مايكل جيبرت ومارتن هوغل
قد تبدو المنتجات والأسواق التي لا يجمعها أي قاسم تصنيفي مشترك غير مترابطة، لكنها قد تتشارك في تشابه موضوعي يفتح آفاقًا واسعة لفرص تجارية واعدة.
فما الذي يجمع بين “إنتل” و”مكافي”؟ أو بين “إيباي” و”سكايب”؟ أو بين تقنية التعرف إلى الصوت ونظام تحديد المواقع؟ أو بين “لويس فويتون” ومشروع المناخ الذي يقوده “آل غور”؟ وبعبارة أعم، متى يكون الشيئان (كالشركات أو المنتجات أو الموارد) متشابهين، ومتى لا يكونان كذلك؟ والأهم من ذلك، كيف تؤثر هذه التشابهات والاختلافات؟ إن على القادة والإداريين أن يحيطوا علمًا بهذه الأسئلة، وإلا فإنهم يعرضون أنفسهم لخطر إغفال فرص عظيمة وتهديدات جسيمة.
إن الفهم التقليدي للتشابه عند المديرين، سواء أكان صريحًا أم ضمنيًّا، هو فهم تصنيفي، فببساطة، درجة التشابه، كما تقاس تقليديًّا، تتوقف على مدى اشتراك الشيئين في الخصائص نفسها، فالحواسيب الشخصية، على سبيل المثال، جميعها تشتمل على أقراص صلبة ومعالجات وشاشات عرض. ويقوم التشابه التصنيفي مقام الأساس في أطر الإدارة الرئيسة، مثل: القرابة الاستراتيجية، ونظام التصنيف الصناعي القياسي، وتعريف حدود الصناعة وقواها، والتصنيف الدولي للبراءات. فمثلًا، تشتمل الفئة F02 في التصنيف الدولي للبراءات (محركات الاحتراق) على المحركات الترددية ذات الاحتراق الداخلي، ومحطات التوربينات الغازية، ومحطات الدفع النفاث، وما إلى ذلك.
فما الذي يجمع بين “إنتل” و”مكافي” إذًا؟ بحسب تعليقات “خبراء الصناعة” حين استحوذت “إنتل” -وهي شركة تصنع رقائق الحاسوب- على “مكافي” -وهي شركة متخصصة في برمجيات الأمن- في أواخر أغسطس 2010م، فإن الجواب: لا يكاد يوجد شيء يجمعهما، فـ “إنتل” تصنع الأجهزة -وخاصة الرقائق- بينما “مكافي” تنتج برامج مكافحة الفيروسات، ويبدو أنهما تنتميان إلى فئتين مختلفتين تمامًا، أي غير متشابهتين. لقد كان هذا الاستحواذ (الذي بلغت قيمته 7.7 مليارات دولار) هو الأكبر في تاريخ “إنتل”. ووفقًا لصحيفة “فاينانشيال تايمز”، فقد حيَّر استحواذ “إنتل” على شركة تختلف عنها اختلافًا كبيرًا كثيرًا من التنفيذيين في مجال الأمن. وبينما يأمل الخبراء أن تتحسن الرقائق لتصبح قادرة على مقاومة الهجمات الخبيثة، فإن تحقق ذلك ما يزال بعيد المنال.
غير أنه، وإن بدا أن “إنتل” و”مكافي” غير مرتبطتين من حيث التصنيف التقليدي، فقد أشار باحثون في علم النفس المعرفي مؤخرًا إلى وجود نوع ثانٍ من التشابه، يُسمى التشابه الموضوعي، وفي هذا السياق يبدو الرابط بين “إنتل” و”مكافي” مغايرًا. ومن المهم لنا في الإدارة أن نعلم أن المفاهيم المتشابهة موضوعيًّا تميل لأن تكون مختلفة تصنيفيًّا، فإذا أدركنا التشابه الموضوعي، أمكننا توسيع الإدراك الإداري إلى مجالات تُعد تصنيفيًّا غير ذات صلة أو حتى مضرة. وقد توجد حالات تستطيع فيها شركات متباينة تصنيفيًّا أن تتحِد لتفتح فرصًا جذابة للغاية، رغم أنها تبدو، بِناءً على مواردها وشبكات توريدها ونظم توزيعها، غير متوافقة استراتيجيًّا.
