تزخر الايات بصور الشمس والقمر والنجوم، وبالدعوة إلى تأملها ومراقبتها. ففي سورة الانشقاق يقسم الله تعالى: «فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ، وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ، وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ، لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ» (الانشقاق: 16–19)، وكان النبي محمد ﷺ يختم دعاء رؤية الهلال بقوله مخاطبًا الهلال: «اللهم أهِلَّه علينا باليُمن والإيمان، والسلامة والإسلام، ربي وربك الله»، وفي سياق التذكير بنعمة الإنسانية يقول الله تعالى: «وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ» (الجاثية: 13). وسواء كان الهدف الحث على الشكر أو التفكر، أو إيقاظ الفضول والرهبة، أو تشغيل العقول، فإن الوحي يوجّهنا باستمرار إلى رفع أبصارنا نحو عجائب الخلق.
غير أن علاقتنا المعاصرة بالظواهر السماوية تبدو متناقضة؛ فمن جهة نعتمد على حركة الشمس والقمر لتحديد الصلوات والمواسم، فنفتح تطبيقات الهواتف لمعرفة الشروق والغروب والشفق، لكننا نادرًا ما نرفع أبصارنا باهتمام حقيقي إلى الأجرام التي تحدد عباداتنا، ونادرًا ما نتأمل الظلال التي تصنعها حركة السماء على الأرض. وبفعل اعتمادنا على الهواتف والساعات نشعر أننا نواكب هذه الحركات العظيمة، بينما الحقيقة أننا تنازلنا عن دورنا في رعاية الطبيعة وحتى التقنيات التي صنعناها منها؛ فحين يرخِي الملك قبضته يبدأ المستشار الموثوق بالتخطيط للانقلاب.
إن التوقف المتكرر لأداء الصلوات المفروضة دعوة لتكريم الوقت؛ فلو كنا نصلي متى شئنا لما امتلكنا هذا الوعي الحاد بمرور الزمن. حين يرتفع الأذان يعلن أن الصلاة أهم مما نحن منشغلون به، لكن كيف لا نشعر بأنها مجرد مقاطعة أخرى في يوم مليء بالمقاطعات؟ بل أليس كل شيء يبدو أحيانًا وكأنه مقاطعة حتى لما يُقاطع؟
تشير الدراسات إلى أننا نتفقد هواتفنا أكثر من مئتي مرة يوميًا في المتوسط، وأننا لا نستطيع الاستمرار في مهمة واحدة دون انقطاع إلا دقائق معدودة. فبماذا ننشغل إذن؟ وكيف نقيس أهمية هذه المهام إذا كانت لا تحتفظ بانتباهنا أكثر من غيرها؟ إذا كان السلوك لغة، فإن انقطاعاتنا المستمرة تكشف ضعف تقديرنا للوقت؛ تتهاوى الأولويات تحت عجزنا عن التركيز، ويصبح التشتت هو القاعدة. يرن هاتفي ليخبرني بوصول بريد إلكتروني، ثم يرن ليخبرني بدخول وقت الظهر، ثم يرن برسالة نصية؛ فالزمن الرقمي يختزل كل الأحداث في صوت واحد. ولو عشنا دون هذا الزمن الرقمي لاحتجنا علامات أخرى نهتدي بها: جودة الضوء الداخل من النافذة، امتداد الظلال وانكماشها، انتقال أذهاننا من الغبش إلى الصفاء، تحوّل الضوء الأصفر إلى برتقالي عند الغروب، وبريق أول نجمة في السماء. كانت أوقات الصلاة تتدفق قديمًا لأننا كنا نختبرها استجابة متناغمة لعبادة الكون.
وقد ميّز عالم النفس الأمريكي Robert Levine بين «ثقافة زمن الساعة» و«ثقافات زمن الحدث». فزمن الساعة خطّي قابل للتقسيم إلى وحدات متساوية ثابتة، أما زمن الحدث فهو سابق للتكنولوجيا، قائم على حركات الطبيعة وألوانها وتغيراتها. نتصل به حين نتحرى هلال رمضان أو ننتظر الغروب على الشاطئ. لكنه بالنسبة إلينا لحظي، بينما يهيمن زمن الساعة على حياتنا، إذ تركز ثقافة الإنتاجية عليه لاستغلال كل دقيقة. وما تغفله هذه الثقافة أن الانسجام مع الإشارات الطبيعية يمكن أن يكون إنتاجيًا بعمق.
