القائمة الرئيسية

كيف تغيّر تقنيات الذكاء الاصطناعي أساليب التعاون بين الشركاء

كيف تغيّر تقنيات الذكاء الاصطناعي أساليب التعاون بين الشركاء
ملخص المقال

يتناول المقال أهمية الابتكار السريع المدعوم بالذكاء الاصطناعي في ظل بيئات الأعمال المتغيرة، ويبرز كيف أن التعاون مع شركاء خارجيين، بما في ذلك المنافسون، يسرع من تطوير أفكار وحلول رائدة. يوضح المقال أن الذكاء الاصطناعي التحليلي والتوليدي يعزز الشراكات من خلال دمج البيانات، تحسين المنصات القائمة، تطوير منتجات وخدمات مبتكرة، وتوجيه السلوكيات الاجتماعية النافعة، كما يتيح خلق نظم بيئية متعددة المؤسسات تتشارك المعرفة والموارد. ويقترح المقال خطة استراتيجية من ست خطوات للشركات لتعظيم قيمة هذه الشراكات، تشمل: تحديد مجالات التحول، بناء شراكات متنوعة، تطوير خدمات ذات قيمة، معالجة القضايا المجتمعية والبيئية، ضمان الأخلاق والشفافية، واعتناق المرونة والتعلم المستمر. ويخلص إلى أن استخدام الذكاء الاصطناعي استباقيًا ضمن إطار أخلاقي يفتح آفاقًا غير مسبوقة للنمو والابتكار، ويعيد رسم حدود الصناعات ويعالج تحديات مجتمعية وبيئية واسعة.

مارغريتا باغاني وتوماس هـ. دافنبورت

في زمن التغيّر المستمر وتبدّل توقعات العملاء، لم يعد الابتكار السريع خيارًا بل ضرورة استراتيجية. إنّ الابتكار مدفوع بالإبداع، أي القدرة على تصوّر حلول جديدة ونافعة، وقد وجدت كثير من الشركات أنّها تبتكر أفكارًا رائدة بصورة أكثر فعالية وسرعة من خلال التعاون مع شركاء خارج حدود مؤسساتها.

نشهد اليوم درجة من الشراكة بين المؤسسات –بما في ذلك المنافسون– لم يسبق لها مثيل. ونرى الذكاء الاصطناعي يفتح آفاقًا غير مسبوقة من الإبداع، ليس فقط فيما تنتجه هذه الشراكات، بل أيضًا في كيفية تعاون هذه الأعمال فيما بينها.

وقد تناول بحثنا –بما في ذلك كتابانا “الذكاء الاصطناعي لإبداع الأعمال” (حررته باغاني مع رينو شامبيون) و”الاعتماد الكلي على الذكاء الاصطناعي” (كتبه دافنبورت ونيتين ميتال)– كيفية استخدام الشركات للذكاء الاصطناعي، التحليلي منه والتوليدي، كمحفّز لسبل جديدة في العمل المشترك. فهذه الشركات تجاوزت الأوجه التقليدية لاستخدام الذكاء الاصطناعي، كتحليل البيانات بعمق، وأتمتة المهام الروتينية، والتنبؤ الدقيق بالاتجاهات. وبالاستناد إلى تحليل أكثر من ألف نظام ذكاء اصطناعي في التطبيقات العملية، إلى جانب مناقشات معمقة مع قادة الصناعة، نسلّط الضوء أدناه على الدور المحوري للذكاء الاصطناعي في تعزيز التعاونات الجديدة ودفع التحوّل التنظيمي.

أنواع الشراكات المدفوعة بالذكاء الاصطناعي

إنّ التحالفات المدفوعة بالذكاء الاصطناعي على أنواع شتى. يمكن تصنيفها بحسب عدد الشركاء المشاركين أو بحسب طبيعة العلاقة.

فالتعاونات الثنائية بين المؤسسات تشمل شريكين اثنين، وتستفيد هذه الشراكات من تكامل نقاط القوة، حتى وإن واجهت تحديات في التكامل. أما النظم البيئية المدفوعة بالذكاء الاصطناعي فتضم ثلاثة شركاء أو أكثر يعملون معًا لتكوين شبكة من الحلول المدفوعة بالذكاء الاصطناعي. وأهم مزايا هذه الشراكات هي تبادل المعرفة والموارد، أما التحديات فتتمثل في تنسيق أصحاب المصلحة المتعددين وتكامل البيانات.

