- على الرغم من النزاعات الداخلية والتوترات الإقليمية في عام 2025، حافظت رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) على تماسكها وواصلت التقدم في مهمتها الأساسية.
- وبالنسبة لتيمور الشرقية، فإن عضوية آسيان تعني فرصًا اقتصادية وأمنًا أقوى وسيادة أكثر ترسيخًا.
- أما اتفاقية الإطار للاقتصاد الرقمي لآسيان (DEFA)، فهي إطار حوكمة رقمي على مستوى المنطقة يهدف إلى توحيد قواعد التجارة الرقمية مع احترام اختلاف مستويات التنمية بين الدول الأعضاء.
كان العام الماضي صعبًا بالنسبة لآسيان. فقد واجه قادتها صعوبات في إيجاد حلول قابلة للتطبيق للنزاع المستمر في ميانمار، في حين شكّلت الاشتباكات الحدودية بين كمبوديا وتايلاند تذكيرًا مقلقًا بالنزاعات الإقليمية والتوترات الثقافية القديمة التي لطالما أثّرت في المنطقة.
ومع ذلك، وحتى في الأوقات العصيبة، لم تتراجع الرابطة عن هدفها الأساسي. ففي عام 2025، سجّلت إنجازين بارزين: توسعها إلى 11 عضوًا، والتوصل إلى “اتفاق جوهري” بشأن اتفاقية الإطار للاقتصاد الرقمي لآسيان (DEFA)، وكلاهما نموذج للشراكة يستحق الدراسة.
ويُعدّ انضمام تيمور الشرقية إلى آسيان في أكتوبر 2025 مثالًا مشجعًا على قوة الشراكة في أوقات التحديات. فهو يؤكد التزام آسيان الطويل الأمد برؤية واحدة وهوية واحدة ومجتمع واحد، ويبرز كيف يمكن للدول الأعضاء أن تتجاوز سنوات من العداء لتحقيق نتائج تعود بالنفع على الرابطة بأكملها وعلى كل دولة من دولها.
استغرق انضمام واحدة من أحدث الديمقراطيات في العالم إلى الرابطة 14 عامًا، وقد تطلّب ذلك من تيمور الشرقية وإندونيسيا تجاوز سنوات من التوترات بينهما.
إنها شراكة رمزية وعملية في آنٍ واحد. فآسيان توفّر للدولة الصغيرة والناشئة تضامنًا إقليميًا، وفرصًا أكبر للتنمية الاقتصادية من خلال تحسين الوصول إلى الأسواق، وأمنًا أقوى، وتعزيزًا لسيادتها، وإيمانًا بأنها تصبح أقوى ضمن الاتحاد.
وفي المقابل، يعزز انضمام تيمور الشرقية مكانة آسيان، لا سيما في مجالات مثل الديمقراطية والشمول السياسي. كما يفتح آفاقًا جديدة للوصول إلى الأسواق، ويمنح الرابطة نفوذًا أكبر بفضل الموقع الاستراتيجي لتيمور الشرقية وعلاقاتها بين المحيطين الهندي والهادئ.
وبعد إتمام الانضمام، لا يزال هناك الكثير من العمل، خاصة في ما يتعلق بدمج اقتصاد تيمور الشرقية النامي في الاتحاد الاقتصادي الأوسع. وتبرز اتفاقية DEFA كأحد أهم الأدوات التي تعتمدها آسيان في هذا السياق. فهي أول اتفاقية إقليمية في العالم تركز على حوكمة الاقتصاد الرقمي، ومن المتوقع توقيعها هذا العام.
وتهدف الاتفاقية إلى تسريع التحول الرقمي في المنطقة من خلال إنشاء اقتصاد رقمي مفتوح وآمن وقابل للتشغيل البيني. وستوفر إطارًا مخصصًا للرابطة بأكملها، يتم فيه توحيد قواعد التجارة الرقمية، ودعم تدفق البيانات عبر الحدود، وإرساء لوائح متناسقة في مجالات مثل التجارة الإلكترونية والمدفوعات الرقمية.
