القائمة الرئيسية

الهند في دافوس 2026: لم يعد النمو هو السؤال

الهند في دافوس 2026: لم يعد النمو هو السؤال
ملخص المقال

تناقش هذه المقالة كيف انتقل النقاش حول الهند في دافوس 2026 من مسألة ما إذا كانت ستصبح ثالث أكبر اقتصاد في العالم إلى كيفية تحويل هذا النمو المتوقع إلى وظائف ذات جودة، وارتفاع في نصيب الفرد من الدخل، وزيادة في الإنتاجية والاستدامة، مع التركيز على الإصلاحات الهيكلية، وتنمية المهارات، ونشر التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، والاستثمار في الصحة والبنية التحتية، وبناء قدرة أكبر على الصمود في ظل اقتصاد عالمي يتجه نحو مزيد من التجزؤ.

وصلت الهند إلى دافوس هذا العام والسؤال المعتاد مطروح على الطاولة: هل يمكنها أن تصبح ثالث أكبر اقتصاد في العالم؟

لكن مع التوقعات الواسعة بأن تحتل هذا المركز خلال السنوات القليلة المقبلة، تحوّل النقاش في دافوس 2026 من “هل سيحدث ذلك؟” إلى “كيف يمكن لهذا النمو أن يترجم إلى دخول أعلى وإنتاجية أكبر ووظائف مستدامة؟”.

جاء هذا التفاؤل في ظل رفع صندوق النقد الدولي توقعاته لنمو الهند في السنة المالية المقبلة إلى أكثر من 7%، مشيراً إلى الزخم القوي الذي تتمتع به البلاد، ومؤكداً مكانتها كأحد محركات النمو الرئيسية في العالم، حتى في وقت يتباطأ فيه النمو العالمي وتستمر فيه حالة عدم اليقين بشأن التجارة والجغرافيا السياسية.

على منصة دافوس، جاء الإجماع سريعاً. قال وزير الاتحاد الهندي أشويني فايشناو: “ستصبح الهند ثالث أكبر اقتصاد في العالم خلال السنوات القليلة المقبلة، هذا أمر مؤكد”. ووافقت جيتا جوبيناث على ذلك قائلة: “دون شك، ستصبح الهند ثالث أكبر اقتصاد في العالم”، مشيرة إلى التوقعات التي تضع هذا الإنجاز حوالي عام 2028.

لكن ما تلا ذلك كان نقاشاً أعمق: ما الذي سيحدد ما إذا كان هذا النمو سيتحول إلى وظائف، وارتفاع في الدخول، وقدرة طويلة الأمد على الصمود؟

الترتيب ليس هو التحدي

سارعت جيتا جوبيناث، أستاذة الاقتصاد، إلى إعادة توجيه النقاش. وقالت: “التحدي أمام الهند لا يتعلق بأن تصبح ثالث أكبر اقتصاد في العالم، بل برفع نصيب الفرد من الدخل إلى مستويات أعلى”.

من جانب السياسات، وصف أشويني فايشناو العقد الماضي بأنه عقد التنفيذ الفعلي. وأشار إلى أربعة أعمدة ترتكز عليها مسيرة النمو: الاستثمار العام في البنية التحتية المادية والرقمية والاجتماعية؛ النمو الشامل؛ التصنيع والابتكار؛ والتبسيط.

وقال: “لقد أزلنا 1600 قانون قديم وأكثر من 35 ألف متطلب إداري”، في إطار جهود واسعة لتحديث الأطر القانونية والإجرائية. وأضاف: “نحاول في كل قطاع تقريباً إرساء إطار قانوني أو إجرائي جديد مبني على البنية التكنولوجية التي طورناها”.

ورغم إشادتها بالإصلاحات وبناء البنية التحتية، أشارت جوبيناث إلى قيود هيكلية أعمق، مثل صعوبة حيازة الأراضي، ومشكلات تسجيل الملكيات، والحاجة إلى إصلاحات قضائية. واعتبرت أن استدامة النمو ستعتمد على ما إذا كانت الإصلاحات ستؤدي فعلاً إلى زيادة الإنتاجية ورفع الدخول، خاصة مع سعي الهند للاستفادة الكاملة من إمكاناتها الديموغرافية.

الوظائف – ونوعيتها – عامل حاسم

عاد النقاش مراراً إلى مسألة التوظيف، ليس فقط من حيث عدد الوظائف، بل أيضاً من حيث جودتها ومستوى الأجور.

قال ساليل إس. باريخ، الرئيس التنفيذي لشركة إنفوسيس، إن صناعة التكنولوجيا في الهند توظف نحو ستة ملايين شخص، ومع احتساب الأنشطة المرتبطة بها يستفيد ما بين 30 إلى 40 مليون شخص من أجور وظائف التكنولوجيا، وهي الأجور التي تُعد، في السياق الهندي، تعريفاً للطبقة الوسطى.

وأوضح أن هذه الأجور تنعكس على التعليم والاستهلاك والرعاية الصحية، مشيراً إلى أهمية خلق مزيد من الوظائف المماثلة في قطاعات مثل الصناعات الدوائية، وصادرات الإلكترونيات، والسلع الاستهلاكية.