والحق أن “إنتل” و”مكافي” متشابهتان موضوعيًّا على نحو لافت، فبحسب “إنتل”، فإن استحواذها على “مكافي” سيعزز استراتيجيتها في مجال الاتصالات اللاسلكية المحمولة، حيث بدأت في إنتاج رقائق للهواتف الذكية. وعلاوة على الهواتف الذكية، فإن الأمن صار متطلبًا أساسيًّا مع اتصال الأجهزة الجديدة -من الحواسيب اللوحية والهواتف إلى أجهزة التلفاز والثلاجات- بالإنترنت، ومن ثَم، فإن هذا الاستحواذ سيجعل من “إنتل”، أكبر صانع للرقائق في العالم، رائدًا في مجال الأمن، ويوسع نطاق عملها ليشمل الأجهزة المتصلة بالإنترنت.
أنواع التشابه
إن قضية “إنتل/ مكافي” تبرهن أن التشابه ليس مسألة درجة فحسب (أي: ما مدى التشابه بين شيئين)، بل هو أيضًا مسألة نوع (أي: كيف يتشابه الشيئان). فهما متشابهان موضوعيًّا إذا تفاعلا وظيفيًّا في سياق واحد أو حدث واحد. فمثلًا، الحذاء الرياضي وجهاز تشغيل الموسيقا الرقمي يرتبطان معًا في سياق التمرين الرياضي، والقهوة والحاسوب يتفاعلان في سياق المكتب، ونظام الملاحة والمحرك يتفاعلان في سياق السيارة، وفي كل حالة من هذه الحالات، يؤدي كلٌّ منهما دورًا مختلفًا.
أما التصنيف، فإن المفاهيم تنتمي فيه إلى فئة واحدة، ومن ثَم فهي متشابهة تصنيفيًّا مع بقية أعضاء الفئة بفضل الخصائص المشتركة، فالتشابه التصنيفي مبني على خصائص الأشياء نفسها، وتتماسك الفئات التصنيفية حول الخصائص الداخلية المشتركة؛ ونتيجة لذلك، تميل المفاهيم ذات الصلة التصنيفية إلى التشابه. وليس في التشابه التصنيفي عيب، فقد كان -ولا يزال- أساسًا لاقتصادات الحجم والنطاق، كما كان المبدأ الرئيس لتنظيم تقسيم العمل. وإنما المقصود هنا أن المديرين قد يُغفلون فرصًا وتهديدات مهمة تنبع من نوع آخر من التشابه.
كيف لمديري الأعمال أن ينظروا إلى ما وراء التشابه التصنيفي ليقدِّروا التشابه الموضوعي؟ إن التشابه الموضوعي يؤثِّر، على وجه الخصوص، في إدراك المفاهيم لا بين تلك التي تتفاعل فحسب، فتكون مترابطة (كالذي بين حوادث السيارات والتأمين)، بل أيضًا بين المفاهيم التي يمكن أن تتفاعل من غير أن تكون مترابطة (كالتأمين والمشروبات الغازية؛ إذ إن الأخيرة سبب رئيس في السمنة، ممَّا يؤثر في التأمين الصحي). ويظهر الفرق الجوهري بين الارتباط والتكامل الموضوعي عند التأمل في التشابهات الموضوعية الخفية بين مفاهيم مترابطة أصلًا، لكنها غير متكاملة موضوعيًّا. ولتوضيح هذا الفرق، تأمَّل في مثال بالغ التطرف، حيث يكون هناك منتجان مرتبطان ارتباطًا وثيقًا حتى يُدمجا في منتج واحد من غير أن يكون بينهما تكامل موضوعي. فكثير من الهواتف المحمولة تجمع بين خاصية الكاميرا وخاصية تحديد المواقع (GPS)، غير أنَّ هاتين الوظيفتين لم تُدمجا موضوعيًا في معظم الهواتف، رغم اشتراكهما في تشابه موضوعي: فكثير من الصور تتعلق بالأماكن، كما أن نظام تحديد المواقع يدور حول الأماكن أيضًا. وإن التكامل الموضوعي يربط بين هاتين الوظيفتين، فيتيح للمستخدمين “وضع علامة جغرافية” على المكان الذي التُقطت فيه الصورة. وقد أُطلق أول هاتف بكاميرا عام 2001م (وهو Sharp J-SH04)، لكن الأمر استغرق من مصنعي الهواتف الذكية ست سنوات كاملة (حتى إصدار شركة أبل لهاتفها الآيفون عام 2007م) ليتم التكامل الموضوعي بين خاصيتي تحديد المواقع والكاميرا الرقمية.
