رغم التحديات العالمية مثل تصاعد النزعات القومية والحمائية، يشهد العالم تركيزًا متجددًا على المقاربات التعاونية، كما يتجلى في مؤتمرات الأمم المتحدة الأخيرة والمقبلة بشأن المناخ، وفي نماذج الشراكات الجديدة.
أصبح العمل متعدد الأطراف الفعّال اليوم يعتمد على الجمع بين الحلول الإبداعية والخبرات المتنوعة وآليات التمويل والحوكمة الجديدة لمواجهة أزمات المناخ والطبيعة والعدالة. ويُظهر برنامج GAEA (Giving to Amplify Earth Action) أن التعاون المرن والشامل والمدعوم بالموارد الكافية يمكن أن يحقق نتائج ملموسة وتحولات حقيقية بسرعة.
في المشهد السياسي الراهن، كثيرًا ما تتراجع مفاهيم التعاون أو الشراكة أو التعددية إلى الخلف، رغم أنها ضرورية لأي محاولة جادة للتعامل مع التحديات العالمية المترابطة.
ومن المشجع وجود مؤشرات على تجدد الاهتمام بالمقاربات الجماعية. فقد أصبحت التعددية محورًا أساسيًا في مؤتمر الأمم المتحدة للمناخ لعام 2025 (COP30)، كما استخدم عدد من قادة العالم اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر لتأكيد التزامهم بالعمل المشترك.
ومع اقترابنا من مؤتمر COP31 في نوفمبر، يتزايد التركيز على التعاون بين الدول، وعبر المجتمع المدني والمجتمعات الأصلية.
من خلال عملي كرئيس عالمي للشراكات والمشاركة الخيرية في المنتدى الاقتصادي العالمي، تبيّن لي أن العمل الجماعي الذكي يقدّم طريقًا للمضي قدمًا. وينبغي أن يركز على المقاربات المبتكرة وعلى تلاقي الأفكار والموارد، مدعومًا بمرونة بالتمويل والدعم التقني الذي يساعد على توسيع نطاق الحلول بسرعة.
ومع ذلك، ما زلنا في الغالب نعتمد على نماذج تقليدية تكافح لمواكبة التحولات الجيوسياسية والاقتصادية وتغير التوقعات. فقد تراجع كل من مستوى الثقة والمساعدات الإنمائية الرسمية خلال العام الماضي (إذ انخفضت الأخيرة بنسبة تصل إلى 17%).
في الوقت نفسه، برزت النزعات القومية والحمائية، مما أضعف مفهومنا التاريخي للتعددية وأعاقه بفعل سياسات القوى الكبرى وجمود المؤسسات.
إن تغير المناخ وفقدان التنوع البيولوجي وانعدام الأمن الغذائي وعدم المساواة لا يمكن معالجتها بشكل منفصل أو من قبل جهة واحدة أو قطاع واحد فقط. وسيستمر تحقيق بعض التقدم في معالجة تغير المناخ على المستوى الدولي من خلال عملية مؤتمرات الأطراف (COP).
وقد تم تأطير COP30 باعتباره “مؤتمر التنفيذ”، فيما تتصاعد التوقعات حول COP31 بوصفه محطة لإشراك المجتمعات والشركات والمجموعات الاجتماعية والأفراد والعائلات في تحقيق العمل المناخي.
لكن واقع الأمر أن التقدم رفيع المستوى يحدث بوتيرة بطيئة نسبيًا، في حين أننا بحاجة إلى تحرك سريع لمواجهة أزمتي المناخ والطبيعة وتداعياتهما.
وكما يتغير العالم، ينبغي أن تتغير مقارباتنا أيضًا. وهنا أرى مؤشرات إيجابية. فمن خلال عملي في المنتدى، أشهد بروز أشكال جديدة من الشراكات والتعاون، وهي من أقوى أدوات التعددية. هذه الشراكات مرنة، شاملة بطبيعتها، ومرتكزة على العمل الواقعي.
شراكات مبتكرة على أرض الواقع
من خلال منصة GAEA، التي أُطلقت في يناير 2023 لخلق جيل جديد من الشراكات، نجمع فاعلين محفزين من الحكومات والشركات والمؤسسات الخيرية والمجتمعات المحلية.
يساعد ذلك على اكتشاف طرق جديدة لتعبئة الموارد وإطلاقها (المالية وغير المالية)، وتشكيل شبكة مؤثرة تدعم الحلول في المجالات التي تعجز فيها الأسواق. فنحن نربط القادة من أجل الناس والكوكب والتقدم المستدام.
