القائمة الرئيسية

ابن النفيس واكتشاف الدورة الدموية الرئوية

ابن النفيس واكتشاف الدورة الدموية الرئوية
ملخص المقال

المقال يستعرض حياة وإسهامات ابن النفيس، الطبيب والفقيه الدمشقي المولود عام 1213م، الذي تميّز بتعلّمه الطب والفقه والأدب واللاهوت، وعمله في مصر رئيسًا للأطباء والطبيب الخاص للسلطان. يُعرف ابن النفيس بأبحاثه الضخمة مثل ""الشامل في الطب"" و""موجز القانون"" و""المختار في الأغذية""، لكن أبرز إسهامه كان اكتشافه للدورة الدموية الرئوية قبل قرون من أوروبا، موضحًا أن الدم ينتقل من البطين الأيمن للقلب إلى الرئتين عبر الشريان الرئوي، ثم يعود إلى البطين الأيسر عبر الوريد الرئوي، ما يفند نظرية جالينوس القديمة. كما قدم وصفًا دقيقًا للشعب الهوائية ووظائف الشرايين التاجية، مساهماً في فهم تغذية القلب. وقد أظهرت الدراسات الحديثة والمخطوطات التاريخية أن اكتشافه هذا سبق أعمال سيرفيتوس وفيسالي وهارفي، ويعتبره المؤرخون بحق سلفًا بعيدًا للطب الأوروبي الحديث في مجال الدورة الدموية.

بقلم الدكتور شريف كاف الغزال

ولد علاء الدين أبو الحسن علي بن أبي الحزم القرشي الدمشقي المعروف بابن النفيس في دمشق عام 1213م. تلقى تعليمه في مستشفى كلية الطب المعروف ببيمارستان النوري، الذي أسسه نور الدين زنكي. بالإضافة إلى دراسته للطب، تعلّم ابن النفيس الفقه والأدب واللاهوت، مما جعله خبيرًا مشهورًا في المذهب الشافعي وواحدًا من الأطباء المرموقين في عصره.

في عام 1236م انتقل ابن النفيس إلى مصر، وعمل في مستشفى الناصري ثم في مستشفى المنصوري، حيث أصبح رئيس الأطباء والطبيب الخاص للسلطان. وعند وفاته في عام 1288م، تبرع بمنزله ومكتبته وعيادته لمستشفى المنصورية.

أكثر كتبه ضخامة هو ""الشامل في الطب""، الذي كان من المقرر أن يكون موسوعة مكونة من 300 مجلد، إلا أنه لم يكتمل نتيجة وفاته، وما يزال المخطوط موجودًا في دمشق. كما أن كتابه في طب العيون يمثل إسهامًا أصليًا كبيرًا وما يزال محفوظًا حتى اليوم. ومع ذلك، فإن أشهر كتبه كان ""موجز القانون"" وعدد من التعليقات التي كتبها على نفس الموضوع، بما في ذلك تعليق على كتاب أبقراط والعديد من المجلدات على قانون ابن سينا، والتي لا تزال موجودة، بالإضافة إلى تعليق على كتاب حنين بن إسحاق. ومن كتبه الشهيرة الأخرى التي تعكس إسهاماته الأصلية كتاب ""المختار في الأغذية""، الذي تناول أثر النظام الغذائي على الصحة.

أبرز إسهاماته الأصلية وأكثرها أهمية هو اكتشافه للدورة الدموية الرئوية، والتي أعيد اكتشافها لاحقًا من قبل العلم الحديث بعد مرور ثلاثة قرون. كان ابن النفيس أول من وصف تركيب الرئتين بشكل صحيح، وقدم وصفًا للشعب الهوائية وتفاعل أوعية الجسم للهواء والدم، كما فصّل وظيفة الشرايين التاجية كمزود رئيسي للدم إلى عضلة القلب.

يوجد تصريح بخط يد ابن النفيس (الإجازة) يشير إلى أن تلميذه، المسيحي شمس الدولة أبو الفضل بن أبي الحسن المسيحي، قد قرأ وأتقن شرح ابن النفيس لمعاهدة أبقراط، وقد أُرّخ هذا التصريح في 29 جمادى الأولى 668 هـ/25 يناير 1270م، محفوظ في المكتبة الوطنية للطب في بيثيسدا (ماريلاند)، MS A69, fol. 67b.

