القائمة الرئيسية

لماذا تفشل إدارة علاقات العملاء (CRM) وكيفية إصلاح ذلك 

لماذا تفشل إدارة علاقات العملاء (CRM) وكيفية إصلاح ذلك 
ملخص المقال

يناقش المقال أسباب إخفاق معظم استثمارات إدارة علاقات العملاء رغم ضخامتها، ويبيّن أن المشكلة لا تكمن في التكنولوجيا ذاتها بل في النهج غير المتوازن الذي يركز على شراء الموارد التقنية قبل تطوير القدرات التسويقية والتنظيمية اللازمة لاستثمارها بفعالية. ويؤكد أن إدارة علاقات العملاء الناجحة يجب أن تنطلق من بناء قدرات عميقة لفهم العملاء والتفاعل معهم والتعلم من سلوكهم، قبل ضخ استثمارات رأسمالية كبيرة، لأن الولاء والعلاقات المستدامة لا تُشترى بالأنظمة بل تُبنى عبر المعرفة الضمنية والروتينات التنظيمية والتعلم التدريجي. ويعرض المقال إطارًا يربط بين القدرات التسويقية الأساسية وأشكال العلاقات مع العملاء، موضحًا أن الشركات التي تتبنى نهجًا تطوريًا قائمًا على التجربة والتعلم تقلل المخاطر وتحسن العائد، بينما تفشل الشركات التي تنجرف وراء “أفضل الممارسات” الجاهزة والحلول التقنية السريعة. ويخلص إلى أن الصبر، والتدرج، وقيادة التغيير من داخل فرق فهم العملاء، هي شروط حاسمة لتحويل إدارة علاقات العملاء من مشروع تقني مكلف إلى مصدر حقيقي للميزة التنافسية.

ستان ماكلان، وسيمون نوكس، وجو بيبارد

خلال هذه الألفية، يبدو أن العديد من المسوقين قد راهنوا بكل ما يملكونه على استثمارات إدارة علاقات العملاء (CRM) دون أن يجنوا نتائج تُذكر، وهؤلاء المسوقون يحاولون الآن تبرير المزيد من الاستثمارات لتحقيق أهدافهم الأصلية. إن الإشارة إلى أنهم وصلوا إلى هذا الوضع غير المريح لأنهم يُعدّون غير مسؤولين ماليًّا أو يفتقرون إلى القدرة الحسابية، أو أن تقنيات إدارة علاقات العملاء (CRM technologies) لا تزال غير ناضجة، وأن المستهلكين ببساطة لن يتفاعلوا مع مثل هذه التقنيات الجديدة، هو تفسير سطحي للغاية، فالمشكلة أعمق من ذلك؛ إذ إن معظم فرق الإدارة العليا تتبع نهجًا غير متوازن في إدارة الاستثمارات التسويقية، ويتجلى ذلك بشكل خاص في حالة إدارة علاقات العملاء (CRM). فهم يركزون على الموارد الأساسية التي يستثمرون فيها رأس المال، مثل التكنولوجيا والموقع والإعلان، لكنهم يغفلون عن الاستثمار الموازي في الوقت والجهد والمهارات اللازمة لتطوير القدرات التي تُمكّنهم من الاستفادة من تلك الاستثمارات. ومن الواضح أن هذا النهج في الاستثمار التسويقي ينطوي على مخاطرة كبيرة؛ إذ يؤدي إلى الإفراط في الاستثمار قبل أن تصبح المؤسسة قادرة على استغلاله بشكل مربح.

كل هذا بعيد كل البعد عن الوعد الأصلي لإدارة علاقات العملاء (CRM). هل تتذكر كيف كان يُتوقع أن تُحدث أشكال جديدة من العلاقات مع المستهلكين ثورة في التسويق، وتعيد صياغة قواعده، وتشكك في عقود من الدراسات والممارسات؟ كان من المفترض أن يتغير سلوك الشراء مع استفادة المستهلكين من بيئة غنية بالمعلومات للحصول على شروط تجارية أفضل، وتخصيص الخدمات، والانضمام إلى مجتمعات إلكترونية للمشاركة في ابتكار الحلول مع الموردين. وكان المسوقون، المزودون بمعلومات كاملة عن المستهلكين، سيحققون أقصى استفادة من كل قرش يُنفقونه في التسويق، مما يؤدي إلى قفزة نوعية في فعالية التسويق.

لقد تبنت الشركات هذا التفكير القائم على “النموذج الجديد” بشكل مكثف، ففي الفترة ما بين عامي 2000م و2005م، أنفقت المؤسسات 220 مليار دولار على تنفيذ حلول إدارة علاقات العملاء (CRM solutions)، مما أدى إلى خلق سوق بقيمة تقارب 50 مليار دولار سنويًّا، مع نمو يزيد على 16% قبل أزمة الائتمان. ومع ذلك، وعلى الرغم من هذه الاستثمارات الضخمة، تُظهر البيانات المتاحة للعامة باستمرار أن ما بين 55% و75% من الشركات تفشل في تحقيق العائد المتوقع من استثماراتها في إدارة علاقات العملاء (CRM investments). فهل أهدرت المؤسسات جماعيًّا 150 مليار دولار على إدارة علاقات العملاء (CRM) خلال هذه الفترة؟

تشير أبحاثنا إلى أن المشكلة واضحة نسبيًّا، فقد اشترت الشركات موارد متقدمة لإدارة العلاقات، مثل مراكز الاتصالات وقواعد البيانات والبرمجيات والمواقع الإلكترونية، لكنها استمرت في إدارة أعمالها كما كانت تفعل دائمًا وافترضت أن العملاء سيقدرون نتائج تلك الاستثمارات (انظر: “حول البحث”). كما افترض قادة الأعمال أن القدرات التسويقية اللازمة للتفاعل مع المستهلكين بطرق جديدة وبناء علاقات أكثر ديمومة وولاءً ستتطور تلقائيًّا كنتيجة طبيعية للاستثمار في موارد إدارة علاقات العملاء (CRM resources)، لكن الواقع ليس كذلك. تشير أبحاثنا إلى أن الاستثمار الناجح في إدارة علاقات العملاء (CRM) يبدأ بتطوير القدرات الجديدة اللازمة لتحسين علاقات العملاء، ثم يتم دعم ذلك بالاستثمار الرأسمالي بحسب الحاجة للحفاظ على تطوير تلك القدرات وترسيخها. نوضح ذلك من خلال مثالين لشركتين تدرسان الاستثمار الجديد في إدارة علاقات العملاء (CRM): شركة BMW (UK)، وشركة Flutter.com (التي أصبحت الآن قسمًا من مجموعة Betfair Group، الرائدة عالميًّا في سوق المراهنات الإلكترونية). ففي حالة Flutter، أدى برنامج تحديد قدراتها التسويقية الحقيقية إلى الاستثمار في جانب أقل تكلفة ومختلف من إدارة علاقات العملاء (CRM) عما كان مخططًا له في البداية، في حين قررت شركة BMW (UK) تأجيل استثمارها حتى تطوير قدراتها في إدارة العلاقات بشكل أكبر. وقد قامت كلتا الشركتين بمواءمة استراتيجيات الاستثمار مع تطوير القدرات التسويقية، مما أدى إلى تقليل الإنفاق الرأسمالي وتحسين الأداء.

