القائمة الرئيسية

إدارة الروبوتات التي تدير الأعمال

إدارة الروبوتات التي تدير الأعمال
ملخص المقال

يستعرض المقال رؤية تيم أوريلي لمستقبل الإدارة في ظل التكنولوجيا الحديثة، موضحًا أن الإدارة لم تعد تقتصر على تنظيم البشر وإنتاج السلع كما في القرن العشرين، بل تحولت إلى إدارة البرمجيات والأنظمة الرقمية التي تؤدي الأعمال نفسها، مع دور الإنسان في الإشراف والتوجيه وتصميم التجارب والخدمات. في شركات مثل غوغل وأمازون وفيسبوك أو أوبر، تعتبر الخوارزميات والبرمجيات بمثابة "عمال" يتلقى المديرون البشريون تغذية راجعة مستمرة لتحسين أدائها، بينما يسهم البشر في وضع قواعد هذه الأنظمة وتصميم المنتجات. يركز المقال على أهمية امتلاك المديرين لمهارات تصميم المنتجات والخدمات، وخلق وإدارة الموارد الإلكترونية، واستخدام التقنية لتعزيز قدرات العاملين بدل استبدالهم، بحيث يصبح التحدي الإداري الرئيس في المستقبل هو استخراج أفضل ما في البشر والآلات معًا لتحقيق قيمة أكبر وتجارب مبتكرة للعملاء.

تيم أوريلي

تنبيه المحرر: هذه المقالة واحدة من سلسلة خاصة مؤلفة من أربع عشرة مقالة بتكليف من “سلون مانجمنت ريفيو”، نُشرت احتفاءً بإطلاق مبادرة “الحدود الجديدة”. كل مقالة تشتمل على جواب كاتبها عن السؤال التالي:

«كيف ستغيّر التقنية، خلال الأعوام الخمسة المقبلة، ممارسة الإدارة على نحو لم نشهده بعد؟».

قال كاتب الخيال العلمي وليم غيبسون يومًا: «المستقبل قد حلّ فعلًا، لكنه لم يتوزع بالتساوي بعد». ليس عليك أن تنتظر خمسة أعوام لترى كيف ستغير التقنية ممارسة الإدارة، بل يكفيك أن تدرس الشركات التي تعيش اليوم في المستقبل الذي ما يزال ينتظر سائر الناس خلف الزاوية.

وعليك أيضًا أن تعيد تأطير نظرتك، فلا يحجب بصرك ما تعرفه سلفًا. تأمل شركات مثل غوغل وفيسبوك وأمازون أو غيرها من مبتكرات وادي السيليكون، توظف هذه الشركات عشرات الآلاف من العمال. فإن نظرت بعقلية مصنع القرن العشرين، ظننت أن هؤلاء العمال يقضون أيامهم في إنتاج السلع كما كان يفعل أسلافهم الصناعيون، غير أنهم اليوم ينتجون البرمجيات بدلًا من السلع المادية. أما إن نظرت بعقلية القرن الحادي والعشرين، فقد أدركت أن قسطًا عظيمًا من أعمال هذه الشركات -مثل تقديم نتائج البحث والأخبار والمعلومات وتحديثات الشبكات الاجتماعية والمنتجات المقترحة للشراء- تؤديه برامج حاسوبية وخوارزميات. فهذه البرامج هي العمال، ومطورو البرمجيات من البشر هم مديروهم.

في كل يوم، يتلقى هؤلاء “المديرون” تغذية راجعة عن أداء عمالهم الإلكترونيين مَقيسة ببيانات السوق اللحظية ويقدمون لهم مراجعات وتعديلات طفيفة على برامجهم وخوارزمياتهم. وللمديرين البشريين أيضًا من يشرف عليهم، غير أن الهرمية غالبًا ما تكون مسطحة، وتتوحد مستويات الإدارة المختلفة حول مجموعة من “الأهداف والنتائج الرئيسة” المستندة إلى البيانات، إذ يمكن حتى للعمال الإلكترونيين أن يهتدوا بها.

وإن لم تكن فكرتك عن الإدارة قد اتسعت بعد، فتأمل أن الخوارزميات ذاتها قد تكون أحيانًا هي التي تدير للبشر. فانظر إلى شركتي أوبر وليفت مقارنةً بخدمات سيارات الأجرة التقليدية؛ فالمركبات تُوزع اليوم لا بأمر من إنسان، بل ببرنامج “إدارة” يجمع طلبات الركاب في الزمن الفعلي ويوجهها إلى أقرب السائقين المتاحين. ولا يزال البشر في الحلقة، عمالًا يقدمون الخدمة فعليًّا، ومديرين يضعون قواعد الخوارزميات ويختبرون صلاحها ويعدلونها عند الحاجة. ولا يُستدعى المديرون البشريون للتعامل المباشر مع السائقين إلا في حالات نادرة.

