- يُعدّ صون التراث الثقافي وسيلة للحفاظ على ثراء الحاضر الثقافي، وضمان انتقاله إلى الأجيال القادمة.
- وتضمّ اليابان مخزونًا كبيرًا ومتنوعًا من الأصول الثقافية يمتد عبر الفنون الجميلة والحرف والعمارة.
- وبالنسبة للمجتمعات حول العالم التي تواجه تحولات ديموغرافية ومخاطر مناخية مماثلة، فإن تعزيز حماية التراث الثقافي يمكن أن يؤدي دورًا محوريًا في بناء القدرة على الصمود.
غالبًا ما يُوصَف التراث الثقافي بأنه شاهد على هوية الأمم والمجتمعات وتاريخها. ويمكن أيضًا فهمه بوصفه شكلًا من أشكال “البنية التحتية العاطفية” للمجتمع، إذ يرسّخ الذاكرة الجماعية والقيم والاستمرارية. فالمباني التقليدية والأصول الثقافية تجسّد الذوق الجمالي والحِرفية في عصورها، وتحمل في طياتها المعرفة المتراكمة حول كيفية تكيّف المجتمعات مع المناخات المحلية والمواد والبيئات المختلفة. ومن ثمّ، فإن حماية التراث الثقافي تحافظ على غنى الحاضر الثقافي، وتضمن انتقاله إلى المستقبل.
تضمّ اليابان رصيدًا كبيرًا ومتنوعًا من الأصول الثقافية. فحتى عام 2024، يوجد في البلاد 13,499 كنزًا وطنيًا وممتلكًا ثقافيًا مهمًا، تشمل الفنون الجميلة والحِرف والعمارة، إضافة إلى 14,376 ممتلكًا ثقافيًا ماديًا مسجلًا، معظمها مبانٍ. وإذا أُخذت الأصول غير المصنفة في الاعتبار، فإن العدد الإجمالي يصبح هائلًا. ويتطلب الحفاظ على هذه الموارد إدارة مستمرة وأعمال صيانة دورية. غير أن التغيرات الديموغرافية، ونقص المهارات، وتزايد مخاطر الكوارث تجعل هذه المهمة أكثر تعقيدًا.
يُعدّ تناقص السكان وشيخوختهم في المناطق الريفية من أبرز التحديات. وتشير أبحاث المعهد الوطني للبحوث في الممتلكات الثقافية في نارا إلى أن عدد المباني التاريخية الواقعة في تجمعات يقل عدد سكانها عن 50 نسمة سيرتفع من 308 مبانٍ في عام 2020 إلى 952 مبنى بحلول عام 2045. ونظرًا إلى أن الهياكل التاريخية لا يمكن نقلها بسهولة، فإن تقلّص عدد السكان المحليين يجعل الصيانة الروتينية أكثر صعوبة، ويزيد من التعرض للمخاطر مثل الأضرار الناجمة عن الكوارث والسرقة.
وتفاقم قيود الموارد البشرية من هذه الضغوط. فبحسب وكالة الشؤون الثقافية، فإن نحو 70% من حاملي “تقنيات الحفظ المختارة” المعتمدة وطنيًا، والتي تحمي مهارات الترميم التقليدية، تبلغ أعمارهم 60 عامًا أو أكثر. كما أظهر استطلاع أجرته شركة ميتسوبيشي يو إف جي للأبحاث والاستشارات أن 61.5% من الحكومات المحلية تعتبر تراجع أعداد العاملين في مجال الحفظ التحدي الأكثر إلحاحًا، ما يعكس قلقًا متزايدًا بشأن نقل المهارات والقدرة المؤسسية.
وتضيف الكوارث الطبيعية المتكررة في اليابان طبقة أخرى من الهشاشة. فقد ألحق زلزال وتسونامي شرق اليابان الكبير عام 2011 أضرارًا بـ754 ممتلكًا ثقافيًا، ودُمّر العديد من الهياكل بالكامل. كما تسببت أحداث لاحقة، منها زلزال كوماموتو عام 2016 وزلزال شبه جزيرة نوتو عام 2024، في انهيارات كبيرة للجدران الحجرية في مواقع تاريخية، من بينها قلعة كوماموتو وقلعة كانازاوا. وتؤدي الفيضانات الناتجة عن التسونامي والأمطار الغزيرة إلى إتلاف المباني وتسريع نمو العفن، ما يهدد الأصول الثقافية وصحة العاملين في جهود الإنقاذ والتعافي.