فما هو الترابط بين موارد الشركة وقدراتها؟

القدرات المراوغة لتطوير علاقات العملاء

لا يمكن تسريع ولاء العملاء بمجرد شراء شركات أو قوائم بريدية أو تقنيات إدارة علاقات العملاء (CRM technology). فعندما تنجح إدارة علاقات العملاء (CRM)، تتعلم المؤسسات من عملائها وتبتكر استجابات فعالة، مما يجدد ويعزز القيمة التي يجنيها كل طرف، حتى تصبح العلاقة نفسها مصدرًا للميزة التنافسية المستدامة والأرباح. إن التفاعل مع العملاء والاستجابة الفعالة لا يتطور تلقائيًّا من الاستثمارات في حلول إدارة علاقات العملاء (CRM technology solutions)، بل يتطلب برنامجًا مستمرًا للاستثمار في تطوير مجموعة واسعة من الموارد (مثل العلامات التجارية، وشبكات التوزيع، وسلاسل الإمداد، والمعرفة العملية)، مع مراعاة احتياجات العملاء. ولتحقيق ذلك، يجب أن تمتلك الشركات القدرة على تجديد وتكوين الموارد باستمرار لخدمة الاحتياجات المتغيرة للعملاء. إن الجمع بين هذه القدرات وتقنيات إدارة علاقات العملاء (CRM technology) هو ما يمكّن الشركة من تطوير عروض فريدة يقدرها العملاء.

لسوء الحظ، لا يبدو أن معظم المديرين يلتزمون بهذه الرؤية الشمولية التي تقتضي الاستثمار في كل من الموارد والقدرات، فعلى وجه العموم، يمكن تصنيف المديرين إما على أنهم “منتقو الموارد” أو “مُنشئو الموارد”، إذ يقوم منتقو الموارد (resource-pickers) بتحديد الموارد التي يمكن شراؤها بأقل من قيمتها بالنسبة إلى الشركة، في حين يُنشئ مُنشئو الموارد (resource-builders) داخليًّا العلامات التجارية، والعلاقات مع العملاء، وشبكات التوزيع التي تخلق ميزة تنافسية مستدامة. وفي الواقع، يُعد هذا التقسيم الثنائي زائفًا، فمن الصعب تصور شركة لديها عملاء أوفياء ومخلصون تفتقر إلى القدرات اللازمة لإيجاد ذلك الولاء. ونفترض أن المديرين خلال الفترة الأخيرة التي شهدت استثمارات ضخمة في إدارة علاقات العملاء (CRM)، قد افتقروا إلى إطار مناسب لتقييم وتطوير قدراتهم التسويقية، ونتيجة لذلك، مالوا إلى تبني منهج انتقاء الموارد.

لماذا يحدث ذلك؟ ربما لا يدرك المديرون تمامًا طبيعة هذه القدرات، فكيف يمكن تطويرها وجعلها تتكامل مع تقنية إدارة علاقات العملاء (CRM technology) لتحقيق ميزة تنافسية؟ إن القدرات يصعب ملاحظتها، فضلًا عن فهمها وإدارتها؛ لأنها تنشأ من المعرفة الضمنية للمديرين والموظفين، أي تلك الروتينيات غير المصرّح بها حول “كيفية إنجاز الأمور هنا” والتي أصبحت طبيعة ثانية لأفراد الشركة. وبحكم التعريف، يصعب توثيق هذه الروتينيات والمعرفة الضمنية ونقلها حتى داخل الشركة نفسها. وتتفاقم المشكلة بملاحظتنا أنه ليس واضحًا من يتحمل المسؤولية عن ضمان تطوير هذه القدرات الجديدة في تسويق العلاقات. وتشير الأبحاث إلى أن مثل هذه البرامج التغييرية التي تقودها العمليات تُدار غالبًا من قبل قسم تقنية المعلومات (IT function). وغالبًا ما تتولى أقسام التسويق والمبيعات رعاية الاستثمار في تقنية إدارة علاقات العملاء الجديدة وكتابة المبررات التجارية، إلا أنها تفتقر عادة إلى الخبرة في إعادة هندسة الأنظمة والعمليات اللازمة لإحداث تغيير تقني؛ لذا تفوض التنفيذ لقسم تقنية المعلومات. وهكذا يصبح المشروع مشروعًا تقنيًّا يركز على اختيار ونشر التقنية الجديدة، ويقتصر تطوير قدرات تسويق العلاقات على تدريب المسوقين على استخدام التقنية الجديدة والعمليات التجارية، بدلًا من مساعدتهم على تنفيذ أنشطة جديدة ومختلفة تهدف إلى جمع المعرفة عن العملاء وتغيير مواقف وسلوكات المستهلكين. ويركز قسم الموارد البشرية على تطوير مهارات المسوقين الأفراد، دون معالجة كيفية تطوير المنظمة لقدراتها التسويقية الجديدة. إن التدريب على استخدام الأنظمة ضروري ولكنه غير كافٍ؛ إذ تنشأ القدرات التسويقية داخل المنظمات من خلال التعاون، فهي ليست مجرد مجموع معارف الأفراد.