دلالة ذلك في البحث عن الفرص
حين يغفل المديرون التشابه الموضوعي الكامن خلف التباين التصنيفي، فإنهم يعرِّضون أنفسهم لخطر إغفال الفرص (وكذلك سوء تقدير التهديدات)، وإن التشابه الموضوعي يفتح مجالًا جديدًا في فضاء التباين. وبينما تُعد خدمات مثل Google Maps وYellow Pages متشابهة تصنيفيًّا، فإن خدمة أخرى من Google، وهي البحث الصوتي، ونظام تحديد المواقع، يقعان في فئات تصنيفية متباعدة. ومع ذلك، ثمَّة تشابه موضوعي بينهما في سياق استخدام الهواتف المحمولة، فإذا بحث مستهلك في نيويورك عبر Google عن “مواعيد عرض الأفلام”، فإن المواعيد الخاصة بقربه تُستخرج تحديدًا. وهكذا، فمع أن نظام تحديد المواقع يبدو للوهلة الأولى بعيد الصلة عن البحث الصوتي، فإن التشابه الموضوعي بينهما يخلق روابط محتملة خفية وراء تباعدهما التصنيفي، وقد أفضى هذا التشابه إلى إطلاق Google Maps للهواتف المحمولة عام 2008م.
إن هذا المجال الجديد من التشابه الموضوعي يحمل وعدًا خاصًّا بالابتكار والبحث عن الفرص، فتركيز النظر إلى مجالات التباين التصنيفي يعين المديرين على التعرُّف إلى منتجات أو خدمات جديدة تنشأ عن جمع أصول استراتيجية متباينة تصنيفيًّا لكنها مترابطة موضوعيًّا، وهذا البحث البعيد (تصنيفيًّا) والقريب (موضوعيًّا) عن الفرص الناشئة بفعل التشابه الموضوعي يقدم دليلًا عمليًّا للكيفية التي يمكن بها للخبراء الاستراتيجيين أن يجدوا إمكانات جديدة للميزة التنافسية. وقد اعترفت نظرية السلوك المؤسسي منذ زمن بعيد بميل المديرين الخطير للبحث عن الفرص في المجالات التصنيفية المألوفة، وتوصي الأدبيات البحثية المديرين بالبحث في الفئات البعيدة، لا القريبة تصنيفيًّا، وتُذكر طرق مثل العصف الذهني، التي تهدف إلى تحديد مثل هذه المجالات البعيدة، كثيرًا في الأدبيات الإدارية العامة، فعلى سبيل المثال، في محاولة لتجاوز مجرد توسيع المنتج، كثيرًا ما تشجع الشركات مطوريها على التفكير “خارج الصندوق” (أي في مجالات متباعدة تصنيفيًّا) وإطلاق العنان لخيالهم لتصوُّر منتجات تستجيب لحاجات العملاء بطرق جديدة جذريًّا، غير أن السؤال: أين يبدأ “البعيد” وأين ينتهي؟ إن التشابه الموضوعي يرسم حدًّا ذا معنًى للمجال “البعيد” الذي ينبغي للمديرين مسحه لاكتشاف فرص الابتكار. ومن أمثلة ذلك في عالم الرعاية والتمويل، تبرُّع شركة Louis Vuitton بنسبة 15% من مبيعاتها عبر الإنترنت لمشروع المناخ الذي يرعاه آل غور. ومع كثرة الجهات التي يمكن الشراكة معها، فلماذا تتعاون علامة فاخرة مع منظمة بيئية؟ نرى أن تطبيق التشابه الموضوعي في البحث عن الفرص يوضح أن “البعد” مسألة نوع أيضًا، وأن عملية البحث في مجالات بعيدة تصنيفيًّا قد تكون قريبة موضوعيًّا، فمع بُعدهما تصنيفيًّا، يجمع بين Louis Vuitton ومشروع المناخ موضوع “السفر” أو حتى “السفر المتكرر جوًّا”، ومن ثَم الاهتمام برفع الوعي بتغير المناخ وسبل معالجته.
