ألـدن م. هاياشي
على الرغم من أن معظم الشركات الكبرى تجمع بشكل روتيني بيانات عن معدل دوران الموظفين، ونفقات المزايا، وتكاليف التدريب، وما إلى ذلك، إلا أنها نادرًا ما تعلن عن تلك المعلومات للعموم. غير أن ذلك قد يكون خطأً، كما يزعم فابيين أوتييه، الأستاذ المشارك في إدارة الموارد البشرية، ورودولف دوران، الأستاذ المشارك في الاستراتيجية، وكلاهما من كلية إي. إم. ليون (E.M. Lyon) في فرنسا، وستيفن غيتس، الباحث الرئيسي في مجلس المؤتمر (Conference Board) في باريس. ويؤكد الباحثون أن على الشركات أن تنشر بانتظام الإحصاءات المتعلقة بالموارد البشرية، تمامًا كما تفعل بالنسبة للبيانات المالية مثل تكاليف التشغيل ونفقات البحث والتطوير (Research and Development).
وقد وردت هذه النتائج وغيرها في ورقة بحثية صادرة في ديسمبر 2002م بعنوان: “هناك ما هو أكثر من الطهو من مجرد قراءة الوصفة: الحجة من أجل الإفصاح عن معلومات الموارد البشرية”. ولأجل هذا البحث، أجرى المؤلفون مسحًا عالميًّا، شمل 102 شركة دولية مقرها في أوروبا والولايات المتحدة. وكشفَت الدراسة أنه على الرغم من أن الشركات تجمع قدرًا متزايدًا من بيانات الموارد البشرية، إلا أن أقل من 10% منها تفصح عن تلك المعلومات علنًا. أما الشركات التي لا تفعل ذلك، فكان السبب الرئيس الذي أوردته هو رغبتها في إبقاء معلومات الموارد البشرية سرية عن المنافسين، وذلك أساس لمنعهم من تقليد أفضل الممارسات لديها في جذب الموظفين الموهوبين والاحتفاظ بهم.
ويرى المؤلفون أن هذا الخوف لا أساس له في الغالب، فهم يجادلون بأن رأس المال البشري، بخلاف الموارد التقليدية الأخرى مثل الأرض والمعدات، يصعب تقليده بنجاح؛ لأنه متجذر في أنظمة اجتماعية معقدة. لذا، حتى لو علمت شركة منافسة تفاصيل عن خصائص القوة العاملة لشركة أخرى، أو مستوى إنفاقها على التدريب، وما إلى ذلك، فإن تلك المعلومات لن تمنحها بالضرورة أي ميزة تنافسية. وبعبارة أخرى، عندما يتعلق الأمر بالموارد البشرية، قد يعرف المنافسون المكونات والوصفة، لكن ذلك لا يعني أنهم سيتمكنون تلقائيًّا من إعداد الطبق ذاته.
ومن ثم، يرى المؤلفون أن الشركات التي تملك سياسات ناجحة في مجال الموارد البشرية، لديها الكثير لتكسبه من الإفصاح عن تلك المعلومات. فمن ناحية، ستُمكنها السمعة المعززة من جذب موظفين وشركاء أعمال أفضل. كما أن الإفصاح قد يجلب منافع ملموسة في سوق الأسهم؛ فبعض المساهمين -مثل: صناديق تقاعد النقابات، وصناديق تقاعد الموظفين العموميين، والمستثمرين ذوي المسؤولية الاجتماعية- قد يُقبلون على أسهم الشركات التي يُنظر إليها على أنها تعامل موظفيها بشكل جيد، مما يؤدي إلى زيادة القيمة السوقية لتلك الشركات. كما أن المؤسسات المعروفة بسياساتها التقدمية في الموارد البشرية -مثل التزامها القوي بترقية النساء والأقليات إلى المناصب التنفيذية- ستكون أقدر على مواجهة الأزمات الإعلامية؛ إذ تكون قد راكمت رصيدًا من حسن النية لدى الجمهور.
ورغم هذه المزايا المحتملة، فقد ظلّت الشركات في الغالب صامتة بشأن موضوع الموارد البشرية، حتى في ظل تزايد الضغط للانفتاح، فقد ذكر أكثر من ثلث المشاركين في الاستطلاع، أن المستثمرين قد طلبوا منهم مؤخرًا بيانات محددة عن الاحتفاظ بالموظفين، والتعويضات، وما إلى ذلك، لكن، على الأقل في الوقت الراهن، فإن الحوافز المتصورة للامتثال لا تزال محدودة، لا سيما وأن الإفصاح عن معلومات الموارد البشرية ليس موحدًا ولا إلزاميًّا، باستثناء فرنسا وبلجيكا وبعض الدول الأخرى.
ومع ذلك، فقد جعلت بعض المؤسسات من نشر بيانات الموارد البشرية سياسة رسمية لها، فشركات أوروبية مثل سكانديا (Skandia)، وهي شركة تأمين سويدية، وبنك بي إس سي إتش (BSCH)، أكبر بنك في إسبانيا، تنشر “بيانات رأس المال الفكري” (intellectual capital statements) كمكمل لتقاريرها السنوية، وغالبًا ما يُتحقَّقُ من صحة تلك المعلومات، من قبل مدققين خارجيين مستقلين. أما في الولايات المتحدة، فإحدى الشركات التي كانت منفتحة بشكل خاص في هذا المجال، هي شركة بن آند جيري (Ben & Jerry’s). ففي عام 2001م، نشرت شركة صناعة المثلجات التي تتخذ من فيرمونت مقرًّا لها تفاصيل عن نفقات المزايا لكل موظف ($10,892)، والراتب المبدئي ($31,254 شاملًا المزايا والمكافآت)، ونسبة أعلى راتب إلى أدنى راتب (16)، والتوازن بين الجنسين في القوة العاملة (60% ذكور و40% إناث)، وكيفية شغل الوظائف الشاغرة (40% من المرشحين الداخليين)، وعدد الإصابات في منشآتها (28)، وإجمالي وقت العمل الضائع بسبب تلك الحوادث (194 يوم عمل).
لكن، هل هناك ما يُسمى بالإفصاح المفرط؟ تحديدًا، هل قد يؤدي نشر تفاصيل دقيقة عن القوة العاملة في الشركة، إلى جعل المؤسسة أكثر عرضة لدعاوى قضائية متعلقة بالموارد البشرية، مثل قضايا التمييز؟ هذا السؤال يثير قلقًا خاصًّا لدى الشركات في الولايات المتحدة، نظرًا لوجود النقابات القوية وبيئة التقاضي النشطة في البلاد. ويذكر المؤلفون أن المزيد من البحث سيساعد في وضع إرشادات وقواعد عامة، تمكّن الشركة من تحديد بيانات الموارد البشرية، التي ينبغي لها الإفصاح عنها (وتلك التي لا ينبغي)، وذلك في ضوء أهداف واستراتيجية المؤسسة طويلة الأمد.