ومن الممكن القول إن من السهل نسبيًّا على التنفيذيين الكبار الحصول على موارد إدارة علاقات العملاء (CRM resources)؛ إذ يتطلب الأمر فقط المال لشراء البرمجيات والأفراد ومتكاملي الأنظمة. كما أن اقتناء الموارد مرتبط بالزمن، فقد أعلنت إحدى شركات البرمجيات الرائدة ذات مرة عن “إدارة علاقات العملاء العالمية خلال 90 يومًا”، واليوم يقدم البائعون المعتمدون على الحوسبة السحابية (cloud-based vendors) إدارة علاقات العملاء عند الطلب تقريبًا. أما بناء القدرات لإدارة العملاء بشكل أفضل فهو أكثر صعوبة؛ إذ إن الإطار الزمني غير محدد، ويتطلب التعلم التنظيمي والإرادة لتغيير ما تقوم به استجابة لما يخبرك به العملاء عن احتياجاتهم. وغالبًا ما تستغرق الشركات التي تسعى لتحسين قدراتها التسويقية، مثل تعزيز تجربة خدمة العملاء لبناء مزيد من الولاء، سنوات حتى تحقق التحسينات المرجوة. وهنا يبرز السؤال: كيف يضمن المديرون أن اقتناء الموارد والقدرات الإدارية اللازمة لتحقيق العائد المناسب من هذه الموارد يسيران جنبًا إلى جنب؟

كيفية تحديد وإدارة قدرات إدارة علاقات العملاء (CRM Capabilities)

استنادًا إلى بحثنا، أنشأنا إطارًا وعملية لتحديد وإدارة القدرات التسويقية التي تمكّن التنفيذيين من تطوير مواردهم وقدراتهم في إدارة علاقات العملاء بشكل متوازٍ. وقد بُني هذا الإطار على أربع قدرات تسويقية رئيسة:

إدارة الطلب: توليد الإيرادات للسلع والخدمات.

خلق المعرفة التسويقية: توليد ونشر الرؤى حول المستهلكين والأسواق والمنافسين وشركاء التحالفات والمجتمعات الإلكترونية، وغير ذلك، في جميع أنحاء الشركة.

بناء العلامات التجارية: إنشاء وإدارة العلامات التجارية للمنتجات والخدمات والمنظمة.

إدارة علاقات العملاء (CRM): تطوير كيفية تواصل الشركة مع المستهلكين.

ومع ذلك، لا يُعرف الكثير عن مجموعات المهارات الأساسية التي تدعم كل واحدة من هذه القدرات، وتشير أبحاثنا إلى أن تطور هذه القدرات مرتبط بالزمن، وغالبًا ما يتمحور حول ثلاثة أنواع من العلاقات التسويقية بين الشركات والمستهلكين: المعاملات، والعلاقات الفردية، والشبكات. ففي سبعينيات القرن الماضي، كان يُنظر إلى التسويق على أنه سلسلة من المعاملات، أي التبادلات التجارية بين الشركة والمستهلكين. أما في الثمانينيات والتسعينيات، فقد ظهر التسويق بعدّه علاقات طويلة الأمد بين الشركة والمستهلكين، أي نموذج التسويق الفردي أو التسويق بالعلاقات (relationship marketing paradigm). ومؤخرًا، حدد الباحثون نموذجًا جديدًا للتسويق الشبكي (network marketing paradigm) ينبثق من الشبكات الإلكترونية للشركة وسلسلة التوريد (supply chain) والمستهلكين أنفسهم.

ومن خلال هذا التحليل، أنشأنا إطارًا للقدرات التسويقية على شكل مصفوفة تُحدد بمحورين: القدرات الأربع المذكورة أعلاه وأشكال العلاقات التسويقية الثلاثة (انظر: “إطار القدرات التسويقية” Marketing Capabilities Framework).

بناء القدرات التسويقية

في زمن بحثنا، كانت كل من Flutter وBMW علامتين تجاريتين قويتين في أسواقهما الخاصة، وقد تأسستا عبر مزيج تسويقي تقليدي قائم على تمييز المنتج بشكل قوي، وفوائد عاطفية مؤثرة، وخدمة ممتازة. ومع ذلك، واجهت كلتاهما تحديات لم يكن الاعتماد المتزايد على التسويق القائم على المنتج كافيًا لمعالجتها. فقد فرضت الظروف التنافسية المتغيرة ضرورة واضحة لإدارة علاقات المستهلكين بطريقة مختلفة، الأمر الذي تطلب استثمارات في استراتيجية إدارة علاقات العملاء (CRM). ولم يكن أي من فريقي الإدارة واثقًا بأن “أفضل الممارسات” في إدارة علاقات العملاء (CRM) ستكون ملائمة لظروفهما الخاصة، كما لم يشعروا بالثقة في استثمار مبالغ كبيرة في ما كان بالنسبة إليهم شكلًا جديدًا من أشكال العلاقة مع المستهلكين.

منصة Flutter

قدمت Flutter وسيلة عبر الإنترنت تمكّن المستهلكين من التفاوض على الرهانات (وتحديد الاحتمالات) مباشرةً مع مستهلكين آخرين، متجاوزة بذلك محلات المراهنة التقليدية. وكانت Flutter تأمل بأن التفاعل الاجتماعي سيخلق مجتمعًا فريدًا، “يحتجز” مجموعات من المستهلكين ضمنه. وعندما أُطلقت في المملكة المتحدة من خلال مزيج تسويقي جماهيري تقليدي من الإعلان والترويج، جذبت أكبر عدد من المراهنين عبر الإنترنت في السوق. وفي الوقت ذاته، دخل منافس مقره المملكة المتحدة، Betfair، إلى السوق أيضًا. وبدلًا من تشجيع المراهنين على إيجاد مطابقات فردية لرهاناتهم، أنشأت Betfair منصة مراهنة تبادلية مجهولة الهوية، حيث تُجمع رهانات الأفراد (دعم أو معارضة [back or lay]) وتُحل عبر المنصة دون الحاجة لتجزئة الرهانات أو حتى التواصل مع الأطراف الأخرى. وقد نالت المراهنة التبادلية عبر Betfair إعجاب المراهنين الجادين أكثر من نظام Flutter القائم على المطابقة الفردية. وعلى الرغم من امتلاك Flutter عددًا أكبر من المستهلكين، إلا أن حصتها من سوق المراهنة عبر الإنترنت لم تتجاوز 4% بحلول نهاية سنة الإطلاق، مقابل 50% لصالح Betfair. وكانت هذه الحصة المنخفضة مصدر قلق كبير؛ إذ إن الحصة السوقية أمر حيوي للبقاء في هذا القطاع. ويجب أن تكون مواقع المراهنة كبيرة بما يكفي لاستيعاب الرهانات بسرعة؛ فالمراهنون الجادون لا يضيعون وقتهم في المواقع الصغيرة بل يختارون الأكبر أو الأكثر سيولة فورًا. كان على Flutter أن تبني السيولة بسرعة، وقد قررت بالفعل التخلي عن استراتيجيتها القائمة على الشبكات الاجتماعية لصالح منصّة مراهنة تبادلية على غرار Betfair، وكانت على وشك تعزيز استراتيجيتها التسويقية الجماهيرية التقليدية للترويج لهذا التحول في السوق.