ويمكن تصنيف التعاونات أيضًا بحسب طبيعة العلاقة؛ فالعلاقات مع البائعين التي تركز على تقديم الخدمات تهدف إلى تعزيز الإنتاجية وتسريع الابتكار المدعوم بالذكاء الاصطناعي على نطاق واسع. أما اتحادات البحث فتؤسس مراكز للبحث والتعليم في الذكاء الاصطناعي تدعم الأهداف الوطنية في هذا المجال، وغالبًا ما تتعامل مع تحديات توحيد مصالح البحث والمصالح التجارية عبر شراكات تجمع الحكومة والصناعة والجامعات. أما الشبكات التي تتركز حول البيانات فتهدف إلى تبادل البيانات بين المؤسسات وتحليلها بالذكاء الاصطناعي، استجابة لتزايد احتياجات البيانات في المؤسسات المدفوعة بالذكاء الاصطناعي.

ورغم أن معظم هذه الشراكات ذات أهداف تجارية، فإنها قادرة أيضًا على تعزيز الابتكار بجمع وجهات نظر ومهارات متنوعة، ما يفضي إلى حلول إبداعية تدفع بحدود الممكن في الذكاء الاصطناعي.

دور الذكاء الاصطناعي في التعاون

تيسر الشراكات المرتكزة إلى الذكاء الاصطناعي مستويات غير مسبوقة من تبادل البيانات وإمكانات لنماذج أعمال جديدة تعيد رسم حدود الصناعات. فما الدور المحدد للذكاء الاصطناعي في تحقيق هذه التطورات؟ لنغص أعمق في كيفية إسهام الذكاء الاصطناعي التوليدي والتحليلي، المعتمد على البيانات المنظمة، في نجاح هذه التعاونات.

أولًا، نرى الذكاء الاصطناعي يُستخدم كممكِّن لتكامل بيانات النظم البيئية. إذ غالبًا ما تتطلب النظم البيئية متعددة المؤسسات تبادل بيانات بأشكال ومعلومات متباينة. فيساعد الذكاء الاصطناعي، من خلال مقاربات التعلم الآلي الاحتمالية ضمن الذكاء التحليلي، على دمج هذه الأنواع المتفرقة من البيانات. فعلى سبيل المثال، أنشأت شركة “إيرباص” الأوروبية لتصنيع الطائرات نظامًا بيئيًّا يُسمى “سكايوايز” يضم شركات الطيران العالمية جميعها التي تشغّل طائراتها، إذ تتشارك شركات الطيران بياناتها التشغيلية لتحسين الأداء، وتستعين إيرباص بأدوات الذكاء الاصطناعي من شركة “بالانتير تكنولوجيز” لدمج هذه البيانات المتفرقة.

ثانيًا، نرى المؤسسات تضيف قدرات الذكاء الاصطناعي إلى المنصات القائمة أو الناشئة، لتعزيزها بصورة كبيرة. وأحدث اتجاهات الذكاء الاصطناعي هو الذكاء الاصطناعي الوكيل، إذ تتعاون برامج الذكاء الاصطناعي معًا لإنجاز المهام بدلًا من مجرد إنتاج المحتوى. ونعتقد أنّ هذه البرامج التعاونية ستنشئ شبكة من الأدوات النافعة. فعلى سبيل المثال، أنشأت “مايكروسوفت ريسيرتش” وعدة جامعات مشروع “أوتوجين” مفتوح المصدر لبناء هذه البرامج وأطرها. تخيّل فريقًا من المساعدين الافتراضيين، أحدهم يضبط المواعيد، وآخر يكتب الرسائل، وثالث يحلل البيانات. يساعد “أوتوجين” هؤلاء المساعدين على العمل معًا.

ثالثًا، يُستَخْدَم الذكاء الاصطناعي لتعزيز المنتجات والخدمات عبر التعاونات والمنظومات. ونرى أدوات الذكاء الاصطناعي مستخدمةً على نطاق واسع، لا سيما في صناعة الطب. ففي سنغافورة، يتعاون مستشفى شانغي العام مع شركة “ريسبيري” (وهي شركة ناشئة في مجال التكنولوجيا الطبية منبثقة عن وكالة سنغافورة للعلوم والتكنولوجيا والبحوث)، لتطوير نظام مراقبة المرضى عن بُعد يشتمل على خوارزميات ذكاء اصطناعي تتنبأ بتدهور حالة المرضى. ويعتمد هذا النظام على أجهزة استشعار قابلة للارتداء لرصد العلامات الحيوية للمرضى وتقديم إنذارات مبكرة عند حدوث تغيرات غير طبيعية، ما يتيح التدخل في الوقت المناسب وتحسين رعاية المرضى. ومن صور التعاون الصحي كذلك ما بين شركتي “نفيديا” و”جونسون آند جونسون ميدتيك”، إذ تعكفان على تطوير أجهزة مدعومة بالذكاء الاصطناعي لاتخاذ القرار الجراحي، ومن ذلك أداة للتعرف إلى الأورام في الزمن الحقيقي.

