ترجمة: فطيم العبادي
باتريشيا أ. بانكس
بالرغم من زيادة مطالب الموظفين والمستثمرين والمجتمعات بالشفافية في القضايا البيئية والاجتماعية والحوكمة، يظل العمل الخيري مجالًا يُتجاهَل غالبًا، ويكتنفه الغموض بشكل كبير في أنشطة الشركات. وهذه ليست مسألة بسيطة؛ ففي الولايات المتحدة وحدها، يُقدَّر أن التبرعات الخيرية للشركات تجاوزت مليارات الدولارات.
لفهم أبعاد هذه المشكلة ودور الإفصاحات في العمل الخيري للشركات فهمًا أوسع، درستُ الشفافية في المؤسسات الخيرية التابعة للشركات المدرجة في قائمة (Fortune 500). رغم أن هذه المؤسسات تمثل فقط جزءًا صغيرًا من العمل الخيري للشركات، فإنها تعكس الحالة العامة للشفافية في هذا المجال عبر عالم الأعمال. كشفت الدراسة عن التحديات التي تواجه القادة وأصحاب المصالح في تقييم فاعيلة هذه التبرعات، وضمان المساءلة عنها، والاستفادة الكاملة من قيمتها بالنسبة للمتبرعين والمستفيدين.
جيوب غامضة في المؤسسات الخيرية للشركات
تشغّل ٦٧ شركة من Fortune 500 مؤسسات خيرية خاصة نشطة. عام ٢٠١٩، بلغ إجمالي التبرعات المقدمة من هذه المؤسسات ما يقارب ٥ مليارات دولار، وُجهت إلى مجموعة متنوعة من القضايا مثل:
• الصحة والخدمات الاجتماعية
• التنمية المجتمعية والاقتصادية
• التعليم
• الشؤون المدنية والعامة
• الفنون والثقافة
• البيئة
• الإغاثة في حالات الكوارث
لكن لا يوجد مجموعة شاملة من اتفاقيات الإفصاح للمؤسسات التي ترعاها الشركات ضمن أي من المعايير الدولية الرئيسية، مثل إطار العمل للتقارير المستدامة الصادر عن مبادرة التقرير العالمي (Global Reporting Initiative). بالمقابل، هناك اتفاقيات إفصاح مفصلة للمؤسسات غير الربحية، مثل:
• وجود قاعدة بيانات للتبرعات قابلة للبحث
• مشاركة قائمة تبرعات مصنفة
• إتاحة نماذج الإقرار الضريبي (990-PF)، التي تتضمن تفاصيل المبالغ الممنوحة وأسماء المستفيدين عبر المواقع الإلكترونية.
كشفت تحليلاتي لمواقع الويب الخاصة بالمؤسسات والشركات المدرجة بهذه القوائم السنوية لمجلة فورتشن ١٠٠ التي أظهرت تقارير المؤسسات والمسؤولية الاجتماعية للشركات أن الغالبية العظمى من الشركات لا تلتزم بتطبيق أي من بروتوكولات الشفافية الثلاثة، وهي: إتاحة قاعدة بيانات منح قابلة للبحث، أو نشر قائمة منح مصنفة، أو توفير نماذج 990-PF (إقرار ضريبي خاص بالمؤسسات الخاصة) عبر الإنترنت. إذ لا تتجاوز نسبة الشركات التي تتيح قاعدة بيانات منح قابلة للبحث 4.5%، بينما تقتصر نسبة الشركات التي تنشر قوائم منح مصنفة أو تتيح الوصول الإلكتروني إلى نماذج 990-PF على 7.5% فقط لكل منهما.
توضح هذه النتائج الحاجة الماسة لتحسين الشفافية في العمل الخيري للشركات لضمان المساءلة وتعظيم الفوائد لكلا الطرفين: المتبرعين والمستفيدين.
قضية التبرعات لتحقيق العدالة العرقية
من بين المشكلات التي يسببها هذا الافتقار إلى الشفافية عدم قدرة أصحاب المصلحة على تقييم تأثير المؤسسات التابعة للشركات. على سبيل المثال، منذ انتفاضات حركة ”حياة السود مهمة”عام 2020،أُبلغ على نطاق واسع عن تبرعات الشركات لتحقيق العدالة العرقية. مع ذلك، فإن الافتقار إلى الشفافية في تبرعات الشركات يجعل من الصعب للغاية تقديم حساب كامل ودقيق للمنح المخصصة للعدالة العرقية التي تمر عبر المؤسسات التابعة للشركات.