عندما تأمل مُديرو Flutter في قدراتهم التسويقية بادئ الأمر، كانوا واثقين من أن قدرات الشركة مزيج من التسويق التبادلي والتسويق الفردي. وكانت استراتيجيتها في إدارة الطلب عند الإطلاق تعتمد على الإعلان الجماهيري والترويج لجذب أكبر عدد من المستهلكين. وركزت الأنشطة التسويقية على الترويج لعروض المنتجات الفردية مثل المراهنة على الخيول والكلاب وكرة القدم، ولم يكن هناك برنامج رسمي لتطوير المستهلكين الأفراد. ولم تبدأ الشركة إلا مؤخرًا في تحديد ومراقبة أنشطة أكبر المراهنين لديها، وكانت Flutter تفكر في المزيد من الاستثمارات المكلفة في التسويق التبادلي لمعالجة تآكل الحصة السوقية.

ولكن عندما بدأ المديرون أنفسهم في دراسة تفاصيل قدراتهم، ظهرت صورة مختلفة تمامًا، فقد اكتشفوا أنهم كانوا يعوضون بشكل فعال عن نقص السيولة لدى Flutter مقارنة بالمنافس الرئيس من خلال إدارة مجتمع المراهنة ككل على الموقع للحفاظ على التوازن بين الداعمين والمعارضين، والفائزين والخاسرين. وأدرك المديرون أنهم طوروا قدرة فريدة على تحديد تأثير المراهنين الكبار والمحترفين على الموقع ككل ومعالجة الآثار المترتبة على السيولة.

ونتيجة لهذه الإدراكات، حدد المديرون صانعي السوق من الخبراء الذين لديهم أتباع شخصيون من المراهنين الآخرين. وقد ارتبطت زيادة نشاط هؤلاء الأشخاص البارزين بزيادة نشاط أتباعهم، وقاد هذا المديرين إلى استنتاج مهم: تنمو أسواق المراهنة عبر تغيرات مفاجئة يقودها نشاط صانعي السوق، وليس عبر خط متصاعد منتظم في عدد المعاملات. وقد أدرك المدير التجاري قائلًا: “إذا استطعت جذب عشرين عميلًا رئيسًا [إلى منتج جديد]، فإنهم يدفعون السيولة، وتدفع السيولة السوق. تحديد هؤلاء الأشخاص وجذبهم أمر بالغ الأهمية، إنهم تقريبًا شركاء في العمل. لا يمكننا تحفيز ذلك، نحن بحاجة إليهم ليحفزوا ذلك [النشاط الجديد]”.

وكانت معرفة Flutter المتراكمة بسلوكات المستهلكين وقضايا إدارة السيولة المتعلقة بصانعي السوق أكثر تقدمًا من منافسيها، وقد تم التحقق من ذلك عبر سلسلة من التجارب. وستُبنى استراتيجية Flutter لإدارة علاقات العملاء (CRM) على هذه المعرفة.

ومع وضوح صورة الموارد التسويقية الحالية والمستقبلية اللازمة لتنفيذ الاستراتيجية، حدد المديرون القدرات التسويقية المستقبلية المطلوبة. وأنتجت هذه العملية إجراءات محددة ناتجة عن استخدام الإطار عبر كل من القدرات الأربع، والتي تتطلب استثمارًا محدودًا، مثل خطط التعاون مع صانعي السوق الرئيسيين، وبرنامج جديد لخدمة العملاء، وإعادة تفعيل لوحة نشر إلكترونية للمستهلكين، وعلاقة عمل جديدة مع تطوير المنتجات. ومن خلال التعرف إلى قدرات إدارة علاقات العملاء (CRM) المهمة لنموذج أعمالها وتقديرها، تمكنت Flutter من تجنب ما كان سيكون بالتأكيد إنفاقًا غير مربح في الحملات التسويقية الجماهيرية وبرامج إدارة علاقات العملاء التقليدية الفردية. وبدلًا من ذلك، تمكنت من توسيع أعمالها باستثمار محدود في التكنولوجيا الجديدة.

جهود المديرين، إلى جانب التعديلات التي أُدخلت على عرضهم، أدّت إلى تحسين الأداء بشكل مذهل، وارتفعت الحصة السوقية لشركة Flutter أكثر من سبعة أضعاف لتصل إلى 30%. وفي هذه المرحلة تحديدًا، اندمجت شركتا Betfair وFlutter لتشكلا أكبر شركة مراهنات إلكترونية في العالم في ذلك الوقت.

شركة BMW (المملكة المتحدة)

تُعد شركة BMW (المملكة المتحدة) المستورد والموزع الحصري لسيارات BMW (بما في ذلك سيارة Mini) والدراجات النارية في المملكة المتحدة، وهي مملوكة بالكامل لشركة BMW AG في مدينة ميونخ. ووفقًا للتشريعات الصادرة عن الاتحاد الأوروبي آنذاك (المعروفة باسم الإعفاء الأوروبي الجماعي European Block Exemption)، لم يكن لأي شركة أخرى الحق في استيراد سيارات BMW إلى المملكة المتحدة، كما لم يكن يُسمح لشركة BMW (المملكة المتحدة) ببيع السيارات مباشرةً للمستهلكين؛ إذ كانت جميع السيارات تُباع من خلال شبكة وكلاء مرتبطة بعقود رسمية.

كان الاتحاد الأوروبي يراجع الإعفاء الجماعي، وقد قبل مديرو شركة BMW (المملكة المتحدة) بأن توزيع السيارات سيصبح أكثر تحررًا، غير أنهم لم يكونوا متأكدين من مدى هذا التحرير وتأثيره المحتمل. فقد رأى بعضهم أن التحرير سيؤدي إلى ظهور المزيد من الوكالات وأنواع جديدة ومبتكرة من قنوات التوزيع، وكل ذلك سيؤدي إلى انخفاض هوامش أرباح شركة BMW (المملكة المتحدة). وإلى جانب التغييرات المحتملة في التوزيع، كان المديرون يدرسون تأثير الإنترنت على سلوك المستهلكين الشرائي. فهل ستجعل التغيرات في سلوك الشراء لدى المستهلكين شبكة وكلاء BMW (المملكة المتحدة) عديمة الجدوى؟

