القائمة الرئيسية

طريقة بسيطة لتجاوز تعقيدات الحياة

طريقة بسيطة لتجاوز تعقيدات الحياة
ملخص المقال

مبدأ شفرة أوكهام، الذي طوره الراهب ويليام من أوكهام في القرن الرابع عشر، يؤكد على اختيار أبسط التفسيرات التي تؤدي الغرض المطلوب دون افتراض أسباب أو كيانات إضافية غير ضرورية، وهو أساس الفكر العقلاني والعلمي الحديث. استخدم أوكهام شفرته لتفكيك التفسيرات الدينية المعقدة للظواهر الطبيعية، مفضلاً السعي نحو البساطة بدل التفكير السحري والتفسيرات الميتافيزيقية، وما زال المبدأ مهمًا اليوم لفصل المعقول عن العبث، وتمكيننا من تقييم الاحتمالات بشكل أفضل وفهم العالم بوضوح، مع تطبيقه على جميع العلوم الحديثة، من حركة الكواكب إلى النسبية وميكانيكا الكم، وفصلها عن الخرافات ونظريات المؤامرة.

يمكن لمبدأ شفرة أوكهام أن يساعد أي شخص على تمييز المعقول عن العبث وفهم الاحتمالات بشكل أفضل

يعتمد هذا المبدأ على فكرة أن أبسط الطرق لفهم العالم غالبا هي الصحيحة وعندما تتاح لنا عدة حلول لمشكلة ما ينبغي اختيار أبسطها التي تؤدي الغرض بفعالية قد يبدو هذا سهلا ولكنه مفيد جدا وقد تبنى هذا المفهوم راهب فرنسيسكاني شاب يُدعى ويليام من قرية أوكهام في إنجلترا الذي خاطر بحياته ليستخدم شفرته كأداة للعقل في مواجهة الفلسفة الدينية المعقدة في عصره

بعد سبعمائة عام أصبحت شفرة أوكهام واحدة من أكثر الأفكار تأثيرا في تاريخ العلوم لكنها ما زالت كثير من الناس يفهمونها بشكل خاطئ فهي لا تعني أن الواقع بسيط ولا أن التفسيرات العلمية الصحيحة يجب أن تبدو سهلة الفهم بل هي قاعدة لتقدير الاحتمالات وتمييز السيناريوهات المحتملة عن غير المحتملة وعند تطبيقها بوعي تساعد على كشف الأوهام ونظريات المؤامرة والاستدلال غير الدقيق

طور ويليام أوكهام شفرته لتبسيط النظرة المعقدة للعالم التي صادفها عند وصوله إلى جامعة أوكسفورد في أوائل القرن الرابع عشر وكان الاعتقاد السائد آنذاك أن العلم والدين لا ينفصلان وأن القوى الخارقة يمكن استدعاؤها لتفسير الظواهر الطبيعية فالآلهة أو الملائكة كانت تُعتقد أنها تحرك الشمس والقمر والكواكب والأرواح الشريرة تُسبب الأمراض أو المجاعات وكان يُعتقد أيضا أن لكل شيء غاية نهائية فالخشب موجود لإشعال النار والنار موجودة لتدفئة البشر والبشر موجودون لعبادة الله وعقل الله الخفي هو السبب النهائي لكل شيء

أدرك أوكهام أن تعدد الأسباب والأرواح لا يفسر أي شيء فعليًا فاستخدم شفرته لتفكيك هذه الميتافيزيقيا المعقدة واستبدالها بالسعي وراء البساطة وهو ما أصبح أساس العلم الحديث وقال ويليام أوكهام إنه لا يجب افتراض التعددية إلا عند الضرورة

ظل مبدأ شفرة أوكهام مهما على مر العصور لأن الطبيعة البشرية لم تتغير وما زلنا نميل إلى التفكير السحري والتفسيرات المخصصة للأشياء التي تهمنا واليوم أكثر من أي وقت مضى نحتاج هذه الشفرة لفصل المعقول عن العبث في عالم مليء بالتعقيدات

عند دراسة تاريخ شفرة أوكهام نرى كيف ساهمت في نشوء الفكر العقلاني الحديث فبدأ ويليام برفض فكرة الجوهريات التي تحدد الخصائص الجوهرية للأشياء والأشخاص ورفض فكرة الأسباب النهائية واقترح أن النار حارة لأنها بطبيعتها هكذا وليس لأنها تسعى لهدف أكبر بهذه الرؤية أنهى الطريق من العلم إلى الله وذهب إلى القول بأن العلم والدين غير متوافقين لأن الدين قائم على الإيمان فقط بينما العلم قائم على العقل

رغم أن هذا الموقف عرضه للمحاكمة بتهمة الهرطقة في أفينيون إلا أن أفكاره أطلقت حركة فكرية جديدة عرفتها أوروبا باسم فيا موديرنا وتبنّاها جيل من العلماء الأوروبيين الذين يقدّرون العقل على العقائد وطبق الفيلسوف جان بوريدان فلسفة أوكهام على حركة النجوم واعتبر أن دوران الأرض يفسر حركتها بطريقة أكثر عقلانية

لو وُجدت نظرية أبسط لكان العلماء قد تبنوها وهذا ما يميز العلم عن الخرافة والتنجيم ونظريات المؤامرة

في نهاية القرن الخامس عشر استفاد نيكولاس كوبرنيكوس من هذه الفكرة ليقترح نظاما مركزيا للشمس بدل الأرض وكان هدفه تبسيط النموذج الكوني وليس تقديم نموذج واقعي أكثر دقة وقد تبناه العلماء في الثورة العلمية مثل كيبلر وغاليليو ونيوتن رغم أنه لم يكن أدق في التنبؤ بحركة الكواكب ولكنه كان أبسط

أحد سوء الفهم الشائع لشفرة أوكهام هو اعتبارها أن العالم نفسه بسيط وهذا غير صحيح المبدأ ينص فقط على عدم تكثير الكيانات دون ضرورة ويتيح إضافة التعقيد عند الحاجة فقط

حتى النظريات المعقدة مثل النسبية وميكانيكا الكم لا تتعارض مع المبدأ فلو وُجد قانون أبسط يفسر ظواهر الجاذبية أو الضوء لكان العلماء قد اعتمده وهذه هي الطريقة التي تفرق بين العلم والخرافة

لا تحتاج إلى فهم آلية عمل شفرة أوكهام لتطبيقها ولكن فهم المبادئ الإحصائية مثل الاستدلال البايزي يجعلها أكثر قوة فالقاعدة تعطي طريقة دقيقة لتقدير صحة الاعتقادات ومقارنتها على أساس الاحتمال وهذا ينطبق على كل جوانب الحياة المعقدة من الأوبئة إلى الانتخابات وحتى تفسير الظواهر الطبيعية

مع انتشار الخرافات يجب أن نعيد النظر في طريقة تدريس العلوم لتعليم الطلاب كيف يجدون أبسط الحلول لأعقد المشكلات مستلهمين بذلك من حكمة ويليام أوكهام.

مقالات ذات صلة