دلالة ذلك في تعريف المنافس
يُستعمل معياران تقليديان للتمييز بين المنافسين وغيرهم: المعيار التكنولوجي (حيث تعد الشركات منافسة إذا اشتركت في سمات تكنولوجية متشابهة)، والمعيار السوقي (حيث تعد الشركات منافسة إذا كانت منتجاتها قابلة للإحلال بعضها محل بعض)، لكن المشكلة الجوهرية، أيًّا كان المعيار، تكمن في تفسير الإشارات البيئية المتعلقة بتشابه التقنيات والمنتجات. ومهما بلغت أدوات التحليل من تطور في تحديد الشركات التي ينبغي أن تظهر على شاشة رصد التحليل التنافسي، فإن جميع هذه القرارات تقوم في نهاية المطاف على تصنيف الشركات وفق أوجه الشبه والاختلاف بينها أي مدى التشابه بين شركتين.
بموازنة التشابه الموضوعي إلى جانب التشابه التصنيفي، يُتاح للمديرين أن ينظروا إلى التشابه لا بوصفه مسألة مقدار فحسب (إلى أي مدى تتشابه شركتان؟)، بل بوصفه كذلك مسألة نوع (بأي وجه تتشابه شركتان؟). ولهذا التحول آثار مباشرة في التمييز بين المنافسين وغير المنافسين. وتشير دراستنا على وجه الخصوص إلى إطار بديل ومكمل لفهم مسألة تعريف المنافس.
ومثال حديث على ذلك هو التساؤل عما إذا كانت فيسبوك، في أول أربع سنوات من وجودها (من فبراير 2004م إلى 2008م)، تمثل تهديدًا تنافسيًّا لغوغل، فالنموذج التصنيفي كان ليحكم بتدني التشابه بين الشركتين، فمن الناحية التقنية، استخدمتا منصات وتطبيقات وخوارزميات ونماذج أعمال متباينة تمامًا، ومن منظور السوق، كانت غوغل تزاول عملها في تقديم المعلومات عن المصادر الإلكترونية وخدمة البريد الإلكتروني، ولم تكن تعمل في مجال الشبكات الاجتماعية، غير أن حصة فيسبوك من النشاط على الإنترنت أخذت في الازدياد باطراد خلال تلك الفترة. ففي عام 2007م، كان 18% من مستخدمي الإنترنت في الولايات المتحدة يزورون فيسبوك مرة واحدة على الأقل في الشهر، وكان متوسط الوقت الذي يقضيه المستخدم يبلغ ثلاث ساعات ونصف الساعة شهريًّا. وبحلول منتصف مارس 2010م، ولمدة أسبوع كامل، أصبح عدد مستخدمي فيسبوك على مستوى العالم يفوق عدد مستخدمي غوغل، ولم تعترف غوغل صراحة بالتهديد الذي تمثله فيسبوك إلا في الأول من نوفمبر عام 2007م، حين أطلقت منصة “أوبن سوشال” الخاصة بها للشبكات الاجتماعية، أي إن فيسبوك بقيت غير منافسة لغوغل أكثر من ثلاث سنوات وستة أشهر بعد انطلاقها، بل إن مديري غوغل تجاهلوا فيسبوك عن عمد؛ لأنها لم تكن تندرج في تصنيف أنشطة غوغل، وقد قال المدير التنفيذي لغوغل، إريك شميدت: “لدينا دفاتر عناوين، ومجموع دفاتر عناويننا هو الرسم البياني الاجتماعي”. ولم تعترف غوغل بالتشابه الموضوعي بين الشبكات الاجتماعية والبريد الإلكتروني إلا في التاسع من فبراير عام 2010م، حين أقدمت على استغلال تكامل الشبكات الاجتماعية مع البريد الإلكتروني بإطلاقها خدمة “باز”، وهي خدمة تواصل اجتماعي مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بخدمة البريد الإلكتروني “جيميل”.
وخلاصة القول، إن رسم الحد الفاصل بين المنافس وغير المنافس لا يقوم على المعايير التصنيفية وحدها في تحديد التشابه، بل يتطلب أيضًا إدراك أوجه التشابه الموضوعي. فالتفكير الموضوعي يمنح أداة أدق للعثور على المنافسين المحتملين حتى بين الشركات المتباينة تصنيفيًّا والتي قد تُعد عادة من غير المنافسين. وكذلك، فإن التفكير الموضوعي قد يكشف عن فرص تجارية واسعة كانت النظرة التقليدية القائمة على التصنيفات تعدها غير ذات صلة، ومن ثَم غير مرغوب فيها؛ ولهذا، فإن إنتل ومكافي ليستا في نهاية المطاف بذلك التباعد.