كانت شركة BMW AG تدرس استثمارًا ضخمًا في إدارة علاقات العملاء العالمية (CRM)، في حين أن BMW (المملكة المتحدة) كانت قد بدأت برنامجها الخاص قبل ثلاث سنوات، لكنه لم يكن مكتمل التطوير ولا مستخدمًا بالشكل الأمثل. وقد كان المديرون في المملكة المتحدة مترددين بشأن المزيد من الاستثمار، إلا أن القسم كان يواجه معضلة: هل ينبغي لشركة BMW (المملكة المتحدة) أن تجعل برنامجها الحالي ناجحًا قبل الشروع في هذا المشروع الجديد الأكثر طموحًا، أم عليها أن تتخلى عن برنامجها الحالي لتشارك بالكامل في المبادرة العالمية الجديدة؟

وبالتوازي مع هذه المخاوف، أدرك مديرو BMW (المملكة المتحدة) أنهم يعرفون القليل جدًّا عن مستهلكيهم في المملكة المتحدة، باستثناء البيانات الواردة في عقد البيع الأصلي ومعلومات الضمان؛ إذ كان تقريبًا كل اتصال مع المستهلكين يتم عبر شبكة الوكلاء. ومع ذلك، لم تكن المعلومات التي يحتفظ بها الوكلاء تُشارك أو تُستخرج مركزيًّا بشكل منهجي في ذلك الوقت. وبينما كان قسم التسويق في المملكة المتحدة يجري استطلاعات منتظمة حول الرضا وصورة العلامة التجارية وتجربة الخدمة، فإن ذلك كان ينتج بيانات مجمعة عن المستهلكين ولم يوفر فهمًا عميقًا لدوافع وسلوك المستهلك الفردي. ولهذا، شعر المديرون بأنهم معرضون للخطر إذا تغيرت بيئة التوزيع بشكل جذري. وبالمثل، كان المديرون قلقين من أنهم لا يملكون قدرات التسويق بالعلاقات اللازمة لإدارة المستهلكين مباشرة عبر قنوات متعددة في السوق. وقد عُدّ نظام إدارة علاقات العملاء (CRM) وسيلة لتقليل تلك المخاطر، وتعزيز ولاء المستهلكين، وزيادة معدل إعادة الشراء.

وقد أدت دراسة المديرين لقدراتهم التسويقية إلى ظهور سيناريوهين، لكل منهما آثار مختلفة جذريًّا على قدرات إدارة علاقات العملاء (CRM) وبالتالي على توجهات الاستثمار فيها. ففي السيناريو المحافظ، تبقى شبكة الوكلاء القناة المهيمنة في السوق، وتحتاج شركة BMW (المملكة المتحدة) فقط إلى تطوير بعض عناصر القدرات الفردية لدعم حضور محدود على الإنترنت يتوافق مع توقعات مستهلكي BMW للوصول المباشر إلى الشركة.

أما في السيناريو الجذري الذي وضعه المديرون، فإن العلاقات عبر الإنترنت ستغير سلوك المستهلكين، وستحرر التشريعات الأوروبية توزيع السيارات بشكل كبير، وسيكون هناك هامش ربح كافٍ في التوزيع لجذب المزيد من الاستثمارات. وستشجع القنوات الجديدة منخفضة التكلفة والأكثر تفاعلًا على انتقال جذري من التسويق المعاملاتي في كل واحدة من القدرات الأربع. ومع ذلك، كان خلق المعرفة التسويقية حول المستهلكين الأفراد يُعدّ الركيزة الأساسية التي تعتمد عليها جميع القدرات الأخرى. فلم يكن المديرون قادرين حتى على تصور كيف يمكنهم تطوير قدرات شركة BMW (المملكة المتحدة) في إدارة الطلب أو العلامة التجارية أو إدارة العملاء دون معرفة تفصيلية بدوافع السائقين الأفراد وسلوكاتهم الشرائية وحتى الشبكات المؤثرة التي قد تؤثر في قراراتهم. وحتى عندما تخيلوا أنهم قادرون على تحديد المستهلكين ذوي القيمة العالية والتواصل معهم، وجد المديرون صعوبة في تصور كيفية استخدام تلك المعرفة للتأثير في سلوك المستهلكين وزيادة المبيعات.

وقد وصل مديرو شركة BMW (المملكة المتحدة) إلى نقطة حاسمة في مناقشاتهم، وظل هناك خلاف جوهري حول التطبيق العملي للرؤية الاستهلاكية التي ستنتج عن أي قدرات مستقبلية للتسويق الفردي أو الشبكي. وكانت الرؤية الناشئة أنهم بمجرد تجاوزهم للوعود العامة لنظام إدارة علاقات العملاء (CRM)، لم يتمكنوا بعد من تصور كيف سيضيف ذلك قيمة لشركة BMW (المملكة المتحدة) أو لسائق BMW. ومن دون مستوى أكثر تقدمًا من القدرات التسويقية الفردية أو الشبكية التي تمكّنهم من إصدار هذا الحكم، لم يكن المديرون قادرين حتى على تصور –فضلًا عن تنفيذ– برنامج استثمار منطقي في نظام إدارة علاقات العملاء (CRM).

وقد كان الجمود الذي وصل إليه مديرو BMW (المملكة المتحدة) بشأن الاستثمار في قدرات وموارد تسويقية جديدة ذا عواقب عميقة على استثمارات إدارة علاقات العملاء (CRM). فبدلًا من الاستثمار الفوري واسع النطاق في التكنولوجيا الجديدة، تم الاتفاق على سلسلة من الاستثمارات الصغيرة التي تهدف إلى تطوير موارد وقدرات إدارة علاقات العملاء (CRM) القائمة لدى الشركة البريطانية إلى مستوًى يمكنها من اتخاذ قرار حول جدوى المزيد من الاستثمار.

دلالات الاستثمار في إدارة علاقات العملاء (CRM) والقدرات التسويقية

تظهر من بحثنا أربع رؤًى رئيسة للمديرين المسؤولين عن قرارات الاستثمار في إدارة علاقات العملاء (CRM) في شركاتهم:

القدرات هي المقدم الأساسي للاستثمار في إدارة علاقات العملاء (CRM)، وليست نتيجة له. وتظهر نتائج بحثنا بوضوح أنه إذا لم تُطوَّر القدرات التسويقية المناسبة، فلن يتحقق سوى عائد ضئيل أو معدوم من الاستثمارات الموجهة إلى إدارة علاقات العملاء (CRM). وتشير الأدلة المستخلصة من شركتي Flutter وBMW إلى أن نقطة الانطلاق للاستثمار المربح في إدارة علاقات العملاء تكمن في تطوير القدرات التسويقية قبل الشروع في استثمارات رأسمالية ضخمة في الموارد، ولا سيما تقنيات إدارة علاقات العملاء (CRM technologies).