توسيع استجابات الحكومة والمجتمعات المحلية
استجابةً لذلك، تعمل اليابان على تعزيز حماية التراث الثقافي من خلال تنسيق الجهود بين الحكومة الوطنية والحكومات المحلية والمجتمعات. ومن أبرز المؤشرات على ذلك زيادة الاستثمار العام. فقد ارتفعت ميزانية وكالة الشؤون الثقافية إلى نحو 44.7 مليار ين (290 مليون دولار في 2023)، ثم تضاعفت إلى 106.2 مليارات ين (689 مليون دولار) في 2024، مع تركيز قوي على الحفظ والترميم والوقاية من الكوارث. كما يعكس طلب ميزانية بنحو 140 مليار ين (908.3 ملايين دولار) لعام 2025 التزامًا سياسيًا بتعزيز الحفظ والاستخدام المستدام.
وفي عام 2025، اتخذت وكالة الشؤون الثقافية خطوة مهمة بإدخال أهداف كمية للوقاية من الكوارث في المواقع التاريخية والأماكن ذات المناظر الخلابة المصنفة وطنيًا للمرة الأولى. وبموجب هذه الخطة، سيتم تدعيم نحو 250 منحدرًا عالي الخطورة بحلول السنة المالية 2030، كما ستُستكمل التقييمات الزلزالية وإجراءات الحفظ لنحو 100 جدار حجري في المواقع التاريخية بحلول عام 2045، في إشارة إلى نهج أكثر استباقية وقابلية للقياس لحماية التراث الثقافي من المخاطر المتزايدة.
كما تدعم الإصلاحات المؤسسية نهجًا أكثر تكاملًا على مستوى المجتمع. فقد أُدخلت تعديلات عام 2018 على قانون حماية الممتلكات الثقافية، وأنشأت أطرًا تربط بين الحفاظ على التراث والتنمية المحلية، وتمكّن من الإشراف الجماعي، بما في ذلك على الأصول غير المصنفة. وحتى مارس 2025، حصلت 45 محافظة و194 بلدية على اعتماد وطني ضمن هذه الأطر، ما يتيح لها الاستفادة من تدابير خاصة وصلاحيات مفوضة.
ويبقى إشراك المجتمع عنصرًا محوريًا. فعلى سبيل المثال، يعمل مركز نارا ماتشيزوكوري على تطوير مبادرات لإنشاء قواعد بيانات لحماية ورعاية المناظر الطبيعية الإقليمية، ويجري بحوثًا حول المشاهد الحضرية وينظم ندوات. وبالتعاون مع الطلاب والسكان المحليين، يدعم المركز أنشطة ثقافية وتعاونية مستمدة من الطابع التاريخي للمدن، ما يبرز كيف يمكن للحفاظ على التراث أن يعزز الهوية المحلية والمشاركة المجتمعية.
كيف توظّف اليابان الأدوات الرقمية والذكاء الاصطناعي؟
إلى جانب الجهود المؤسسية والمجتمعية، تلعب التقنيات الرقمية دورًا متزايد الأهمية. فمبادرات الأرشفة الرقمية تساعد في حماية الأصول الثقافية المتفرقة، فيما يسهم الكشف عن التدهور باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في تحسين الاكتشاف المبكر للأضرار. وتتيح هذه الأدوات توسيع نطاق الاستفادة من الخبرات المحدودة، وتدعم الانتقال من الترميم التفاعلي إلى الحفظ الوقائي.
كما بدأت تطبيقات متقدمة أخرى، مثل تقنيات “التوأم الرقمي”، في الظهور. فمن خلال إعادة إنشاء الهياكل الداخلية للأصول الثقافية، يمكن للتوائم الرقمية تعزيز دقة الترميم وإعادة البناء. وبين عامي 2023 و2024، تعاون معبد إيهييجي في محافظة فوكوي مع شركة شيميزو لإنشاء توائم رقمية لـ19 مبنى، من بينها القاعة الرئيسية المصنفة “ممتلكًا ثقافيًا مهمًا”، ما يبرز إمكانات التكنولوجيا في تكاملها مع الخبرة التقليدية.
التراث الثقافي ركيزة للقدرة على الصمود
مع استمرار تطور الظروف الديموغرافية والبيئية، يتطلب الحفاظ على التراث الثقافي نهجًا جديدًا. وتُظهر تجربة اليابان كيف يمكن لتطوير السياسات، وإشراك المجتمع، وتبنّي التكنولوجيا بصورة مستهدفة أن تعزز جهود الحماية في ظل القيود المتزايدة. فالحفاظ على التراث الثقافي ليس مجرد مسألة سياسة ثقافية، بل يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالاستدامة الإقليمية، والقدرة على مواجهة الكوارث، والتماسك الاجتماعي. وتقدم النماذج التعاونية التي تجمع بين الحكومة والقطاع الخاص والمجتمعات والتكنولوجيا حول قيم ثقافية مشتركة دروسًا تتجاوز اليابان. وبالنسبة للمجتمعات حول العالم التي تواجه تحولات ديموغرافية ومخاطر مناخية مماثلة، فإن تعزيز حماية التراث الثقافي يمكن أن يؤدي دورًا حاسمًا في بناء مستقبل أكثر صمودًا وشمولًا.
