يُعلّمنا الله ثلاثة أبعاد من قدرته من خلال اسم العزيز: القوة، والاستقلالية، والسيادة/الملك. والتأمل في خلق الله للإنسان يمكن أن يوضّح لنا تفرّد قدرة الله.
يقول تعالى:
وَلَا يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ ۘ إِنَّ ٱلْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا ۚ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ (يونس: 65)
رغم أن هذا البيان القوي بأن ""كل العزة لله"" قد يبدو بسيطًا في الفهم، إلا أن لهذه الآية طبقات دقيقة ومعانٍ عميقة. غالبًا ما يُترجم مصطلح العزة مباشرةً إلى ""القوة"" أو ""القدرة""، لكن العلماء يعطون تعريفًا أكثر دقة بأنه القوة المكرمة؛ أي أن أي قوة مهما عظمت، لا تُعتبر عزّة إلا إذا ارتبطت بالكرامة.
التأمل في خلق الله للإنسان يوضّح تفرّد قدرة الله. فكثير من البشر يمتلكون رحمة ولطفًا، لكنهم يفتقرون إلى القوة، وبالتالي يمكن استغلالهم. وكذا، غالبًا ما يستخدم الأقوياء من البشر سلطتهم بتهور وقسوة. أما الله عز وجل، فمواصفاته في انسجام تام؛ فهو الرؤوف، العزيز، الودود، والقهار، بلا أي تناقض بين هذه الصفات.
لماذا يُطلعنا الله على أسمائه؟
وَلِلَّهِ ٱلْأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ فَٱدْعُوهُ بِهَا ۖ
(الأعراف: 180)
غالبًا ما يغفل المسلمون عن عظمة أسماء الله التسعة والتسعين، بينما لا يوجد موضوع أعظم من دراسة أسماء الله وصفاته. فهذه الأسماء تحمل قوة روحية عظيمة، فمن خلالها يظهر الله لنا ويتيح لنا فرصة التقرب منه.
هناك اتفاق شبه كامل بين العلماء على أن لله أسماءً أكثر مما أنزل إلينا، وكل اسم أنزله لنا، اختاره الله بعناية ليعرّفنا به قدر المستطاع، ويدعونا أن نناجيه بهذه الأسماء الجميلة لنتقرب منه.
فما الذي يريد الله أن يعلمه لنا من خلال اسم العزيز؟
قدرة ورحمة الله
يُذكر اسم العزيز في القرآن كثيرًا، نحو 92 مرة. إن التركيز على قدرته مع مفاهيم أخرى، مثل رحمته، يُساعد على تكوين صورة متوازنة عن الله في ذهن الإنسان، فالاهتمام بالرحمة وحدها دون القوة قد يؤدي إلى تصور غير متوازن عن الله.
وقد روى بلال بن سعد (توفي 116هـ):
لا تنظر إلى صغر الذنب ولكن انظر إلى عظمة من عصيت"" (حلية الأولياء 5/223)
الصورة المتوازنة عن الله تحمينا من طرفين متطرفين: اليأس من عقوبة الله أو استخدام رحمته العظيمة لتبرير أسوأ الأفعال. المؤمن الحق لا ييأس من رحمة الله، ولا يشعر بأنه فوق عواقب ذنوبه.
ثلاث أبعاد لقدرة الله في اسم العزيز
1. قوة الله التي تفوق كل شئ
الرسالة الأولى من اسم العزيز هي كمال القدرة. رغم أننا لن نستوعب أبدًا مدى قدرة الله الحقيقية، فإن معظمنا لا يقدّرها تقديرًا كافيًا.
عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: «جاء حبر من الأحبار إلى رسول الله ﷺ فقال: يا محمد، إنا نجد أن الله يجعل السماوات على إصبع، والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والماء على إصبع، والثرى على إصبع، وسائر الخلق على إصبع، فيقول: أنا الملك. فضحك النبي ﷺ حتى بدت نواجذه تصديقا لقول الحبر. ثم قرأ: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [الزمر:67]
2. اكتفاء الله بذاته
من خلال اسم العزيز، يعلمنا الله أنه لا يحتاج إلى أحد. فالقوة عند البشر غالبًا ما ترتبط بالقدرة على التحمل، أما قدرة الله فلا تستلزم أي تضحية أو صبر على محنة.
3. سيادة الله على كل شيء
البُعد الثالث لاسم العزيز هو أن قدرته تشمل كل شيء وتتجاوز كل شيء، فيقول تعالى:
قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
( آل عمران:26)
فإدراك قوة الله واستقلاليته وسيادته يعزز إيماننا، ويقوّي صبرنا، ويفتح لنا سبيل التحرر من أوهام الحياة الدنيا.
علاج لقلوب الشك
زرع اليقين في القلب بأن الله متصرف في كل شيء يساعدنا على التغلب على كثير من الشكوك والهموم المستمرة. ومن أكثر الشكوك شيوعًا بين المؤمنين: كيف يُحاسب الإنسان على أفعاله إذا كان الله متصرفًا في كل شيء؟
وقد روي عن أحد المسلمين الأوائل قوله:
""الله ليس فقط رحيمًا بما يكفي ليغفر لك ما قضاه لك، بل هو أيضًا عزيز بحيث لا يحتاج لإجبارك على فعل ما يتوافق مع حكمته وخطته""
أي أن الله، بقدرته وعظمته، منحنا القدرة على التصرف بحرية، وليس بحاجة لأخذ هذه القدرة منا. فالله لا يحتاج منك تنفيذ خطته، بل أنت بحاجة إليه لتنفيذ خطتك.
إن حقيقة أن الله متصرف في كل شيء، ومع ذلك نحن نملك نوعًا من القدرة على الاختيار بما يكفي لتحمل المسؤولية أمامه، هي حقيقة يصعب على كثير من الناس استيعابها. ولهذا قال النبي ﷺ:
""إذا ذُكر القدر فامسكوا"" (المعجم الكبير 10448)
لذلك، ينبغي للمسلمين أن يجدوا الطمأنينة في عظمة الله وقدرته المطلقة، مع اجتناب التعمق المفرط في تفاصيل القضاء والقدر.
لماذا تحدث المصائب للأبرار؟
في سورة البروج، يذكر الله اسمه العزيز حين استُشهد أصحاب الأخدود بسبب إيمانهم به. فاسم العزيز يدل على أنه كان قادرًا على منع المحنة، لكنه قضى وقوعها، وكانت النتيجة النهائية خيرًا لهم، إذ نالوا النصر الأبدي.
قال النبي ﷺ:
""عجباً لأمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لأِحَدٍ إِلاَّ للْمُؤْمِن: إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْراً لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خيْراً لَهُ"" (صحيح مسلم 2999)
التحرر من الحياة الدنيا
عندما خرج المسلمون لملاقاة المشركين في غزوة أحد، بقي المنافقون في المدينة خائفين من عواقب المواجهة، بينما المؤمنون الذين يسعون في سبيل العزيز، يحظون بالتحرر الحقيقي من قيود الحياة الزائلة.
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
""نحن قوم أعزَّنا الله بالإسلام فمهما ابتغينا العزَّة في غيره أذلَّنا الله"" (المستدرك على الصحيحين 207)
إن السعي للشرف والقوة يكون بالتزام أوامر الله واجتناب نواهيه. كما يقول القرآن:
مَن يَرِدِ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا (فاطر: 10)