لقد حققت شركة Flutter نجاحًا تجاريًّا من خلال انتقالها السريع من العلاقات المعاملاتية إلى العلاقات الفردية، وأخيرًا إلى التسويق الشبكي، وذلك قبل استثمارها مبالغ صغيرة نسبيًّا في أنظمة إدارة علاقات العملاء (CRM systems). وغالبًا ما أضافت الشركة منظورًا إداريًّا جديدًا إلى توظيف الموارد القائمة، مما أتاح لها تحقيق استفادة أكبر منها. وقد كان هذا مناسبًا لشركة Flutter، بعدّها شركة ناشئة في قطاع الإنترنت لا ترغب في “حرق” المزيد من سيولتها الثمينة على حلول إدارة علاقات العملاء (CRM solutions).

أما شركة BMW AG فبدأت من موقف معاكس، فقد قررت على مستوى العالم أن تطلب من شركاتها الوطنية العاملة إجراء استثمارات رأسمالية كبيرة في إدارة علاقات العملاء (CRM). ولم تستطع الشركة في المملكة المتحدة تصور كيفية تحقيق عائد كافٍ على مثل هذا الاستثمار، ولم تكن راغبة في الاعتماد على فوائد محتملة غير معروفة بعد من نظام إدارة علاقات العملاء (CRM system). وكان من شأن أي دراسة جدوى أن تكون اعتباطية ونظرية، وبالنسبة إلى شركة BMW (UK)، فإن دراسة جدوى الاستثمار في إدارة علاقات العملاء ستكون رؤية متطورة تستند إلى فهم متزايد باستمرار لكيفية استجابة المستهلكين لمبادرات العلاقات المباشرة الجديدة.

ومع تطور قدرات إدارة علاقات العملاء عبر تعلم المديرين من الخبرة الواقعية في أسواقهم، تصبح دراسة الجدوى والمواصفات الدقيقة لموارد إدارة علاقات العملاء أكثر وضوحًا. علاوة على ذلك، فإن عملية التعلم التي تدعم تطوير هذه القدرات تعني أنه حين تكتسب الشركة موارد جديدة مهمة في إدارة علاقات العملاء، سيكون لديها فريق من الأشخاص المهرة وذوي المعرفة جاهزين لتحقيق أقصى استفادة منها. ونقترح أن تستثمر الشركات بما يكفي وراء استراتيجية إدارة علاقات العملاء الجديدة لتعزيز التعلم والتطوير أو التجريب الكافي الذي ينقلها إلى قرار الاستثمار التالي: هل تستثمر في تقنية جديدة رئيسة لإدارة علاقات العملاء، أم تعزز العمليات والأنظمة القائمة؟ ومن خلال تأجيل الاستثمارات الضخمة في حلول إدارة علاقات العملاء الكبرى حتى تُثبت جدوى العمل بوضوح وتظهر قدرات فريق إدارة علاقات العملاء التسويقية، تقل المخاطر المالية والتجارية، وتخصص الاستثمارات الكبيرة فقط للأفكار والفرق المثبتة.

وتختلف وتيرة تطور القدرات بين الشركات؛ إذ إن معدل التعلم التنظيمي –وليس حجم ميزانية إدارة علاقات العملاء– هو الذي يحدد سرعة تغيير الشركات لطريقة تعاملها مع المستهلك، وهو ما يرتبط بدوره بطول دورة شراء المستهلك. فقد انتقلت Flutter عبر سلسلة القدرات كاملة خلال عام واحد، في حين كانت BMW (UK) قد أجرت أول استثمار رسمي في إدارة علاقات العملاء قبل ثلاث سنوات وقررت المضي قدمًا ببطء مستقبلًا. أما المقامرون الجادون الذين تستهدفهم Flutter فكانوا يوجدون على الموقع عدة مرات يوميًّا، كل يوم. وقد تمكن مديرو Flutter من تجربة مبادرات خدمة العملاء، وصفقات مواقع الشركاء وغيرها، وقياس الأثر بسرعة على سيولة الموقع وحجم التداول. وكان فريق صغير قادرًا على الانخراط في دورات سريعة من التعلم والتنفيذ. وعلى النقيض من ذلك، من الراجح أن تحدث التغيرات في القدرات التسويقية لدى BMW ببطء، نظرًا لدورة إعادة الشراء النموذجية التي تستغرق ثلاث سنوات. ومن ثم، فإن أثر التغيرات في النشاطات التسويقية لن يتضح إلا على مدى فترة زمنية ممتدة.

ينبغي للمديرين أن يكونوا واقعيين بشأن كل من مستوى العائد والوقت اللازم لتطوير القدرات الجديدة. وتجربتنا تشير إلى أن برامج إدارة علاقات العملاء غالبًا ما تُصمم لتحقيق أفق قصير الأجل لدراسة الجدوى، مما يحرم المسؤولين عن تنفيذ إدارة علاقات العملاء من الوقت اللازم للانخراط في دورات التعلم والتأمل، وبدلًا من ذلك، هناك ميل لتطوير تدفقات نقدية مستقبلية تشير إلى عائد فوري. وفي مثل هذه الظروف، تصبح إدارة علاقات العملاء مجرد ترويج للمبيعات مدعوم بالتقنية.

ولا يمكن دائمًا دفع إدارة علاقات العملاء من الأعلى إلى الأسفل، فقبل أي نقاش حول الاستثمار في إدارة علاقات العملاء، يجب على الإدارة العليا، بطبيعة الحال، أن تتوصل إلى قناعة بأن إدارة شرائح العملاء المختلفة عبر علاقات متنوعة هي الاستراتيجية الصحيحة لهم. غير أن فهم قدرات إدارة علاقات العملاء والقدرة على تطويرها أمر ناشئ وليس واضحًا مباشرة؛ لذا لا يكون من الممكن دائمًا السير في تسلسل استراتيجي تقليدي خطي من التحليل إلى وضع الاستراتيجية إلى دراسة الجدوى ثم اقتناء الموارد الجديدة فالتنفيذ فالتقييم.