كما أشرتُ في كتابي (الثقافة السوداء): كيف تدعم المجتمعات العرقية الشركات الأمريكية، تميل الشركات إلى تقديم روايات ذاتية تصف بها أنشطتها الخيرية. ونتيجة لذلك، فإن تحديد المستفيدين من التبرعات المخصصة للعدالة العرقية ومبالغ هذه المنح يتطلبان قراءة دقيقة لمجموعة متنوعة من النصوص، بما في ذلك تقارير المسؤولية الاجتماعية للشركات، والبيانات الصحفية، والمدونات. ومع ذلك، يبقى تقديم صورة شاملة أمرًا صعب المنال.
على سبيل المثال، في قسم بعنوان”تعزيز العدالة الاجتماعية والمساواة العرقية ،” يكشف تقرير المواطنة المؤسسية الصادر عن شركة (Cardinal Health) أن مؤسسة (Cardinal Health Foundation) قدمت تبرعات مساوية لتلك التي قدمتها المنظمات غير الربحية مثل مبادرة العدالة المتساوية، وصندوق الدفاع القانوني والتعليمي التابع لـNAACP، والرابطة الوطنية الحضرية. ولكن لم يُكشف عن تفاصيل المبالغ التي حصلت عليها كل منظمة.
تُدير شركة (Walmart) واحدة من قواعد البيانات القليلة القابلة للبحث حول التبرعات المقدمة بين شركات Fortune 500، لكنها تفتقر إلى المعلومات اللازمة لتقييم كامل لتبرعات الشركة لتحقيق العدالة العرقية. على سبيل المثال، أظهرت عملية بحث باستخدام الكلمات المفتاحية، أن رابطة المديرين التنفيذيين للمؤسسات السوداء تلقت تبرعًا بقيمة مليون دولار من مؤسسة الشركة في السنة المالية 2020، وتبرعًا بقيمة 300,000 دولار من الشركة (خارج إطار المؤسسة) في السنة المالية 2021 ولكن نظرًا لعدم تقديم معلومات حول التبرعات خارج هذين العامين، فإنه من المستحيل تحديد التوجه طويل الأجل لتبرعات المؤسسة. بالإضافة إلى ذلك، نظرًا لأن قاعدة البيانات تتضمن فقط التبرعات التي تتجاوز مبلغ 250,000 دولار، فمن المحتمل ألا يتم احتساب المقدمة للمنظمة.
أما بالنسبة للعدد القليل من الشركات التي تنشر نماذج الضرائب (990-PF) على مواقعها الإلكترونية، فإن الصورة الكاملة للعدالة العرقية لا تزال مفقودة. أولًا، تقدم معظم الشركات نماذج الضرائب فقط للسنوات الأخيرة. ثانيًا، يمكن أن تكون هذه النماذج مرهقة عند التقييم. فعلى سبيل المثال، يتجاوز نموذج الضرائب 990-PF لمؤسسة (Verizon Foundation) على موقع الشركة الإلكتروني 300 صفحة. لذلك، بينما يمكن تحديد أن المؤسسة قدمت تبرعًا بقيمة 5 ملايين دولار إلى برامج تمكين (NAACP) بهدف ”تعزيز العدالة العرقية ،” بقيمة 50,000 دولار إلى فرع NAACP في رونوك بولاية فيرجينيا من خلال برنامج حوافز مطابقة، فإن عملية التقييم ليست سهلة.
تعزيز شفافية تبرعات الشركات ليس بالأمر الصعب
يمكن للشركات اتخاذ خطوات بسيطة لمعالجة المستويات المنخفضة من الشفافية في مؤسساتها وأنشطتها الخيرية الأخرى. وتتنوع هذه الخطوات، بترتيب تنازلي من حيث السهولة، على النحو التالي:
• إنشاء قاعدة بيانات إلكترونية محدثة بانتظام (على الأقل سنويًّا، ويفضل أن تكون كل ستة أشهر أو ربع سنوي أوي شهري، تغطي ما لا يقل عن عشر سنوات، وتتيح البحث الأساسي باستخدام اسم المستفيد، والعنوان، وحالة المؤسسة، بالإضافة إلى مبلغ التبرع، والغرض منها وتاريخه.
