في عالم مليء بالتصفح المستمر والكمال المنسّق، من السهل أن ننسى أن الحياة الواقعية نادراً ما تكون نقية كما تصوّرها الصور. فقد تحوّلت منصات التواصل الاجتماعي إلى عروض لأبرز اللحظات، تعرض أجساداً مُفلترة وقصص نجاح مُعدّة بعناية. وكلما زاد تصفحنا، زادت المقارنة؛ وكلما زادت المقارنة، زاد اليأس. لكن هذه المعاناة ليست جديدة، حتى لو كان شكلها الرقمي حديثاً. فقد قدّم النبي ﷺ في حكمته الخالدة حلاً لا يرسّخنا روحياً فحسب، بل يحمي أيضاً صحتنا النفسية والعاطفية.
قال ﷺ:
«انظروا إلى من هو دونكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فإن ذلك أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم.»
هذا النصح النبوي ليس مجرد تشجيع أخلاقي، بل هو ترياق نفسي وعلاجي ضد آثار المقارنة الاجتماعية الصاعدة الضارّة، أو على الأقل، في حالة وسائل التواصل الاجتماعي، ما يُعتقد أنه ""صاعد"".
ويؤكّد علم النفس المعاصر ما حذّر منه النبي ﷺ قبل أكثر من 1400 سنة: إن قياس أنفسنا باستمرار مقارنة بالآخرين يمكن أن يلحق ضرراً كبيراً بصحتنا النفسية والعاطفية. ففي دراسة واسعة، وجد الباحثان تشو وإيدج أن مستخدمي فيسبوك الذين قضوا وقتاً أطول على المنصة كانوا أكثر ميلاً للاعتقاد بأن حياة الآخرين أكثر سعادة ونجاحاً من حياتهم، مما أدى إلى انخفاض رضاهم عن حياتهم.
وتم تصميم منصات مثل إنستغرام، تيك توك، وفيسبوك لجذب انتباه المستخدمين من خلال عرض محتوى مصقول ومنسّق بصرياً، لأنه في اقتصاد الانتباه، كلما طالت مدة بقائنا، زاد ربحها. وهذا التصميم يعزز المقارنات الصاعدة من خلال تعريض المستخدمين مراراً لتصوير مثالي لحياة الآخرين. وأظهرت أبحاث مشابهة أن أولئك الذين يتفاعلون أكثر مع وسائل التواصل الاجتماعي لديهم تقدير ذاتي أقل وصورة ذاتية أسوأ، خاصة عند مقارنة أنفسهم بالآخرين على الإنترنت.
وغالباً ما تتركز هذه المقارنات على المظهر الجسدي أو الممتلكات المادية أو السعادة المتصوّرة، مما يشوّه إحساسنا بالواقع ويضعف قدرتنا على تقدير نعمنا الخاصة. وأكد تحليل أجراه ماكومب وزملاؤه عام 2023 هذه النتائج على نطاق أوسع، حيث جمع بيانات من 48 دراسة شملت أكثر من 7600 مشارك، ووجدوا أن رؤية أشخاص يبدون أفضل حالاً على وسائل التواصل الاجتماعي قد تجعل الشخص يشعر بسوء تجاه نفسه، مما يضر بصحته النفسية وإحساسه العام بالرفاهية.
وتكون هذه الآثار السلبية أكثر وضوحاً فيما يتعلق بصورة الجسم وتقدير الذات، مما يوضح هشاشة المستخدمين الذين يتعرضون باستمرار لصور ""مثالية"" للآخرين على الإنترنت. ويشير علماء النفس إلى هذا الديناميك باسم ""تأثير المقارنة""، حيث يرى الأفراد أنفسهم بصورة أكثر سلبية عند التعرض للآخرين الذين يبدون أكثر نجاحاً أو جاذبية. وما يزيد القلق أن هذا التعرض متواصل وغالباً ما يكون دون وعي، إذ إن المقارنة الصاعدة نادراً ما تلهم تحسين الذات، بل غالباً ما تثير الإحباط والحسد والشعور بأن حياتنا أقل قيمة.