وفي حالة Flutter، كان تطوير قدرات إدارة علاقات العملاء ثمرة تعلم المديرين ودورات التنفيذ والتحليل. في البداية، يصعب على المديرين رؤية إلى أين ستقودهم تلك الدورات؛ فهم لا يعرفون ما الذي ينبغي تعلمه بعد. ومع مرور الوقت، أصبح مديرو Flutter أكثر كفاءة وسرعة في التعرف إلى المستهلكين، وتمكنوا من الانتقال بسرعة عبر سلسلة العلاقات التسويقية. أما BMW (UK)، فلم تبدأ بعد في تلك العملية التعليمية، ومن ثم لم تستطع الاتفاق على برنامج استثمار مربح في إدارة علاقات العملاء. ويمكن للإدارة العليا توفير المال والبرمجيات والسلطة لإنشاء برنامج إدارة علاقات العملاء، لكن مثل هذا الاستثمار يجب أن يستند إلى دورات التعلم المستمدة من فهم المستهلك.

إذا كانت استراتيجية الاستثمار في إدارة علاقات العملاء (CRM) قائمة على القدرات، فإن ذلك يستلزم أن يتولى المديرون المسؤولون مباشرة عن فهم المستهلكين وإدارة علاقاتهم قيادةَ عمليتي التعلم وتحديد الموارد اللازمة للاستثمار في إدارة علاقات العملاء. وينبغي للإدارة العليا أن تشجع فرق مديري علاقات المستهلكين على التجربة، ثم تراقب مدى تقدم كل فريق في تحقيق أهدافه. ويمكن لهذه الفرق العودة إلى الإدارة العليا عندما تحتاج إلى استثمارات إضافية أو تغييرات تنظيمية لدعم المزيد من التعلم وتطوير برامج إدارة علاقات العملاء الخاصة بها. وينبغي للشركات ألا تستثمر مبالغ كبيرة في إدارة علاقات العملاء إلا عندما يقل مستوى المخاطرة.

يجب على الإدارة العليا أن تضمن قدرة المؤسسة على دعم هذا النهج التطوري في اتخاذ قرارات الاستثمار في إدارة علاقات العملاء. ونرى أن الشركات ذات الهيكلية المحكمة، التي تتبع أسلوب القيادة والسيطرة (command-and-control) وتطالب بإعداد دراسة جدوى شاملة قائمة على الأدلة في وقت مبكر جدًّا من عملية تطوير إدارة علاقات العملاء، ستعيق دورات التعلم والعمل التي تمكن المديرين التنفيذيين من توجيه استثمارات إدارة علاقات العملاء بذكاء من خلال التجربة والتقييم؛ لذلك، وبدلًا من السعي وراء هيكل تنظيمي معين يعزز إدارة علاقات العملاء، نعتقد أن ثقافة تنظيمية تتسامح مع التجربة ستكون أكثر نجاحًا في بناء قدرات جديدة في هذا المجال.

إن تطوير القدرات التسويقية يتطلب عملًا جادًا والتزامًا حقيقيًّا، ولعل أكثر ما يدعو للتفاؤل في نتائج بحثنا هو أن القدرات التسويقية المرتبطة بإدارة علاقات العملاء ليست صندوقًا أسود يصعب فهمه، بل يمكن تطويرها من خلال التعلم الواعي والموجه نحو تحقيق الأهداف من قبل المسؤولين عن إدارة علاقات العملاء.

لقد شاركت إدارة التسويق في شركة Flutter بشكل مباشر في تفاصيل إدارة علاقات العملاء، من خلال فهم سلوك كل مراهن فردي وتحديد صانعي السوق الرئيسيين وشبكات متابعيهم. وكانوا يراقبون سيولة الموقع باستمرار، ويعدّلون تدفق الزوار إلى الموقع قدر الإمكان لضمان توازن بين عمليات الدعم والمراهنة، والفوز والخسارة، وقد تحقق ذلك عبر مختلف منتجات الرهان. ولم يكونوا يكتفون بمعرفة سلوك المستهلكين فحسب، بل كانوا يعرفون مستهلكيهم معرفة شخصية. أما شركة BMW (UK) فكانت تقليديًّا تعتمد على بيانات الاستبيانات لمعرفة المستهلكين، دون أن تعرفهم معرفة مباشرة. وقد أدركت أنه لكي تطور قدراتها في التسويق الفردي، كان عليها أولًا أن تستعيد علاقاتها مع المستهلكين وتدير تفاعلهم داخليًّا، حتى تبدأ “الحديث” مع كل مستهلك على حدة وتتعلم من تلك التجربة.

قيادة التغيير الجذري – بالصبر

فلماذا إذن تفشل العديد من الشركات الكبرى، التي تُدار بشكل جيد وتملك موارد وفيرة، في تحقيق عائد كافٍ على استثماراتها في إدارة علاقات العملاء؟ نرى أن السبب يكمن في أن هذه الشركات الرائدة، بفضل وفرة مواردها، تندفع بسرعة كبيرة نحو استثمارات ضخمة في إدارة علاقات العملاء المعتمدة على تكنولوجيا المعلومات، مدفوعة بإغراء “أفضل الممارسات” وموضة الإدارة. وعلى نحو ما، تُنسى القدرات اللازمة لدعم هذه الاستثمارات؛ لذا يحتاج الفريق القيادي إلى الصبر والشجاعة ليتجنب الحلول العالمية “المرتبة”، ونماذج أفضل الممارسات التي يقدمها الاستشاريون، وتفضيله الشخصي لتحقيق نتائج فورية، وذلك من خلال إتاحة الفرصة لتطوير القدرات التسويقية لتقود استثمارات إدارة علاقات العملاء.

المراجع

1. Marketing is indeed hard on itself, perhaps more so than any other function in business, and particularly on the issue of marketing accountability. See M. McDonald, “Marketing: Priority Case for a Reality Check,” Marketing Review 3, no. 3 (2003): 253-271. Despite such harsh self-critique, a growing body of high-quality research links marketing activities to business performance and increased market capitalization. A recent exemplar of this research is S. Srinivasan, K. Pauwels, J. Silva-Risso and D. Hanssens, “New Products, Sales Promotions, and Firm Value: The Case of the Automotive Industry,” Journal of Marketing 68 (Oct. 2004): 142-156.

2. J.N. Sheth and R.S. Sisodia, “Revisiting Marketing’s Lawlike Generalizations,” Journal of the Academy of Marketing Science 27, no.1 (winter 1999): 71-87.

3. J. Hagel and M. Singer, “Net Worth: Shaping Markets When Customers Make the Rules” (Boston: Harvard Business Press, 1999).