وتبرز جوائز GAEA لعام 2026 موجة جديدة من العمل متعدد الأطراف، أصغر حجمًا لكنها أسرع وأكثر تجريبية وغالبًا أكثر فاعلية. ومن بين الفائزين شراكتان بارزتان: مركز الديون السيادية المستدامة وبرنامج حماية الغابات “كانوبي بلانيت”.
يعيد مركز الديون السيادية المستدامة تعريف كيفية توظيف التمويل السيادي لخدمة أهداف الاستدامة، وهو أمر بالغ الأهمية في ظل معاناة العديد من الدول منخفضة ومتوسطة الدخل من ارتفاع الديون وضيق الحيز المالي. يعمل المركز كجهة جامعة، حيث يجمع الشركاء ويضمن إدماج قضايا المناخ والطبيعة في هياكل الديون السيادية.
ويُظهر نموذج الشراكة الخاص به كيف يمكن إعادة تصور التعددية عبر أنظمة مالية تكافئ الاستدامة والاستقرار طويل الأمد. وقد جرى بالفعل اختبار بنود ديون مرنة مناخيًا وسندات مرتبطة بالاستدامة في دول مثل كوت ديفوار وسلوفينيا وتايلاند، ما يرسّخ مفهوم الصمود في أسس التمويل العالمي.
أما “كانوبي بلانيت”، فهي تُحدث تحولًا في صناعات التعبئة والمنسوجات، من خلال عمل يبرهن على أن الإدارة البيئية والابتكار السوقي يمكن أن يعززا بعضهما البعض، مقدمةً نموذجًا لنمو إيجابي للطبيعة.
ومن خلال توسيع نطاق البدائل للمواد القائمة على الخشب، مثل الألياف الحديثة المصنوعة من النفايات الزراعية والمنسوجات، تسهم المبادرة في تقليل إزالة الغابات وخلق سلاسل قيمة جديدة قابلة للاستمرار.
تجمع “كانوبي بلانيت” العلامات التجارية والمبتكرين والمستثمرين والمنتجين والمجتمعات الأصلية لتطوير حلول مشتركة. وقد حققت نتائج لافتة، إذ تم حماية 16.6 مليون هكتار من الغابات، وتم إطلاق إمكانات استثمارية تُقدّر بنحو 78 مليار دولار.
ما يميز هذين المثالين هو ثلاث سمات أساسية: مستوى الابتكار، وتلاقي الأفكار، واستخدام الشراكات لتوسيع نطاق العمل.
توسيع نطاق الحلول الجماعية
لم يعد الابتكار يقتصر على التكنولوجيا، بل يشمل آليات تمويل مختلفة، ونماذج حوكمة جديدة، وحتى إعادة تعريف من يجلس على طاولة الحوار. كما أصبح التلاقي نهجًا حديثًا في إدارة المشاريع، يجمع الأفكار والتخصصات والقطاعات والمواهب والموارد لإنتاج حلول أكثر كفاءة وتأثيرًا.
وأخيرًا، فإن الحجم والقدرة على النمو عنصران حاسمان. فهذه الشراكات تجمع بين رأس المال والإبداع والمصداقية الجماعية، وغالبًا ما تبدأ صغيرة لكنها تتوسع بسرعة بفضل هدفها المشترك.
إن التخلي عن عقلية التعددية — ومعها قيمة التعاون والشراكة — ليس خيارًا. بل إن المطلوب هو إعادة تصورها، ودعم المشاريع والتحالفات التي تعيد تعريف شكل التعاون الفعّال.
ويُظهر عمل GAEA كيف تطور مفهوم الشراكة سريعًا من نموذج “القطاعين العام والخاص” إلى صيغة أكثر مرونة. فالتكوين متعدد الأطراف والنهج الشامل الذي تتبناه المنصة يساعدان على معالجة أوجه القصور المزمنة، مثل نقص المهارات أو المعرفة، ويسهمان في بناء قدرات أوسع وتراكم أفضل الممارسات.
ورغم أن هذا النهج الجديد لا يزال استثناءً لا قاعدة، فإن الفائزين بجوائز GAEA يبرهنون على أن التعددية تعاد صياغتها بالفعل — والأهم أنها تحقق تغييرًا حقيقيًا. والمهمة الآن هي تعزيز هذه النماذج الجديدة من الشراكة والتعاون، لأن من خلالها فقط يمكننا إعادة تشكيل الأسواق المستدامة والتصدي لأزمات المناخ والطبيعة والعدالة بشكل جذري.