ما يجعل هدي النبي ﷺ مذهلاً هو كيف يعالج هذا الاختلال العاطفي والروحي في جوهره. فبدلاً من الانعزال عن العالم، يطلب الأسلوب النبوي منا إعادة توجيه منظورنا. وبدلاً من النظر إلى من لديهم أكثر، علمنا ﷺ أن ننظر إلى من لديهم أقل، ليس لإثارة الشفقة أو الغرور، بل لإيقاظ الامتنان الصادق. هذا التحوّل يساعدنا على الترسّخ في النعم التي نملكها بالفعل. وقد أظهرت الدراسات أن المقارنات ""الهابطة"" على إنستغرام لها تأثير معاكس للمقارنات ""الصاعدة""، حيث تتحسن تقديرات الجسم بعد المقارنات الهابطة، مما يبرز حكمة كلمات النبي ﷺ الخالدة.
كما قال ﷺ:
«من أصبح منكم آمنًا في سربه، معافى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا.»
فالبيت الآمن، والصحة الجيدة، والطعام اليومي هي نعم عظيمة وتشكل أساس الرفاهية. لكن في ضجيج وسائل التواصل الاجتماعي المستمر، غالباً ما تُغفل هذه الهبات البسيطة والعميقة. فالمقارنة تُعمي البصر عن ما نملك بالفعل. أما الحل النبوي، فيدعونا لنرى مرة أخرى بتواضع وامتنان.
ومن المهم أيضاً أن نتذكر أن الإسلام لا يثبط الطموح. فإيماننا يشجع على التميز والنمو والسعي للارتقاء دنيوياً وروحياً. لكن عندما يكون دافع سعينا هو الحسد، وعندما تتشكل معاييرنا عبر صور غير واقعية، فإننا نخاطر بحياة مليئة بعدم الرضا المستمر. وأكد النبي ﷺ أن الرضا الحقيقي يأتي من القلب:
«ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس.»
وهذا الرضا ليس استسلاماً سلبياً، بل حالة روحية نشطة يجب تنميتها، خصوصاً في العصر الرقمي. فممارسة الرضا الرقمي تعني اختيار ما نتعرض له على الإنترنت بعناية، وإلغاء متابعة الحسابات التي تثير المقارنة، وإنشاء مساحة رقمية تشجع على الامتنان، ومقاومة الرغبة في البحث عن التقدير عبر الإعجابات. تماماً كما نحمي قلوبنا من البيئات الضارة في العالم المادي، يجب أن نفعل الشيء نفسه في حياتنا الافتراضية. فحماية سلامنا الداخلي تبدأ بكبح الضوضاء الخارجية.
وحذّرنا النبي ﷺ أيضاً من الحسد وأضراره الروحية فقال:
«إياكم والحسد، فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب.»
ولحماية قلوبنا وعقولنا من هذا التآكل، يجب أن نكون واعين ومتعمدين. أحد الخطوات الأولى هو استعادة انتباهنا. فوسائل التواصل الاجتماعي ليست خاطئة بطبيعتها، لكنها قد تصبح ضارة بسرعة عندما تشكّل إحساسنا بالذات أو بالقيمة. وقد أظهرت الدراسات أن حتى فترات قصيرة من الانقطاع عن هذه المنصات تحسّن تقدير الذات والرضا عن الحياة، خاصة بين الشباب والنساء.
كما يؤكد الأسلوب النبوي على تنمية الشكر وتجنب المقارنة التي تؤدي إلى الجحود. فالنظر إلى من لديهم أقل ليس لمقارنة الذات بغرض التفاخر، بل لإعادة اكتشاف منظورنا. وعندما نركّز على النعم الموجودة في حياتنا، نقلل من هوسنا بما نفتقده ونزداد امتناناً لما أعطينا. ومن المهم أيضاً أن نحيط أنفسنا برفقة ومحتوى يغذي قلوبنا ويثبتنا في الذكر. فعندما نؤسس قيمتنا الذاتية على علاقتنا بالرب بدل التقدير الرقمي، نبدأ بتجربة سلام أعمق وأطول أمداً.
العالم الرقمي، بطبيعته المنسقة بعناية، مجرد وهم. وما نظنه أفضل غالباً ما يكون أكثر ""فلترة"" مما يبدو. لذا، في عالم يغوينا بالنظر إلى الأعلى باستمرار، يذكّرنا رسول الله ﷺ بلطف أن ننظر إلى الأسفل، ومن خلال ذلك نرى أخيراً كم كنا مباركين طوال الوقت.