ورابعًا، يُستَخْدَم الذكاء الاصطناعي لتوجيه الأهداف والسلوكات الاجتماعية النافعة. فشراكة الذكاء الاصطناعي، على سبيل المثال، هي جماعة كبيرة تضم شركات ربحية ومنظمات غير ربحية، تركز على “ابتكار حلول تضمن أن يحقق الذكاء الاصطناعي نتائج إيجابية للناس والمجتمع”. ومن مشروعاتها التعمق في أنظمة التوصية بالمحتوى المدفوعة بالذكاء الاصطناعي، ولا سيما عبر برنامج الذكاء الاصطناعي ونزاهة الإعلام، ومسار استهداف وترتيب المحتوى. والغاية هي دعم السلوكات الاجتماعية النافعة وتجربة معلوماتية أكثر صحة. ومثل هذه الروابط التعاونية في الذكاء الاصطناعي غالبًا لا تبتكر أنظمة ذكاء اصطناعي بنفسها، بل تحدد خصائص تلك الأنظمة ليطورها الآخرون.

خطة استراتيجية للتعاونات المدفوعة بالذكاء الاصطناعي: ست خطوات

استنادًا إلى تحليلنا، نقترح ست خطوات للمنظمات التي تنشد استخدام الذكاء الاصطناعي في التعاون والابتكار. وتشمل هذه الخطة أنشطة استراتيجية وتقنية وتنظيمية وأخلاقية.

١. تحديد كيف وماذا سيُحَوِّل الذكاء الاصطناعي: أول خطوة أساسية أن تقرر الشركة وشركاؤها المحتملون كيف يمكنهم استخدام الذكاء الاصطناعي في تعاونهم. وعلى كبار التنفيذيين أن يضعوا الاستراتيجيات بشأن وحدات الأعمال والعناصر الاستراتيجية والعمليات الرئيسة المؤهلة للتحول. وعليهم أن يفكروا تفكيرًا واسعًا، فمنظور الذكاء الاصطناعي الذي يقتصر على تحسينات طفيفة في العمليات أو اتخاذ القرار يغفل عن الإمكانات الهائلة لهذه التقنية.

وقد استثمرت شركة “بينغ آن”، التي بدأت بوصفها شركة تأمين على الممتلكات والحوادث، في شركات عدة للتكنولوجيا الصحية عبر ذراعها الاستثماري، حتى أدركت وجود فرص لمشاركة بيانات الصحة في الصين. فأنشأت في عام ٢٠١٤م “سحابة الصحة” وهي منظومة لتقديم خدمات الطب الذكي المدفوعة بالذكاء الاصطناعي ما أدى إلى ابتكار تطبيق “الطبيب الجيد”. وتتراوح خدماته بين الاستشارات الطبية عبر الإنترنت، والتحويل إلى المستشفيات، وإدارة الصحة. ويستخدم الذكاء الاصطناعي التحليلي لتشخيص المشكلات الطبية واقتراح سبل العلاج. واليوم، تضم المنظومة زهاء ٤٥٠ مليون مستخدم مسجّل، وتربط أكثر من ٥٠ ألف طبيب، وأكثر من ٣ آلاف مستشفى، وما يزيد على ٢٠٠ ألف صيدلية، وأكثر من ١٠٠ ألف مقدم خدمة صحية. ونرى أنها قد غيّرت وجه تقديم الرعاية الصحية في الصين وجنوب شرق آسيا. وقد أكدت هذا التحول الشهادات التي حصلت عليها مؤخرًا من منظمة أطباء الأسرة العالمية.

٢. بناء شراكات متنوعة: إن التعاون مع شركاء متعددين يدفع إلى الإبداع والابتكار، وينبغي للشركات أن تبدأ بتحديد الشركاء المحتملين، ومشاركة البيانات، واستكشاف المبادرات المشتركة. ومن الأمثلة البارزة على ذلك منظومة “سكايوايز” التابعة لشركة “إيرباص”، إذ أفضت الشراكات المتنوعة إلى حلول مبتكرة. وتشمل المعلومات التي تتشاركها شركات الطيران بيانات لتحسين الصيانة التنبؤية والوقائية والتعامل مع الأحداث الطارئة. ومثال آخر هو معهد “فيكتور” للذكاء الاصطناعي في تورونتو، المدعوم من الحكومة الكندية وشركات كندية عديدة، لتقديم البحوث ومساعدة الشركات الناشئة على بناء أعمالها.

ولا شك في أن ثمة مخاوف أحيانًا من التعاون مع المنافسين. وينبغي للشركات التي تبني هذه الشراكات أن تعمل على تقديم قدرات لا يستطيع الشركاء الآخرون توفيرها بمفردهم. فعلى سبيل المثال، حين أصبحت “سومبو هولدينغز” الشريك الياباني في مشروع مشترك مع شركة “بالانتير” الأمريكية، صارت الشركة الوحيدة في اليابان القادرة على دمج وتحليل البيانات عبر منظومة دور رعاية المسنين.