الدورة الدموية الرئوية وفقًا لابن النفيس

يعد اكتشاف الدورة الدموية الرئوية موضوعًا شيقًا ومثارًا للنقاش، إذ يعتقد كثيرون أن بدايته كانت في أوروبا في القرن السادس عشر على يد سيرفيتوس وفيزالي وكولومبو، وأخيرًا هارفي. ومع ذلك، وبالنظر إلى اكتشاف المخطوطات القديمة، يُقترح أن الفضل الحقيقي في اكتشاف الدورة الدموية الرئوية يعود إلى الطبيب البارز في القرن الثالث عشر: ابن النفيس.

في عام 1924، اكتشف الطبيب المصري الدكتور محيي الدين الطاوي مخطوطة بعنوان ""تعليق على تشريح قانون ابن سينا"" في مكتبة الدولة البروسيّة في برلين أثناء دراسته لتاريخ الطب العربي في كلية الطب بجامعة ألبرت لودفيغ في ألمانيا. وتُعد هذه المخطوطة من أفضل الكتب العلمية التي تناول فيها ابن النفيس بالتفصيل مواضيع التشريح وعلم الأمراض والفسيولوجيا، وكشفت عن حقيقة علمية مهمة لم يُلتفت إليها من قبل: أول وصف للدورة الدموية الرئوية.

النظرية السائدة قبل ابن النفيس كانت نظرية جالينوس في القرن الثاني الميلادي، الذي افترض أن الدم الذي يصل إلى الجانب الأيمن من القلب يمر عبر مسام غير مرئية في الحاجز القلبي إلى الجانب الأيسر، حيث يختلط بالهواء لتكوين الروح، ثم يُوزع على الجسم. ووفقًا لرؤية جالينوس، كان الجهاز الوريدي منفصلًا تمامًا عن الشرياني، إلا عند تواصلهما عبر المسام غير المرئية.

لكن ابن النفيس، استنادًا إلى معرفته بالتشريح وطريقة تفكيره العلمي، أوضح أن:
""الدم من الغرفة اليمنى للقلب يجب أن يصل إلى الغرفة اليسرى، ولكن لا يوجد طريق مباشر بينهما. الحاجز القلبي السميك غير مثقوب ولا يحتوي على مسام مرئية كما ظن البعض أو مسام غير مرئية كما اعتقد جالينوس. يجب أن يتدفق الدم من الغرفة اليمنى عبر الشريان الرئوي إلى الرئتين، ينتشر هناك، يختلط بالهواء، ثم يمر عبر الوريد الرئوي ليصل إلى الغرفة اليسرى من القلب، وهناك يتكون الروح الحيوي.""

وفي مكان آخر قال:
""القلب له بطينان فقط… وبين هذين لا يوجد أي فتحة مطلقًا. كما أن التشريح يدحض ما قالوه، فالحاجز بين هاتين التجويفتين أسمك بكثير من غيره. وفائدة هذا الدم (في التجويف الأيمن) هي أن يصعد إلى الرئتين، يختلط بالهواء فيهما، ثم يمر عبر الوريد الرئوي إلى التجويف الأيسر من القلب.""

وفي وصفه لتشريح الرئتين، قال ابن النفيس:
""الرئتان تتكونان من أجزاء، أحدها الشعب الهوائية، والثاني فروع الوريد الرئوي، والثالث فروع الشريان الرئوي، وكلها متصلة بنسيج ليفي مسامي.""

وأضاف:
""حاجة الرئتين إلى الشريان الرئوي هي نقل الدم المرقق والمدفأ في القلب إليها، حتى يتسرب عبر مسام فروع هذا الوعاء إلى الحويصلات الرئوية، فيختلط بالهواء الموجود فيها، ويصبح الخليط الناتج مؤهلاً لأن يتحول إلى روح عند وصوله إلى التجويف الأيسر للقلب، وينقله الوريد الرئوي إلى هذا التجويف.""

إسهام آخر مهم ونادر الذكر لابن النفيس هو أنه أكد أن تغذية القلب تأتي من الأوعية الصغيرة المارة خلال جداره، إذ قال:
""ومرة أخرى، قول ابن سينا إن الدم في الجانب الأيمن يغذي القلب غير صحيح على الإطلاق، لأن تغذية القلب تأتي من الدم الذي يمر عبر الأوعية التي تخترق جسم القلب.""

