القائمة الرئيسية

سوداباس: الهوية الرقمية كركيزة لتعافي السودان وإعادة بناء مؤسساته

سوداباس: الهوية الرقمية كركيزة لتعافي السودان وإعادة بناء مؤسساته
ملخص المقال

تناقش هذه المقالة كيف يمكن لإطلاق نظام الهوية الرقمية الوطني في السودان “سوداباس” أن يشكّل حجر الأساس لتعافي الدولة وإعادة بناء مؤسساتها في ظل النزاع والنزوح الواسع، من خلال توحيد السجلات وتحسين استهداف الدعم وتعزيز الشفافية والشمول المالي، بما يساهم في بناء الثقة، دعم الاستقرار الإقليمي، وتمكين الانتقال من الإغاثة الطارئة إلى تنمية أكثر استدامة واقتصاد أكثر شمولاً.

يفتقر أكثر من 800 مليون شخص حول العالم إلى إثبات رسمي للهوية، وفقاً لبيانات برنامج “الهوية من أجل التنمية” التابع للبنك الدولي. ويمكن أن يحدّ ذلك من الوصول إلى الحماية الاجتماعية والخدمات المالية وحتى الحقوق الأساسية. وقد استطاعت دول مثل نيجيريا وإستونيا، التي أدخلت أنظمة هوية رقمية قوية، أن تستخدمها لتعزيز مؤسساتها وتوسيع الفرص أمام مواطنيها.

يستعد السودان حالياً لإطلاق “سوداباس”، وهي منصة وطنية موحّدة للهوية الرقمية أعلنت عنها وزارة الاتصالات والتحول الرقمي ضمن برنامج الحكومة الرقمية “بلدنا”. ويأتي هذا الإعلان في وقت يعمل فيه السودان على استعادة الخدمات وتعزيز مؤسساته وسط نزاع مستمر.

ويحتاج أكثر من 30 مليون شخص في السودان إلى مساعدات إنسانية، فيما نزح أكثر من 14 مليون شخص من إجمالي عدد السكان البالغ 51 مليون نسمة. إن حجم التنقل، وتعطل السجلات بسبب النزاع، وغياب بيانات سكانية محدثة منذ التعداد الوطني لعام 2008، كلها عوامل تحدّ من القدرة على التخطيط وتضعف تقديم الخدمات. وقد بات اضطراب البيانات السكانية يؤثر في كل قطاع، من التغطية الصحية إلى تخطيط التعليم والاستجابة للطوارئ.

كما أن عدم الاستقرار في السودان يمتد أثره إلى ما وراء حدوده. فالبلاد تحدّ سبع دول أخرى تؤثر مساراتها السياسية والاقتصادية في منطقة الساحل والقرن الأفريقي وشمال أفريقيا وغرب آسيا. ويملك السودان ثاني أطول ساحل على البحر الأحمر، ما يجعله ركناً أساسياً في أحد أكثر الممرات البحرية استراتيجية في العالم، والذي يمر عبره نحو 10% من التجارة البحرية العالمية. إضافة إلى ذلك، يمتلك السودان واحدة من أكبر الإمكانات غير المستغلة لتحقيق الأمن الغذائي بفضل أراضيه الزراعية الواسعة وأنظمته النهرية الممتدة.

إن إعادة إعمار السودان ستحدد ما إذا كان بإمكان المواطنين استعادة وصول موثوق إلى الخدمات وسبل العيش والحماية. كما ستؤثر في أنماط الهجرة، والممرات الإنسانية، وسلاسل إمداد الغذاء، والأوضاع الأمنية في القرن الأفريقي والساحل والبحر الأحمر. ويمكن لنظام هوية رقمية موثوق أن يسهم في تعزيز بناء السلام، ودعم تماسك الدولة، وإعادة قدر من الاستقرار إلى منطقة تلعب دوراً محورياً في الديناميكيات الاقتصادية والأمنية العالمية.