يعامل زمن الساعة كل اللحظات على أنها متساوية، لكن تجربتنا تقول غير ذلك؛ فالوقت ليس مجرد كمية دون خسارة في المعنى. دقائق قد تبدو ساعات، وساعات قد تنقضي كالدقائق، والبدايات والنهايات لا تأتي دائمًا بوتيرة واحدة. زمن الساعة متماثل وقابل للتقسيم، وله أهمية وظيفية، لكننا نعرف أن هناك أوقاتًا نكون فيها أكثر إبداعًا؛ فساعة في ذروة الإبداع ليست كساعة حين يخفت الحس الإبداعي.
ويتحدث الله عن هذه الخبرة الذاتية للوقت؛ فساعة التهجد في الثلث الأخير من الليل، حين يكون الله أقرب للإجابة، ليست كسائر الساعات وإن كان الزمن المادي واحدًا. إن سرّ الوقت يزرع الدهشة والطاعة؛ فالدهشة تفتح القلوب، وروح الطاعة تدفعنا لاغتنام أوقات الفضل.
ومن هنا فإن أهمية تحري الهلال وتأمل النجوم تتجاوز مجرد معرفة الوقت؛ فنحن نختزلها في التطبيقات والجداول التي تقيس الظواهر ولا تمنحها معناها، إذ إن إضفاء المعنى فعل إنساني لا يقدر عليه إلا قلب متفكر. يقول تعالى في سورة نوح: «مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا …» إلى قوله: «وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا …» (نوح: 13–20)، حيث يربط التأمل بالخشوع أمام عظمة الخلق.
الدهشة تجربة مطلوبة لذاتها، رغم أنها لا تحل مشكلات الحياة اليومية؛ فهي ليست مجرد استجابة لظروف عابرة، بل قد تنبع من تفاصيل الحياة: ألوان من حولك، ضحكة طفل، نحلة على زهرة. وهي علامة قلب حي منفتح على ما هو أكبر من ذاته، وعلى الله في نهاية المطاف.
والدهشة مقدمة للفضول والاكتشاف العقلي؛ فالعقل المتعجب يسأل: لماذا تبدو الأجرام مختلفة المسافات؟ كيف يضيء القمر والشمس؟ كيف نشأ الإنسان؟ وكل سؤال ينطلق من ملاحظة العالم. والمفارقة أننا كلما ركزنا على الوقت لزيادة الإنتاجية قلّ انتباهنا للظواهر التي تمنحنا الوقت.
إن دعوة الوحي للنظر في السماء ليست لجمع البيانات الفلكية فحسب، بل لتربية قلوب قادرة على الدهشة؛ فعندما نقرأ تغيرات الضوء والظل ونستخدم ساعاتنا في الوقت نفسه، ونسمح لمراحل القمر أن تحدد مواسمنا الروحية، نستعيد دورنا كأوصياء واعين على الطبيعة.
ومع ذلك فنحن مدينون لعلمائنا المسلمين الأوائل الذين مهدت اكتشافاتهم للتقنيات الحالية؛ فالعين وحدها لا تستطيع تحديد لحظة الغروب بدقة، ومن هنا نشأت حاجة علمية قادت في النهاية إلى التطبيقات المعاصرة التي تؤدي وظائف مهمة في الحساب والتذكير، خاصة لمن لا يستطيعون مراقبة السماء. السؤال ليس هل نستخدمها، بل كيف نستخدمها دون أن نفقد قدرتنا على الملاحظة المباشرة؛ فهي تصبح إشكالية فقط حين تتوسط علاقتنا بالكون كليًا.
ومن فوائد الملاحظة المباشرة التواضع؛ فحين نشاهد الغروب نستسلم برفق لسنن الله، ونختبر دخول المغرب كحدث كوني خارج سيطرتنا، ونتذكر أن استقرار العالم من نعم الله.
إن حفظ «وقت الله» في عالم تقني يبدأ بممارسات بسيطة: مشاهدة الغروب أحيانًا، ملاحظة تغير الظلال، التعرف إلى أطوار القمر قبل الشهر الهجري الجديد، وتنمية قدرة الملاحظة مع الاستعانة بالتقنية لا الاستبدال بها. وكما نتعلم معاني الكلمات من السياق قبل الرجوع إلى القاموس، ينبغي أن ننمّي حواسنا التأملية مع استخدام الأدوات لتأكيدها.
لقد كُرّم الإنسان بالاستخلاف، ومع امتلاكنا الحكمة القديمة والدقة الحديثة ندرك أن حفظ وقت الله لا يعني رفض الأدوات الرقمية، بل ضمان أن تخدمنا دون أن تحل محل تفاعلنا المباشر مع آيات الله في الكون لمن يتفكرون.