• مشاركة جدول بيانات يمكن تنزيله ويكون مُحدثًا بانتظام يتضمن معلومات مشابهة عن التبرعات التي تمت خلال السنوات العشر الماضية على الأقل.
• توفير الوصول إلى أرشيف إلكتروني يضم ما لا يقل عن عشر سنوات من نماذج الإقرار الضريبي 990PF.
على سبيل المثال، يمكن الرجوع إلى مواقع مؤسسات مستقلة وعائلية مثل مؤسسة فورد، ومؤسسة أندرو دبليو ميلون، ومؤسسة بيل وميليندا غيتس، حيث توفر كل منها قاعدة بيانات قابلة للبحث تحتوي على معلومات مفصلة مع إمكانية تنزيل عدة سنوات من نماذج 990PF.
في حين أن جميع الشركات الكبيرة تمتلك المعرفة التقنية اللازمة لتوفير الشفافية في العمل الخيري، فإن اتخاذ القرار بتنفيذ هذه المهام أمر يجب على قادة الشركات التفكير فيه بعناية. قد تكون هناك آثار سلبية لزيادة الشفافية في العمل الخيري؛ فعلى سبيل المثال، إتاحة معلومات مفصلة حول المنح للجمهور قد يتطلب تمويلًا إضافيًّا، والأهم من ذلك، قد يواجه المتبرعون والمستفيدون ردود فعل سلبية إذا أصبحت هذه المعلومات متاحة بشكل أكبر. وبالتالي، يجب الموازنة بين تكاليف الإفصاح وفوائد تحقيق شفافية أكبر.
تشمل فوائد زيادة الشفافية للشركات قدرتها على فهم نشاطاتها الخيرية فهمًا أعمق، وتحديد معايير أكثر دقة لتبرعاتها على نطاق أوسع. من خلال تنفيذ ممارسات شفافة، يمكن لأصحاب المصلحة مقارنة تبرعات المؤسسات التابعة للشركات بسهولة عبر مختلف القطاعات وداخلها. على سبيل المثال، يمكن اكتشاف اتجاهات دقيقة قصيرة وطويلة الأجل للتبرعات المقدمة إلى المنظمات غير الربحية التي تركز على تحقيق العدالة العرقية.
تتجاوز فوائد زيادة الشفافية أصحاب المصلحة لتصل إلى الشركات نفسها. فعلى سبيل المثال، يمكن للشركات مقارنة ممارساتها الخيرية بسهولة مع ممارسات منافسيها. كما أن الإفصاح غير المكتمل يجعل المستثمرين والعملاء وأصحاب المصلحة الآخرين أقل وعيًا بتبرعات الشركات، ما يعني أن الشفافية يمكن أن تعزز صورة العلامة التجارية.
بالنسبة للقادة الذين يرون أن فوائد الشفافية تفوق التكاليف، فيمكن أن تكون الخطوة الأولى الجيدة هي نشر نماذج 990PF- الخاصة بالشركة. وبما أن المؤسسات التابعة للشركات مُلزمة بجعل نماذج 990PF- متاحة للتفتيش الشخصي، وتُتاح لاحقًا للجمهور عبر موقع مصلحة الضرائب الأمريكية (IRS)، فإن إنشاء مستودع إلكتروني لهذه النماذج على موقع الشركة أو المؤسسة لن يكون عبئًا كبيرًا أو يشكل مخاطر كبيرة.
في السنوات الأخيرة، التزمت الشركات بزيادة الإفصاح حول تأثيراتها الاجتماعية والبيئية، بما في ذلك التقارير المفصلة حول تكوين مجالس الإدارة، وتركيبة الموظفين السكانية، والمساواة في الأجور. حان الوقت لتوسعة نطاق هذا الالتزام ليشمل التبرعات الخيرية. وكما أن الشفافية الكبرى في المجالات الأخرى تساعد في وضع معايير وتوفير المساءلة حول أنشطة الشركات، فإن الإمكانيات نفسها موجودة لزيادة الإفصاح عن المساهمات التي تخدم الصالح العام.