وبذلك كان ابن النفيس أول من طرح مفهوم الدورة التاجية للقلب.

الصحوة الأوروبية المتأخرة

لم تُعرف هذه الملاحظات المهمة في أوروبا إلا بعد 300 عام، حين ترجم أندريا ألباغو من بيلونو بعض كتابات ابن النفيس إلى اللاتينية في 1547م. بعد ذلك، وصف مايكل سيرفيتوس الدورة الدموية الرئوية في كتابه اللاهوتي ""إعادة المسيحية"" عام 1553م، وقال:
""الهواء المختلط بالدم يُرسل من الرئتين إلى القلب عبر الوريد الشرياني؛ لذلك يحدث الاختلاط في الرئتين. اللون الزاهي يُمنح للروح الدموية بواسطة الرئتين وليس القلب.""

ومن الجدير بالذكر أن الكنيسة اتهمت سيرفيتوس بالزندقة لمعارضته لتعاليم جالينوس، وأحرقت كتبه وأُعدم. ووصف أندرياس فيزالي الدورة الدموية الرئوية في كتابه ""دي فابريكا"" بطريقة مشابهة لوصف ابن النفيس، وفي طبعة 1543 اتفق مع جالينوس على أن الدم ""يتسرب بغزارة عبر الحاجز من البطين الأيمن إلى الأيسر""، ثم حذفه في الطبعة الثانية 1555م، وقال: ""لا أرى كيف يمكن للدم أن ينتقل حتى بكميات قليلة عبر الحاجز من البطين الأيمن إلى الأيسر."" وقد وصف ريلدوس كولومبو وصفًا مشابهًا في 1559م في كتابه ""دي ري أناتوميكا"".

وأخيرًا، أظهر ويليام هارفي عام 1628م، عبر الملاحظة التشريحية المباشرة في الحيوانات المختبرية، حركة الدم من البطين الأيمن إلى الرئة ثم عودته إلى البطين الأيسر عبر الوريد الرئوي، وأكد عدم وجود مسام في الحاجز بين البطينين، وكتب في بحثه:
""بدأت أظن أن هناك نوعًا من الحركة الدائرية. ثم اكتشفت أن الدم يُدفع بواسطة نبض البطين الأيسر ويُوزع عبر الشرايين إلى الجسم كله، ويعود عبر الأوردة إلى الوريد الأجوف ثم إلى الأذين الأيمن، كما يُرسل إلى الرئتين عبر الشريان الرئوي ويعود من الرئتين عبر الوريد الرئوي إلى البطين الأيسر كما وُصف سابقًا.""

ومع ذلك، لم يفهم هارفي فسيولوجيا الدورة الدموية الرئوية (إزالة ثاني أكسيد الكربون واستبداله بالأكسجين)، التي أوضحها لافوازييه بالكامل في القرن الثامن عشر.

آراء بعض المؤرخين المعاصرين

يجدر ذكر آراء بعض المؤرخين المعاصرين حول أعمال ابن النفيس. فقد قال مييلي:
""نعتقد أنه من العدل الآن نسب اكتشاف الدورة الدموية الرئوية إلى ابن النفيس، الذي كان سلفًا بعيدًا لأطباء المدرسة الإيطالية في القرن السادس عشر وويليام هارفي، الذي وصف الدورة الرئوية بالكامل بعد أربعة قرون بدقة ووضوح.""

كما قال ماكس ميرولف، الباحث المرموق في الطب العربي التاريخي:
""لقد رأينا أن ابن النفيس، قبل ثلاثة قرون من كولومبو، قد لاحظ بالفعل الممرات المرئية بين نوعي الأوعية الرئوية.""

وفي مقال حول اكتشاف الدورة الدموية الرئوية، قال إدوارد كوبولا:
""نظرية الدورة الدموية الرئوية التي طرحها ابن النفيس في القرن الثالث عشر لم تُنسَ، وربما أثرت بعد قرون من وفاته على اتجاه التحقيقات التشريحية لكولومبو وفالفيردي، الذين أعلنوا عنها في العالم الغربي كحقيقة فسيولوجية قابلة للإثبات التجريبي.""

نُشرت مقالات عدة تؤكد أن الفضل في اكتشاف الدورة الدموية الرئوية يعود لابن النفيس قبل ثلاثة قرون من ميلاد ويليام هارفي.

المصدر

مقالات ذات صلة