تشهد المكتبات في اليابان تحوّلًا هادئًا لكنه عميق الأثر. فلم تعد تُنظر إليها باعتبارها مجرد أماكن لحفظ الكتب، بل أصبحت تُعاد صياغتها كجزء من البنية التحتية التي تعزز التماسك الاجتماعي، وتدعم الشيخوخة الصحية، وتقوي مرونة المجتمع.
ووفقًا لمسح الصحة والتغذية الوطني لعام 2023 الصادر عن وزارة الصحة والعمل والرفاه، فإن 41.5% فقط من المشاركين يشعرون بأن سكان مجتمعاتهم يساعد بعضهم بعضًا، بينما يرى 31.6% فقط أن الروابط المحلية قوية. ويُظهر الرقمان تراجعًا مقارنة بمستويات عامي 2015 و2019.
في الوقت نفسه، يشكل من تبلغ أعمارهم 65 عامًا فأكثر نحو 29.4% من السكان، ما يجعل اليابان واحدة من أسرع المجتمعات شيخوخة في العالم. وبينما يُعدّ تمديد متوسط العمر الصحي أولوية وطنية، برز تعزيز الروابط الاجتماعية كعامل حاسم لتحقيق ذلك. وتشير الأبحاث إلى أن الأفراد الذين يشاركون في أنشطة مجتمعية تقل احتمالية احتياجهم إلى رعاية طويلة الأمد بنحو 18%، كما تزيد احتمالية طول أعمارهم بنسبة 22% مقارنة بمن لا يشاركون. ومن ثم، يُنظر إلى المشاركة الاجتماعية باعتبارها أصلًا اجتماعيًا ومحددًا أساسيًا للصحة والرفاه.
كما تسلط الأدلة الناشئة الضوء على الدور المحتمل للمكتبات في هذا السياق. فقد تابعت دراسة طولية واسعة النطاق أجرتها جامعة كيوتو وجامعة كيو أكثر من 70 ألف شخص تبلغ أعمارهم 65 عامًا فأكثر على مدى سبع سنوات. وتشير النتائج إلى أن المجتمعات التي تتمتع بموارد مكتبية أغنى تشهد انخفاضًا في مخاطر الإعاقة الوظيفية. ففي المناطق التي تضم عشرة كتب إضافية للفرد الواحد، انخفض خطر التدهور الوظيفي بنسبة تقارب 34%. كما ارتبط وجود مكتبة إضافية داخل المجتمع بانخفاض خطر الإعاقة الوظيفية بنسبة 48%.
ورغم أنه لا يمكن إثبات العلاقة السببية بشكل قاطع، فإن الدلالات لافتة. فالمكتبات توفر الوصول إلى المعلومات، وتنظم فعاليات، وتخلق مساحات تجمع تشجع الناس على مغادرة منازلهم والمشاركة ذهنيًا وبدنيًا. وفي المجتمعات المتقدمة في العمر، قد تحمل هذه الوظائف فوائد أوسع تتعلق بالصحة العامة والمرونة الاجتماعية. ومن هذا المنطلق، يجري إعادة تصور المكتبات في مختلف أنحاء اليابان كمنصات لإحياء المجتمعات المحلية.
في بلدة فوجيكاوا بمحافظة ياماناشي، افتُتحت أول مكتبة بلدية في يوليو 2023 داخل مجمّع حكومي جديد، استجابةً لطلب قوي من السكان. وتجذب المنشأة اليوم ما معدله 110 زائرين يوميًا، وتعمل كنقطة محورية للتفاعل المجتمعي. كما تسهم الفعاليات المنتظمة في مساحة المدخل المشتركة في تعزيز دورها كمركز مدني، ما يبرز كيف يمكن لدمج المرافق العامة أن يحسن تقديم الخدمات ويعزز المشاركة الاجتماعية.