إعادة بناء قدرات الدولة

لا تستطيع الحكومات تخصيص الموارد أو تقديم الخدمات أو تصميم برامج الحماية الاجتماعية دون معرفة من يعيش وأين يعيش. وفي السودان، لا تزال السجلات مجزأة، وتستخدم الوزارات معرّفات مختلفة، كما تدير الجهات الإنسانية قواعد بيانات موازية نادراً ما تتكامل. ويجعل هذا التشتت من الصعب توجيه الدعم، وتخطيط الخدمات العامة، وتنسيق الميزانيات والاستجابة للأزمات خلال مرحلة التعافي. وقد دعمت الأنظمة الإنسانية جهود الإغاثة الطارئة، إلا أن مرحلة التعافي تتطلب تنسيقاً أقوى بين المؤسسات.

في المقابل، حققت الهند انخفاضاً كبيراً في تسرب تحويلات المنافع عبر برنامج “آدهار” للهوية الرقمية ومنصة التحويلات المباشرة. وأنشأت إستونيا واحدة من أكثر الإدارات العامة كفاءة في العالم من خلال ربط معظم خدماتها العامة بهوية رقمية آمنة. كما عززت نيجيريا الشمول المالي والرقابة التنظيمية عبر تسجيل أكثر من 100 مليون شخص ضمن رقم الهوية الوطني بدعم من البنك الدولي.

وقد أسهمت هذه الأنظمة في تحسين الشفافية، والحد من الاحتيال، وتعزيز هياكل الحوكمة. ويحتاج السودان في مرحلة إعادة الإعمار إلى أسس مماثلة من القوة، مصممة وفقاً لواقعه وأولوياته. فبدون بيانات دقيقة عن الهوية، سيظل من الصعب التخطيط للمدارس والمستشفيات والدعم المالي والانتخابات المستقبلية. كما سيدعم نظام حديث للهوية التعافي المالي للسودان، إذ يمكن للسجلات الموثوقة أن تساعد الحكومات على تخصيص الميزانيات بدقة أكبر وتعبئة الموارد المحلية بفعالية أعلى.

فتح آفاق الفرص الاقتصادية

يضم النظام الإنساني والتنموي في السودان مئات الجهات العاملة في مناطق مختلفة وبأنظمة متنوعة. ومع انتقال البلاد من الاستجابة الطارئة إلى التعافي، يمكن أن يؤدي التشتت إلى زيادة التكاليف وإبطاء التنسيق وتأخير الدعم. أما وجود نظام هوية رقمية موحد، فيمكن أن يوفّر رؤية مشتركة بين المؤسسات، ويساعد الجهات على التحقق من المستفيدين بكفاءة أكبر، ويقلل الحاجة إلى تسجيل متكرر للأشخاص، خاصة من المجتمعات النازحة.

ويمكن لبيانات الهوية الرقمية الآمنة أن تحسن دقة التسجيل وتعزز استمرارية المساعدات في حالات النزوح. كما قد يساعد نظام مشترك السلطات الوطنية على تصميم بنية للحماية الاجتماعية تمكّن من الانتقال التدريجي بالأسر من المساعدات الطارئة إلى برامج أكثر استقراراً. وعلى المدى الطويل، يمكن أن يدعم ذلك الحد من الفقر وإصلاح الدعم، بما يخلق شبكات أمان أكثر استقراراً.

وتشير قاعدة بيانات “غلوبال فيندكس” التابعة للبنك الدولي إلى أن امتلاك الحسابات المالية لا يزال منخفضاً في كثير من أنحاء المنطقة. ويحدّ اعتماد السودان على التمويل غير الرسمي من ريادة الأعمال وقدرة الأسر على الصمود. وتقلل الهوية الرقمية تكاليف انضمام العملاء للبنوك ومقدمي خدمات الأموال عبر الهاتف المحمول، وتساعد الجهات التنظيمية على تحسين الامتثال والرقابة، وتمكّن رواد الأعمال من تسجيل شركاتهم بسهولة أكبر، وتمنح الشباب سجلات رقمية موثقة لاستخدامها في التعليم والعمل. ويتحسن الشمول المالي عندما تصبح الهوية موثوقة وآمنة ومتاحة على نطاق واسع.

