قد يكون دور الوالدين تجربة شاقة ومليئة بالقلق. ففي كل مرحلة من مراحل حياة أطفالنا نشعر بالهمّ عليهم. نقلق إذا كان رضيعنا قد أكل ما يكفي، أو إذا كان طفلك الصغير قد يخدش ركبتيه أثناء اللعب، أو كيف سيتعامل مراهقنا مع ضغوط المدرسة.
ولكن، بصراحة، كثير من هذه المخاوف تافهة، وتجعلنا نغفل عن الأمور الجوهرية، مثل المحافظة على إيمان أطفالنا. لأن مهمتنا الأساسية كآباء وأمهات هي حماية أطفالنا وتجهيزهم للآخرة.
وقد أرشدنا الله تعالى في القرآن الكريم:
""يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ"" [التحريم:6]
وفي هذا العصر، يبدو هذا مهمة شاقة. فنحن نعيش في عالم يغمرنا بالأفكار والقيم غير الإسلامية، من الرسوم المتحركة والأفلام إلى المعلمين والزملاء في المدرسة.
فماذا يمكننا أن نفعل لحماية أطفالنا على أفضل نحو؟ لقد فكرت في تجربتي كإمام على مدار العقد الماضي، وفي جميع الأطفال الذين التقيت بهم في مجتمعي. تعاملت مع أطفال وشباب من خلفيات متنوعة، وبعضهم تميز بلا شك بتقواهم وحرصهم على دينهم وطيب أخلاقهم.
وعندما قابلت هؤلاء الأطفال، تساءلت: ماذا فعل آباؤهم بشكل مختلف؟ وبعد كثير من التأمل، أدركت أن جميع آبائهم يشتركون في خمس عادات أساسية:
1 – اصطحاب الأطفال إلى المسجد بشكل منتظم:
أحد الأنماط المشتركة هو أن آباء هؤلاء الأطفال يأخذونهم إلى المسجد تقريبًا كل يوم. على سبيل المثال، كان أحد الآباء يتردد على المسجد عدة مرات يوميًا، ويأخذ أطفاله معه مرة واحدة على الأقل يوميًا. المسجد يوفر بيئة إسلامية قوية وفرصة للأطفال للالتقاء بأقرانهم الذين يتربون بطريقة مشابهة.
نحن غالبًا نقلل من شأن المسجد. فحتى إذا كان المسجد فارغًا، فإن مجرد التواجد فيه له فائدة روحية. وهناك أجر عظيم في ديننا من مجرد الانتظار في المسجد من صلاة إلى أخرى، لما في ذلك من هدوء يذكرنا بخالقنا ويقوي صحتنا النفسية، حتى صحة الطفل.
2 – أن يكون الآباء أصدقاء مقربين لأطفالهم:
ليس بطريقة متسلطة، بل بطريقة تشجع على الصداقة والثقة. صحيح أن للأطفال أصدقاء من عمرهم، لكنهم يظلّون قريبين جدًا من والديهم. ينشؤون علاقة حميمة تجعل الطفل يشعر بالراحة في مشاركة تجاربه والحديث عن يومه بالكامل مع والديه. وبلا شك، يستغرق بناء هذا المستوى من العلاقة وقتًا، لكنه نتيجة لقضاء وقت طويل معًا. حضورك مع طفلك أمر مهم، خاصة الحضور النفسي الحقيقي، فهذا يعزز القرب والقدرة على التواصل بسهولة.
3 – بناء علاقات داعمة مع أقران مناسبين:
يحرص هؤلاء الآباء على التواصل مع عائلات لديها أطفال في نفس العمر ويتبعون نفس النهج التربوي، ويقضون الوقت معًا. فالأب لا يمكن أن يكون بديلًا لصديق الطفل، لكن يمكنه دعم الطفل في بناء علاقات صداقة صحيّة تحافظ على القيم الإسلامية. ومن الأفضل البدء في ذلك مبكرًا. كما يقول المثل: ""يحتاج الطفل إلى قرية لتربيته""، وهؤلاء الآباء أنشأوا قرية خاصة بهم من العائلات المتشابهة في الفكر والتربية.
4 – الجدية في التعليم الإسلامي:
يستفيدون من البرامج المجتمعية مثل حلقات الشباب والمدارس الأسبوعية، لكنهم لا يكتفون بذلك. فهؤلاء الآباء ملتزمون بتعلم الإسلام بأنفسهم، فـ""الوعاء لا يعطي إلا ما فيه"".
حتى إذا حضر أطفالك برامج تعليمية، فإنهم يحتاجون لتعليم ديني متكامل في المنزل. يجب أن تكون مؤهلاً لتعليم أطفالك دينهم، وتزويدهم بالموارد اللازمة، ومناقشتهم حول ""لماذا""، مثل لماذا أمرنا الله بالعبادة، ولماذا يوجد الشر.
5 – التحكم في النقاش حول المواضيع الصعبة:
يتعرض الأطفال اليوم لمواضيع حساسة سواء في المدرسة أو الملعب أو على الإنترنت، وغالبًا ما يكون هذا التعرض مبكرًا وخارج الإطار الإسلامي الصحيح.
لذلك يجب أن تتحدث مع أطفالك عن هذه المواضيع مبكرًا، وأن تتحكم في الحوار. تحدث معهم بصراحة وصدق، وأتِح لهم الفرصة للتواصل المتبادل. يجب أن يشعر الأطفال بالراحة في الحديث عن هذه المواضيع مع والديهم.
ويجب أن تضع هذه القضايا ضمن إطار أخلاقي إسلامي، وتساعدهم على التعامل مع المواقف الصعبة في المدرسة أو الملعب، عبر تمثيل المواقف وتدريبهم عليها، لتعزيز ثقتهم بأنفسهم والحفاظ على قيمهم ومعتقداتهم.
رغم أن تربية الأطفال في عالم اليوم ليست مهمة سهلة، يمكننا الاطمئنان بأن الهداية بيد الله. نسأل الله أن يهدينا وإياهم إلى صراطه المستقيم.