4. See A. Payne and P. Frow, “A Strategic Framework for Customer Relationship Management,” Journal of Marketing 69 (2005): 167-176. The estimates of the CRM solutions market are cited from A. Payne, “Handbook of CRM: Achieving Excellence Through Customer Management” (Oxford: Butterworth-Heinemann, 2006). Payne and Frow define CRM in the context of a continuum. The broad, strategic definition of CRM is a “holistic approach to managing customer relationships to create shareholder value,” whereas the narrow definition is about the “implementation of a specific technology solution.” In between the two extremes is the mainstream definition of CRM as “the implementation of an integrated series of customer-oriented technology solutions.”

5. See A.R. Zablah, D.N. Bellenger and W.J. Johnston, “Customer Relationship Management Implementation Gaps,” Journal of Personal Selling & Sales Management 24, no. 4 (fall 2004): 279-295. Zablah et al. provide a meta review of CRM’s very mixed results. In their article they refer to a study by Gartner Group from which we cite our failure rate. Their study is said to be the most authoritative.

6. Information systems scholars are very clear that it is the ability to leverage technology rather than the technology per se that generates competitive advantage; the technology can be bought by anyone, but only a few companies really leverage it effectively. See A. Hughes and M.S.S. Morton, “The Transforming Power of Complementary Assets,” MIT Sloan Management Review 47, no. 4 (summer 2006): 50-58; and J. Peppard, J. Ward and E.M. Daniel, “Managing the Realization of Business Benefits from IT Investments,” MIS Quarterly Executive 6, no. 1 (2007): 1-11. Strategy scholars make similar claims; see M. Zollo and S.G. Winter, “Deliberate Learning and the Evolution of Dynamic Capabilities,” Organization Science 13, no. 3 (June 2002): 339-351; and R. Sanchez and A. Heene, “Reinventing Strategic Management: New Theory and Practice for Competence-Based Competition,” European Management Journal 15, no. 3 (June 1997): 303-317.

7. R. Makadok, “Toward a Synthesis of the Resource-Based and Dynamic-Capability Views of Rent Creation,” Strategic Management Journal 22, no. 5 (2001): 387-402.

8. Zollo and Winter, “Deliberate Learning.”

9. Tacit knowledge is a foundational concept in the resource-based view of the company. Competitive advantage is derived from the combination of company-specific assets (e.g., brands, distribution networks) developed in step with dynamic capabilities to create inimitable resources. The dynamic capabilities result from organizational routines, how-we-do-things-around-here, that distinguish one company from its competitors and are based in employees’ tacit knowledge. Because this knowledge is tacit, competitors cannot acquire it; if they could, the resource would no longer be inimitable. This sets up one of the great challenges for management: How does one manage and leverage that which is tacit in order to develop competitive advantage? A means of addressing this challenge, the importance of which is widely discussed in the literature, is presented by the authors in this paper. See A.W. King, S.W. Fowler and C.P. Zeithaml, “Managing Organizational Competencies for Competitive Advantage: The Middle-Management Advantage,” Academy of Management Executive 15, no. 2 (May 2001): 95-106; D.J. Teece, G. Pisano and A. Shuen, “Dynamic Capabilities and Strategic Management,” Strategic Management Journal 18, no. 7 (August 1997): 509-533; and N.K. Kakabadse, A. Kouzmin and A. Kakabadse, “From Tacit Knowledge to Knowledge Management: Leveraging Invisible Assets,” Knowledge and Process Management 8, no. 3 (July-September 2001): 137-154.

10. CSC, pioneers in re-engineering, found that overwhelmingly, IT-process-led re-engineering was led by the IT function. In none of the companies it surveyed did marketing lead a re-engineering program. See CSC Index, “State of Reengineering Report” (Cambridge, Massachusetts: 1994). IT should not lead large change projects alone; see M. Sumner, “Risk Factors in Enterprise-Wide/ERP Projects,” Journal of Information Technology 15, no. 4 (December 2000): 317-327; and T.H. Davenport, “Mission Critical: Realizing the Promise of Enterprise Systems” (Boston: Harvard Business Press, 2000).

11. The strategy literature makes a clear distinction between individuals’ skills and abilities and the concept of the organization’s capabilities; see the references for Teece et al., “Dynamic Capabilities” and Zollo and Winter, “Deliberate Learning.” For a knowledge-based perspective on this issue, see R.M. Grant, “Toward a Knowledge-Based Theory of the Firm,” Strategic Management Journal 17, Special Issue (winter 1996): 109-122.

12. P. Kotler, “A Generic Concept of Marketing,” Journal of Marketing 36, no. 2 (April 1972): 46-54.

13. D. Peppers and M. Rogers, “The One to One Future” (London: Piatkus, 1994).

14. C. Shapiro and H.R. Varian, “Information Rules: A Strategic Guide to the Network Economy” (Boston: Harvard Business Press, 1999).

15. R.S. Achrol and P. Kotler, “Marketing in the Network Economy,” Journal of Marketing, 63 (Special Issue 1999): 146-163.

16.  Further explanation of the research behind this analysis can be found in S. Maklan and S. Knox, “Dynamic Capabilities: The Missing Link in CRM Investments,” European Journal of Marketing 43, no. 11/12 (2009): 1392-1410.

17. To “back,” for example, the New York Yankees to win the World Series, one would bet that they will win. To “lay” that bet, one would bet that they do not. Traditional bookmakers laid bets while ordinary bettors backed. Online exchanges allowed private bettors to lay bets for the first time.

18. G. Wood, “Flutter’s Departure Leaves Bitter Taste,” Guardian, Jan. 16, 2002.

19. S. Maklan, S. Knox and L. Ryals, “Using Real Option to Help Build the Business Case for CRM Investment,” Long Range Planning 38, no. 4 (August 2005): 393-410.

i. K.M. Eisenhardt, “Building Theories from Case Study Research,” Academy of Management Review 14, no. 4 (October 1989): 532-550.

ii.  The integration of business processes around the needs of individual customers or customer segments as a means of delivering the brand is discussed by M. Christopher, A. Payne and D. Ballantyne, “Relationship Marketing: Strategy and Implementation” (Oxford: Butterworth-Heinemann, 1999); D. Peppers and M. Rogers, “Enterprise One-to-One: Tools for Competing in the Interactive Age” (New York: Currency Doubleday, 1997); and J.N. Sheth, R.S. Sisodia and A. Sharma, “The Antecedents and Consequences of Customer-Centric Marketing,” Journal of the Academy of Marketing Science 28, no.1 (winter 2000): 55-66.

مقالات ذات صلة