من منظور اقتصادي كلي، وصفت جوبيناث التحدي بشكل أكثر وضوحاً: “هناك فجوة بين الوظائف التي يمكن خلقها ومهارات القوى العاملة في الهند”. وأشارت إلى أن نحو 30% فقط من نمو الهند جاء من العمل، ما يعكس طابعاً كثيف رأس المال للاقتصاد. ودعت إلى مزيد من المرونة في سوق العمل واستثمارات مستمرة في رأس المال البشري.

من جهته، أكد فايشناو أن خلق الوظائف هو جهد مشترك بين الحكومة المركزية والولايات، مشيراً إلى إصلاحات جارية في ولايات مثل ماهاراشترا وأندرا براديش وأوديشا، أصبحت نماذج يُحتذى بها. كما أشار إلى إصلاحات العمل وتبسيط ضريبة السلع والخدمات وفتح قطاعات مثل الطاقة النووية أمام مشاركة القطاع الخاص.

نشر التكنولوجيا

عند الانتقال إلى موضوع التكنولوجيا، اعتبر المتحدثون أن البنية التحتية هي العامل الحاسم في اقتصاد كبير ومتنوع كالهند. وتحدث ناندان نيليكاني عن البنية التحتية الرقمية العامة التي ربطت الهوية بالحسابات المصرفية وأنظمة الدفع.

وأوضح أن حصول المواطن على هوية رقمية يتيح له فتح حساب مصرفي والحصول على اتصال هاتفي واستخدام نظام المدفوعات الفورية لتلقي المدفوعات. ويمكن استخدام البيانات الناتجة للحصول على قروض وتنمية الأعمال، واصفاً ذلك بأنه “سلم للفرص” يسمح بانتقال الأنشطة غير الرسمية إلى الاقتصاد الرسمي وتوسيعها.

وفي ما يتعلق بالذكاء الاصطناعي، رأى فايشناو أن العائد على الاستثمار لا يأتي من بناء أكبر النماذج، بل من نشر أدوات فعالة من حيث التكلفة على نطاق واسع. وقال إن 95% من الأعمال يمكن أن تتم بنماذج تحتوي على 20 أو 50 مليار معلمة، مؤكداً أن التركيز ينصب على تعميم استخدام الذكاء الاصطناعي عبر القطاعات.

لكن جوبيناث حذرت من أن الذكاء الاصطناعي سيعيد تشكيل أسواق العمل، بما في ذلك قطاعات الخدمات التي تتمتع فيها الهند بقوة تقليدية، مثل مراكز الاتصال وخدمات التعهيد، ما قد يؤثر على خلق الوظائف إذا أصبحت الخدمات أيضاً كثيفة رأس المال.

قدرة البشر كبنية تحتية للنمو

برزت مسألة قدرة الأنظمة الداعمة للأفراد – من الصحة إلى جودة المعيشة – كعامل حاسم في مسار النمو.

أشارت جوبيناث إلى أن التلوث يشكل تحدياً اقتصادياً كبيراً، معتبرة أن تكلفته “أكثر تأثيراً من أي رسوم جمركية”. ولفتت إلى تقديرات تشير إلى فقدان نحو 1.7 مليون شخص حياتهم سنوياً في الهند بسبب التلوث، مع ما لذلك من آثار على الإنتاجية والصحة العامة وجاذبية الاستثمار.

وفي جلسة حول الرعاية الصحية، اعتبرت سونيتا ريدي من مستشفيات أبولو أن البنية التحتية الصحية ليست عبئاً مالياً، بل استثمار اقتصادي. وأوضحت أن 80% من الهنود كانوا يسافرون سابقاً إلى الخارج لتلقي العلاج، ما أدى أيضاً إلى هجرة الكفاءات. ومع توسع استثمارات القطاع الخاص، بدأت الهند في استعادة هذه الكفاءات، لكن الحاجة إلى استثمارات إضافية لا تزال كبيرة، لما لها من عوائد اقتصادية إلى جانب تحسين النتائج الصحية.

الصمود في اقتصاد عالمي متشظٍ

في ما يتعلق بالتجارة والجغرافيا السياسية، اتسم النقاش بالواقعية. أشار فايشناو إلى أن الصادرات الهندية ارتفعت رغم الرسوم الجمركية، خاصة في قطاع الإلكترونيات، وأن الهند تسعى إلى تنويع شراكاتها وتعميق مشاركتها في سلاسل القيمة العالمية، ليس فقط في التصنيع بل أيضاً في التصميم وفهم احتياجات العملاء.

أما جوبيناث، فرأت أن العالم قد ابتعد بشكل دائم عن النظام الاقتصادي العالمي السابق، وأن اعتبارات الأمن القومي والاقتصادي أصبحت تؤثر بقوة في السياسات التجارية والصناعية.

من جانبه، اعتبر سونيل بهارتي ميتال أن قوة الهند تكمن في حجم سوقها – 1.5 مليار مستهلك شاب وطموح – إلى جانب الاستثمار طويل الأمد في البنية التحتية المادية والرقمية، ما يوفر قاعدة دعم للنمو الصناعي والتجاري في عالم أكثر تجزؤاً.

وهكذا، لم يعد السؤال في دافوس 2026 ما إذا كانت الهند ستصبح ثالث أكبر اقتصاد في العالم، بل كيف ستضمن أن هذا النمو يرفع دخول الأفراد، ويخلق وظائف ذات جودة، ويعزز قدرتها على الصمود في عالم سريع التحول.

المصدر

مقالات ذات صلة