وفي أماكن أخرى، يجري دمج الخدمات الصحية والاجتماعية استراتيجيًا داخل المكتبات. ففي مدينة تويوكا بمحافظة هيوغو، تأسست مكتبة ""دايكاي بونكو"" المجتمعية عام 2020 على يد الطبيب يويتشي موريموتو، لتكون مساحة تمثل فيها الكتب مدخلًا لدعم اجتماعي أوسع. وتضم المكتبة استشارات مع مختصين طبيين، وتطبق مفهوم ""الوصف الاجتماعي"" الذي يربط الأفراد بالمجموعات المجتمعية والمقاهي المحلية. وقد زارها نحو 19 ألف شخص حتى الآن، واستفاد أكثر من ألف منهم من خدمات الاستشارة. واللافت أن بعض المستفيدين السابقين أصبحوا يساهمون في تشغيل المكتبة، ما يبرز كيف يمكن للمساحات الشاملة أن تولّد أشكالًا جديدة من المشاركة المدنية.
بالتوازي مع ذلك، تتعاون مبادرة الحلول الاجتماعية بجامعة أوساكا مع المكتبات العامة لاستضافة جلسات استشارة صحية يقودها طلاب دراسات عليا، في نموذج يجمع بين المؤسسات الأكاديمية والبنية التحتية المجتمعية.
كما تكتسب نماذج الحوكمة التشاركية زخمًا متزايدًا. ويتيح نظام ""مالك رف الكتب الواحد"" الذي أطلقته ""مينا نو توشوكان"" (مكتبة الجميع)، والمُعتمد في أكثر من 50 موقعًا على مستوى البلاد، للأفراد تنسيق أرفف كتب شخصية صغيرة داخل مساحات المكتبات المشتركة. ومن خلال رسائل القرّاء والاختيارات المنسقة، تسهم هذه المكتبات المصغرة في تعزيز الحوار والشعور بالملكية وبناء روابط اجتماعية جديدة.
وعلى صعيد التعاون بين القطاعين العام والخاص، أسهمت شراكات متنوعة في إثراء خدمات المكتبات. فقد بدأت منظمة ""كاتاريبا"" غير الربحية، المعنية بتوفير مساحات آمنة للأطفال والشباب، في تلقي دعم من شركة ""سانتوري هولدينغز"" عام 2024 لتوسيع مراكز الشباب وتدريب العاملين فيها. وأتاح ذلك إطلاق مبادرة تجريبية بالشراكة مع شركة إدارة المكتبات ""تي آر سي"" داخل مكتبة عامة في حي سوغينامي بطوكيو، بهدف اختبار دمج وظائف مراكز الشباب ضمن بيئة المكتبة وتطوير نموذج قابل للتوسع على المستوى الوطني.
وفي محافظة أوكيناوا، ساهمت شركة ""كالتشر كونفينينس كلوب"" في إعادة تصميم ورقمنة عمليات مكتبة قرية يوميتان. ويركز المفهوم المكاني الجديد على الحيوية والتركيز والدعوة إلى التعلم واحتضان الأطفال، فيما حسّن التكامل الرقمي عبر التطبيقات المحمولة كفاءة الخدمات. كما تستضيف المكتبة أكثر من 150 فعالية سنويًا بالتعاون مع السكان المحليين ومعهد أوكيناوا للعلوم والتكنولوجيا وجامعة الدراسات العليا ومكتب تحرير تاريخ قرية يوميتان، مما يعزز دورها كمنصة متعددة الأطراف للتفاعل الاجتماعي الإقليمي.
ومع سعي المجتمعات إلى إيجاد أشكال جديدة من الترابط الاجتماعي في ظل التغيرات الديموغرافية والتحولات الاجتماعية، تبرز المكتبات في اليابان كمؤسسات تتجاوز إعارة الكتب. فهي تتطور لتصبح بنية تحتية مدنية أساسية قادرة على توليد رأس مال اجتماعي وتعزيز التماسك المجتمعي.
إن الجهود الرامية إلى تموضع المكتبات كمنصات لإحياء المشاركة المحلية تُعد اليوم حلولًا عملية وقابلة للتوسع لتعزيز الشمول والمرونة. وبهذا المعنى، لم تعد المكتبات مجرد أصول ثقافية، بل أصبحت ممكنات استراتيجية لبناء مجتمعات أكثر ترابطًا وصحة وجاهزية للمستقبل.
