يدّعي شِرمان بلول، وهو ناشل متقاعد طور من مهاراته في شوارع نيويورك في الثمانينيات، سرقته لما يصل إلى 5000 دولار شهريًا في ذروة حياته المهنية (ما يقدر بـ 12000 دولار في يومنا الحاضر، مع مراعاة التضخم). ولكن على مر السنين، بدأ دخله في الانخفاض ولقد قال لي: “منذ بداية عام 2000م، بدأ الأشخاص بحمل نقود أقل، ولم تعد المهنة كما كانت في السابق”. وبحلول عام 2010م، أفادت صحيفة نيويورك ديلي نيوز أن في هذا العام لم يتبق سوى 40 “نشالًا محترفًا” في أنحاء مانهاتن جميعها، وأن اللصوص الصغار لم يعودوا يتعلمون من اللصوص السابقين، كما جرت العادة في السابق، وأن بيع المخدرات كان مربحًا أكثر. قال أحد رجال الشرطة للصحيفة: “لا نرى نشالين صغار اليوم، ستموت هذه المهنة”.
إلا أنها لم تمت، وارتفع معدل النشل الآن في العديد من المدن الأمريكية، ومن بينها سان فرانسيسكو (حيث أبلغ نظام العبور السريع، موني، عن ارتفاع في العام الماضي) وشيكاغو (حيث قدم رجال الشرطة في عام 2018م أكثر من 2100 تقرير نَشل، أي زيادة بنسبة 13% عن عام 2017م)، وإنديانابوليس (انظر مقالًا صحفيًّا بعنوان: “اللصوص يسرقون 2700 دولار من جيب شخص في قسم الأغذية المجمدة في كروغر”).
وفي مانهاتن، حيث ارتفعت عمليات السرقة العابرة في السنة الماضية بنسبة ١٥%، تُلقي الشرطة اللوم على النشالين القادمين من أميركا اللاتينية. كانت المهنة مليئة بالرجال متوسطي العمر بأصابع خفيفة وسجل إجرامي، ولكن النشالين الجدد، والذين يصفون أنفسهم بأنهم “عصابات عباقرة”، شباب يافعون يعتمدون على التعاون أكثر مما يعتمدون على البراعة والخفة اليدوية. وتحقيقًا لهذه الغاية، يعتمدون على خطط كلاسيكية مثل “الشطيرة”، حيث يحيطون بالضحية على السلالم الكهربائية مع وضع “حاجز”، أيْ الشخص الذي يقف في الأمام، وعندما يتوقف النشال الأول الذي في الأمام فجأةً يصطدم النشال الثاني بالضحية من الخلف، ويرفع محفظته ويمررها إلى شريكه.
ويشير بوب أرنو، وهو خبير أمني أصدر تعليماته إلى وكالات مكافحة التجسس التابعة لمنظمة حلف الناتو وفرق القوات الخاصة البحرية الأمريكية بشأن ما يسميه “سرقة الإلهاء”، إلى بعض الأسباب التي قد تدعو إلى استمرار هذه الجريمة. أولًا، على الرغم من أن خوارزميات البنوك المضادة للسرقة جعلت بطاقات الائتمانِ المسروقة أقل ربحية مما كانت عليه في السابق، إلا أن البطاقات المصرفية من الممكن أن تحقق أرباحًا هائلة إذا خطط اللص سابقًا. ويقول أرنو إن غالبية النشالين اللطفاء يعرفون كيفية “اختلاس النظر” (يأخذون نظرة خاطفة فوق كتف الشخص الذي يستخدم جهازِ الصرف الآلي) أو يستخدمون منظارًا ثنائيًا لتحديد الرمز السري للبطاقة عن بعد. ثانيًا، يحمل الأشخاص نقودًا أكثر مما قد تظن – حيث ما زالت النقود الورقية الطريقة الأكثر شُيوعًا للدفع في الولايات المتحدة الأمريكية.
وأخيرًا، قد تصبح السرقة أكثر سهولة في عصرنا الرقمي. يُفضل اللصوص اليوم سرقة الهواتف الذكية على المحفظات، وحتى “الآيفون” المعطل يمكن أن يُباع بـ 200 دولار في السوقِ السوداء (تُعد الشاشات الجديدة جزءًا مرغوبًا بشكلٍ خاص). ويقول أرنو بأن سرقة الهواتف من جيوب البنطلون “عملية سهلة جدًا”. والهواتف غير الموضوعة في الجيوب قد تسهل مهمة اللصوص إذ تترك الضحايا أقل اهتمامًا بمحفظاتهم ومحيطهم، ويقول إيرل ميلر، أستاذ علم الأعصاب في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا: “يوفر العالم عددًا كبيرًا من عوامل التشتيت؛ مما أدى إلى أدمغة أحادية التفكير. حتى التحدث عبر الهاتف يمكن أن يستهلك كل قدراتنا المعرفية، تاركًا القليل من الوعي أو عدم الوعي بأي شيء آخر”.
وبعبارةٍ أخرى، يمثل الشخص الذي يقوم بعدة مهام في الآن ذاته هدفًا سهلًا. يقول ميلر: “لدينا عقل متعطش للمعلومات،” إلا أننا منغمسون في بيئةٍ “توفر معلومات أكثر من اللازم”. ويضيف قائلًا: “نعيش في عالمٍ يعمل لصالح سارقي الجيوب”.
