربط بين رغباتنا الفردية واحتياجات العالم.

عندما نسعى إلى السعادة، عمّا نبحث حقًا؟ وعندما نتمنىها لشخص آخر، ما الذي نرغب أن يعيشه؟

هل السعادة شيء يمكن تعريفه، أم أنها مجرد وهم ورغبة صعبة المنال؟ وإذا كانت كذلك، لماذا يزدحم السوق اليوم بكتب تطوير الذات حول السعادة؟ ماذا تعدنا به هذه الكتب، وهل يمكن أن نصل إليها فعلاً؟ وهل يمكن قياس السعادة بطريقة موضوعية؟

لإيجاد إجابات، استندت في كتابي السعادة، التعاسة، والصدفة إلى دراسة فلسفية معمّقة قمت بها في الدكتوراه. فالسعادة، بحسب بعض علماء النفس الإيجابي، هي حالة ذهنية سعيدة أو شعور بالرفاه.

أما علوم السعادة فتراها قابلة للحساب والقياس، وقد طوّرت مؤشرات وتقارير مثل «مؤشر السعادة» و«تقرير السعادة العالمي»، التي تقيس مستوى الرضا استنادًا إلى معايير مادية مثل متوسط الدخل أو الصحة، أو العمر المتوقع.

لكن مجتمعنا الرأسمالي يعرّف السعادة بطريقة مختلفة، إذ أصبحت مرتبطة بامتلاك منتجات أو علامات تجارية أو أنماط حياة معينة. وغالبًا ما تُضخم هذه الصور عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وأيضًا عبر الخوارزميات الرقمية التي تتحكم بتجربتنا الاستهلاكية، ويزداد تأثيرها اليوم مع الذكاء الاصطناعي.

المشكلة أن هذه التعريفات المختلفة للسعادة قد تؤدي في الواقع إلى مزيد من التعاسة. فالفرح والمتعة عادة قصيران وزائلان، والرفاه يمكن أن يُهدم بسرعة بفعل المرض أو المصادفات، وامتلاك منتجات بعينها قد يجعلنا ندور في حلقة مستمرة من الرضا المؤقت، حيث نأخذ الأشياء الجيدة كأمر مفروغ منه ونفقد شعور الامتنان.

إن اختزال السعادة في تعريف بسيط يغفل عن تعقيد الإنسان والمجتمعات التي يعيش فيها، وكذلك هشاشة علاقتنا بالبيئة.

في كتابي حاولت البحث عن تعريف أوسع للسعادة، يتجاوز مجرد الفرح أو الراحة، يتجاوز الحياة الأخلاقية أو العلاقات الإنسانية الجيدة، ويتجاوز الحظ أو غياب الألم أو مجرد الاستهلاك، ليصبح رؤية شاملة لحياة ذات معنى ورضا، تشمل العدالة والرعاية المتبادلة واحترام البيئة.

وتساءلت: أليس من الممكن أن يكون هذا الفهم العميق للسعادة دافعًا قويًا للعيش والعمل من أجل مستقبل أفضل للجميع؟

الاستهلاكية والسعادة

لفهم هذا، علينا أولًا أن ندرك لماذا فشلت التعريفات السائدة للسعادة. اليوم، الاستهلاكية والرأسمالية تتحكمان في مفهومنا للسعادة عبر التكنولوجيا الرقمية، فالسعادة مرتبطة بما يجب أن نمتلكه لنكون سعداء، وما يفرضه علينا عالم المنصات الرقمية. وهذا يجعلنا نتساءل إن كنا ما زلنا قادرين على تصور حياة تتجاوز ما تقدمه لنا هذه الخوارزميات.

علوم السعادة

تدعي علوم السعادة اليوم أن السعادة أمر يجب السعي إليه والعمل من أجله، حتى صارت أشبه بدين جديد. ويصف المؤرخ الأمريكي Darrin McMahon ذلك قائلاً:
«في بداية العصر الحديث كان الله هو السعادة، واليوم صارت السعادة هي إلهنا».

لكن هذه السعي المستمر يجعل المهمة شاقة ومرهقة، وقد يؤدي إلى الشعور بالإحباط والسخرية، فكلما حاولنا أن نكون سعداء بطريقة محددة، نصبح أكثر تعاسة.

الدين والسعادة

على المستوى العالمي، يظل الدين من أقوى القوى التي تحدد مفهوم السعادة، خاصة بوصفها سعادة أبدية وحقيقية. بعض الأديان تعلم أن السعادة الحقيقية لا تتحقق إلا في الآخرة، وأن هذه الحياة مؤقتة، ولا يمكن العثور على السعادة الكاملة فيها.

وهذا يجعل السعادة في الدنيا مؤجلة، كما يجردنا من القدرة على تقدير الخير والجمال في حياتنا اليومية.

الفلسفة والسعادة

استعنت بأفكار الفيلسوف الفرنسي Paul Ricoeur كبديل لهذه التصورات. يرى ريكور أن السعادة لا يمكن اختزالها في التغلب على التعاسة، فهذا مجرد وهم. السعادة والتعاسة مرتبطتان ببعضهما دائمًا، وكل منهما جزء من واقع الحياة، ولا يمكن إلغاء الآخر.

كما أن الحصول على السعادة يتطلب جهدًا، لكنه قد يكون أيضًا نتيجة الصدفة أو الحظ، والتعاسة قد تأتي على شكل أحداث غير متوقعة. لذلك يجب أن يبقى التوازن بين السعي النشط وراء السعادة وترك مساحة للمصادفات والحظوظ والمآسي في حياتنا.

أهمية التفكير في السعادة من جديد

اليوم أصبح من الضروري إعادة التفكير في السعادة بشكل يربطها بحياتنا الواقعية، برغباتنا الحقيقية، وباحتياجات العالم بما فيها التعاسة والظلم. نحن بحاجة لتعريفات أكثر عمقًا للسعادة، بعيدًا عن الاستهلاكية والسياسة والتقنيات الرقمية، لتعطي معنى لحياتنا هنا والآن.

إن هذا الفهم العميق للسعادة يسمح لنا بالاعتراف بالتعاسة والصدف، ويؤكد أن الحياة نفسها قيمة لا يجب التخلي عنها، وإلا فإن السعادة ستفقد معناها أيضًا.

المصدر

مقالات ذات صلة