ومن أبرز مقترحاتها إنشاء مستودع شامل ومحدّث باستمرار للوائح البيانات، يهدف إلى تعزيز الشفافية وخفض تكاليف الامتثال على الشركات.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة لأن تبسيط اللوائح وتحسين الوصول إلى التجارة الإلكترونية سيمكن العديد من المؤسسات متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة في المنطقة من دخول الاقتصاد الرقمي.
كما ستحظى قضايا أمن البيانات والخصوصية باهتمام كبير، ومن المرجح أن يشكل “مركز آسيان لحوكمة البيانات” الآلية الرئيسية لدعم التكامل الرقمي.
قد يبدو من الصعب أن تتفق رابطة تضم دولًا متفاوتة اقتصاديًا وقانونيًا على مجموعة موحدة من المعايير، خصوصًا في مجال معقد مثل الاقتصاد الرقمي، إلا أن الدول الأعضاء نجحت في ذلك.
ولم تكتفِ آسيان باعتماد الحد الأدنى من المعايير، بل اختارت نهجًا مرحليًا، بحيث تكون الاقتصادات الأكثر تطورًا مثل سنغافورة أول من يلتزم بمتطلبات الإطار، قبل انضمام بقية الدول تدريجيًا مع إحرازها التقدم المطلوب.
ومن خلال العمل بالشراكة، يمكن لدول آسيان تطوير اقتصاد رقمي إقليمي تشير التوقعات إلى أنه قد يصل إلى تريليون دولار بحلول عام 2030، وربما يتضاعف هذا الرقم عند التنفيذ الكامل لاتفاقية DEFA.
وإذا نظرنا إلى آسيان عن قرب، نجد أنها، مثل العديد من المناطق الأخرى، مزيج متنوع من الأعراق والأديان والأولويات السياسية والاقتصادية ومستويات التنمية. لكن عند النظر إليها بصورة أوسع، فإن ما تمثله وما تحققه والقيم التي تتمسك بها أمر لافت للإعجاب.
لقد ظلّت كل دولة من دولها ملتزمة بمبادئها الأساسية. وعلى مدى ما يقرب من 60 عامًا، عملت آسيان ككتلة اقتصادية وسياسية متماسكة وفعالة، ورغم اختلافاتها الكبيرة في الثقافة والنظم السياسية والمؤشرات الاجتماعية والاقتصادية، لم تنقسم إلى تكتلات متنافسة.
ومثل بقية العالم، واجهت الرابطة عامًا صعبًا في 2025، لكنها سجلت تقدمًا من خلال التمسك بمبادئها الأساسية والعمل بروح الشراكة. وتعكس النتائج الرئيسية لأحدث مؤشر للتعاون العالمي هذه الإنجازات الملموسة، إذ تُظهر أن التعاون، لا سيما داخل الأقاليم وبينها، في ازدياد.
ومن بين أبرز ما كشفه التقرير أن التعاون لا يزال مستمرًا، لكنه يتخذ أشكالًا جديدة مقارنة بالماضي. ويُعدّ نموذج DEFA في آسيان مثالًا على “تحالفات الاقتصادات الصغيرة”، وهو أحد ملامح هذا النمط الجديد من التعاون.
كما أشار التقرير إلى أن مجموعات من الدول باتت تدمج أهدافها؛ ففي آسيان مثلًا، تم الجمع بين أهداف إزالة الكربون وأهداف أمن الطاقة.
وفي عصر تتكاثر فيه التحديات الكبرى والمشتركة، يبيّن نهج آسيان أنه رغم حجم الاختلافات على المستوى الفردي، فإن العمل الجماعي القائم على شراكات قوية يمكن أن يحقق تقدمًا واسع النطاق وعميق الأثر.