٣. تطوير خدمات ذات قيمة مضافة: بعد تكوين الشراكات ومشاركة البيانات ودمجها، يتعين على الشركات بناء خدمات ذكاء اصطناعي تضيف قيمة لتحليل البيانات وتقديم المنافع لأعضاء المنظومة. ففي “إيرباص”، طوّر فريق الذكاء الاصطناعي حالات استخدام لأعضاء “سكايوايز” شملت الصيانة التنبؤية للطائرات، وتشخيص مشكلات المعدات، وتحسين المسارات. وفي مثال آخر، تعاونت “آي بي إم” مع “تومسون رويترز” لإنشاء حل تكنولوجي تنظيمي مدعوم بالذكاء الاصطناعي لمساعدة البنوك على تبسيط الامتثال التنظيمي. وقد صمم هذا الإطار ليستخدم الذكاء الاصطناعي في توفير بيانات الخدمات المالية في الزمن الحقيقي من آلاف مصادر المحتوى، ما يمكّن البنوك من مواكبة التغيرات التنظيمية وإدارة المخاطر بفعالية أكبر.

٤. معالجة التحديات المجتمعية والبيئية: ينبغي للمؤسسات أن تستثمر التعاون في مجال الذكاء الاصطناعي لمواجهة القضايا المجتمعية والبيئية الواسعة، مع تعزيز النمو الاقتصادي. وقد عقدت “هكتار”، وهي منظمة فرنسية تعنى بتعليم أساليب الزراعة التجديدية، شراكة مع “HEC باريس” لتأسيس برنامج تسريع وتعليم للمزارعين الحاليين والمستقبليين. ويستطيع رواد الأعمال تجربة تقنياتهم الجديدة، ومنها ما يعتمد على الذكاء الاصطناعي والروبوتات، في مزرعة المدرسة.

٥. تقديم الأخلاق والشفافية على غيرهما: إن التعاون في الذكاء الاصطناعي يحمل في طياته إمكانات عظيمة، غير أنه يثير تحديات جسيمة ومعضلات أخلاقية لا بد من معالجتها. فمشاركة البيانات الحساسة بين الشركاء قد تثير مخاوف بشأن خصوصية البيانات وأمنها. ومن الواجب على المؤسسات أن تضع تدابير قوية لحماية البيانات وتصون المعلومات الحساسة، حفاظًا على الثقة بين أصحاب المصلحة.

إن التعاون في الذكاء الاصطناعي قادر على معالجة القضايا المجتمعية والبيئية الواسعة، مع تعزيز النمو الاقتصادي.

وقد عمدت الحكومة الفدرالية في الولايات المتحدة إلى دفع الشركات نحو الالتزام، ففي عام ٢٠٢٣م أصدرت لوائح طال انتظارها بشأن مشاركة بيانات الرعاية الصحية ومعايير جديدة للشفافية في البيانات المستخدمة لتطبيقات الذكاء الاصطناعي في هذا المجال. أما في القطاع الخاص، فقد دخلت “يونيليفر” في شراكة مع “هوليستك إيه آي” (وهي شركة أمريكية تعين المؤسسات على حوكمة الذكاء الاصطناعي)، لتقييم كل حالة استخدام للذكاء الاصطناعي لديها من منظور “ضمان الذكاء الاصطناعي” مع التركيز على الامتثال الأخلاقي والفعالية الشاملة.

٦. اعتناق المرونة والتعلم: نظرًا للطبيعة المتغيرة للذكاء الاصطناعي والمبادرات التعاونية، ينبغي للشركات أن تظل قابلة للتكيف وتستفيد من التجارب الأولى. وفي هذا السياق، يمكن للشركات أن تتعلم من شركائها وهي توسع عروض منتجاتها وخدماتها بطرائق لم تكن لتبلغها منفردة. فعلى سبيل المثال، عقدت “سيلزفورس” شراكات مع “آي بي إم” و”نفيديا” و”سلام” و”غوغل” في مجموعة من منتجات الذكاء الاصطناعي، ورغم أن بعض هذه الشراكات تجارية محضة، فإن شراكة “سيلزفورس-آي بي إم” شملت أكثر من جيل واحد من تقنيات الذكاء الاصطناعي.

وباعتماد الذكاء الاصطناعي استباقيًّا مع التمسك بالمبادئ الأخلاقية، تستطيع الشركات أن تفتح آفاقًا غير مسبوقة للنمو عبر الشراكات التعاونية؛ فالذكاء الاصطناعي يُعد محفزًا للتغيير المؤسسي والابتكار، متجاوزًا حدود المؤسسة ليحول الصناعات بأسرها ويعالج القضايا المجتمعية والبيئية الواسعة.

مقالات ذات صلة