وقد عززت تجربة نيجيريا في استخدام رقم الهوية الوطني عبر شركات الاتصالات والبنوك وشركات التكنولوجيا المالية الشمول المالي وقللت من الاحتيال. ويمكن للنظام المالي السوداني أن يحقق مكاسب مماثلة عندما تصبح بيانات الهوية الرقمية موثوقة ومتاحة. كما يمكن للقطاع الخاص بناء خدمات رقمية آمنة فوق طبقة هوية موثوقة، بدءاً من المدفوعات عبر الهاتف المحمول وصولاً إلى التجارة الإلكترونية وحلول الزراعة.

دعم الثقة والشمول

تنجح أنظمة الهوية عندما تبني الحكومات الثقة من خلال الحوار، لا من خلال التكنولوجيا وحدها، مسترشدة بمبادئ الهوية من أجل التنمية المستدامة.

ويحتاج نظام السودان إلى تسجيل شامل يصل إلى الأسر النازحة، والمجتمعات الرعوية، والفئات غير الموثقة. كما يتطلب حوكمة قوية وضمانات قانونية لحماية البيانات، إلى جانب قابلية للتشغيل البيني بين الوزارات دون تجميع غير مقيد للبيانات. ويتطلب أيضاً تواصلاً شفافاً يوضح للمواطنين كيفية حماية حقوقهم.

وبالطبع، لا يمكن لنظام هوية رقمية أن يحل النزاع في السودان، ولا أن يحل محل التسوية السياسية أو الإصلاح المؤسسي. لكن من دون بنية تحتية حديثة للهوية، ستظل العديد من الإصلاحات المنشودة – مثل إصلاح الدعم، وشبكات الأمان الموجهة، واعتماد الأموال عبر الهاتف المحمول، وإدارة الرواتب العامة، وتعزيز العمليات الانتخابية – بعيدة المنال.

يقع السودان في قلب منظومات الغذاء العالمية، وديناميكيات الهجرة، وتجارة البحر الأحمر. إن إعادة بناء مؤسسات خاضعة للمساءلة وخدمات عامة مستقرة ستخدم المجتمعات السودانية أولاً، كما ستدعم الاستقرار الإقليمي الأوسع. ويوفر “سوداباس” أساساً لمؤسسات أكثر مساءلة، وخدمات عامة أكثر انتظاماً، واقتصاد أكثر شمولاً. ومع الحوكمة السليمة والحوار المستدام، يمكن لمنصة الهوية الرقمية أن تساعد السودان على بناء الثقة والقدرات التي يحتاجها لتحقيق تعافٍ طويل الأمد.

المصدر

الترجمات ذات الصلة

ترامب في دافوس 2026: «أمريكا عادت» — الاقتصاد، الطاقة، الهجرة… وغرينلاند دون قوة أتيتُ إلى منتدى الاقتصاد العالمي هذا العام ومعي أخبارٌ مذهلة حقًا من أمريكا. فقد صادف أمس الذكرى السنوية... المعايير الدولية: اللغة المشتركة لاقتصاد عالمي مُجزّأ وما يبرزه ذلك لا يخص الصين وحدها، بل يمثل تحدياً عالمياً. فمع سعي الاقتصادات إلى تنفيذ أجندات تحول متشابهة،... موانئ إيجابية للطبيعة والناس: رؤية جريئة جديدة لمستقبل منظومة الموانئ وتتسبب اضطرابات الموانئ المرتبطة بالمناخ حالياً في خسائر تتراوح بين 7 و10 مليارات دولار سنوياً للاقتصاد...

مقالات ذات صلة