ورغم أن هذه العملية لا تزال في بدايتها، يمكن القول إن الوظيفة الجوهرية للإدارة قد انتقلت من إدارة الأعمال إلى إدارة الآلات التي تدير الأعمال.

ومن لوازم هذه الرؤية:

• كان المبرمج في مؤسسات القرن العشرين عاملًا ينفذ المواصفات، لا يختلف عن عامل الورشة الذي يركب منتجًا محددًا سلفًا. أما مطور البرمجيات في القرن الحادي والعشرين، فهو منخرط بعمق في تصميم المنتج وتطويره التكراري المتمحور حول الزبون. وللبرامج الكبرى، يكون العمل جماعيًّا، والقيادة تعني تنظيم رؤية إبداعية مشتركة. لم تعد التقنية وظيفة خلفية، بل أضحت في صميم القدرة الإدارية للمؤسسة كلها. والشركات التي يكون رؤساؤها التنفيذيون هم أيضًا كبار مصممي المنتجات (مثل لاري بايج من ألفابت، وجيف بيزوس من أمازون، أو أبل في عهد ستيف جوبز) تتفوق على تلك التي يفتقر قادتها إلى القدرة على قيادة العمال من البشر والإلكترون معًا.

• في مؤسسات القرن العشرين، كان النفوذ يُكتسب بالحصول على ميزانية لتوظيف مزيد من العمال. أما في مؤسسات القرن الحادي والعشرين، فالكفاءة تُنال بالقدرة على خلق مزيد من العمال، من نمط القرن الحادي والعشرين. وحتى في الوظائف التي لا تعد “برمجية”، فإن القدرة على خلق الموارد الإلكترونية وتسييرها مفتاح للترقي؛ فمندوب المبيعات الذي يكتب برنامجًا لجمع العملاء المحتملين من لينكدإن يتفوق على من يفعل ذلك يدويًّا. والمسوق القادر على بناء استطلاع إلكتروني أو تطبيق لجمع البيانات يسبق من يحتاج إلى الاستعانة بشركة خارجية. والمصمم/المطور الذي يستطيع بناء نموذج أولي عامل لتطبيق، أرفع قيمة ممن لا يقدر إلا على رسم صورة.

• على المديرين أن يصيروا مصممي منتجات وتجارب، منخرطين بعمق مع العملاء واحتياجاتهم، يبتكرون خدمات تبدأ بوعد جذاب وتتحسن مع كثرة الاستخدام عبر مسار “البناء-القياس-التعلم”. فخدمة مثل أوبر قائمة على إعادة نظر جذرية في سير العمل الأساسي للنقل عند الطلب (ما كان يسمى “سيارات الأجرة”) على ضوء ما أتاحته التقنية اليوم. فمن كان يتصور قبل أوبر أن الراكب يستطيع استدعاء مركبة إلى مكان محدد ويعلم متى ستصل؟ غير أن هذه القدرة كانت كامنة في الهواتف الذكية منذ البداية.

• إن للمعرفة مسارًا تصير فيه الخبرة متجسدة في المنتجات، فيُرقّى العاملون لا بالتدريب فحسب، بل أيضًا بمعاونات البرمجيات التي تمكنهم من أداء أعمال لم يكونوا مؤهلين لها من قبل. فإن امتحان “المعرفة”، وهو الامتحان الأسطوري الذي ينبغي لسائقي سيارات الأجرة في لندن اجتيازه، يتطلب سنين من الدراسة، ومع ذلك، فبمساعدة تطبيقات: “ويز” و”خرائط غوغل” و”أوبر” أو “ليفت”، يكاد أي إنسان يصير سائقًا بالأجرة، حتى في مدينة غريبة، وإن الخوف من أن تستبدل التقنية العاملين كثير، غير أنه فيما أسميه “شركات الاقتصاد القادم”، تُستعمل التقنية لخلق فرص جديدة بتقوية العاملين. ونحن في مبتدأ التحول من اقتصاد يهيمن عليه العامل البشري إلى اقتصاد يهيمن عليه العامل الإلكتروني. وإن التحدي الإداري الأعظم في العقود المقبلة سيكون في فهم كيفية استخراج أفضل ما في البشر والآلات معًا، وفهم دقائق من يدير من.

وقد نُشر هذا المقال أول مرة في الحادي والثلاثين من أيار عام ألفين وستة عشر، وقد حُدّث ليعكس التعديلات التي أُجريت عليه لإدراجه في عددنا المطبوع لخريف عام ألفين وستة عشر.

مقالات ذات صلة