القائمة الرئيسية

لماذا تفشل المنتجات الجديدة المتميزة

لماذا تفشل المنتجات الجديدة المتميزة
ملخص المقال

يتناول  المقال سبب فشل العديد من المنتجات الجديدة رغم قيمتها المحتملة، مشيرًا إلى أن الشركات غالبًا ما تركز على خلق القيمة دون التفكير بما إذا كان العملاء قادرين على إدراك هذه القيمة. يوضح المقال أن العملاء يتخذون قرارات الشراء بطريقتين أساسيتين: البحث المباشر عن المعلومات أو الاستنتاج بناءً على مؤشرات يمكن ملاحظتها، وأن فشل المنتجات يحدث عندما يكون العملاء غير متحفزين للبحث أو يفتقرون للخبرة أو لا يرون الفائدة من الابتكار. كما يبرز دور العلامة التجارية كإشارة للجودة خاصة في الحالات التي يصعب فيها البحث، وتأثير الإنترنت في تسهيل البحث وتقليل الاعتماد على العلامة التجارية. ويخلص سيمستر إلى أن الشركات الناجحة يجب أن تركز ليس فقط على ابتكار منتجات ذات قيمة، بل على ضمان قدرة العملاء على اكتشاف هذه القيمة، سواء من خلال تسهيل البحث أو توفير مؤشرات تساعد العملاء على الاستنتاج.

دنكان سيمستر

يفشل العديد من المنتجات الجديدة الرائعة، وغالبًا ما تتساءل الشركات عن السبب؛ فعلى الرغم من أن الشركات حرصت على الاستماع إلى عملائها، إلا أن المنتجات لم تحقق النجاح المرجو، وهذه ليست حالة نادرة. فقد أظهرت دراسة حديثة شملت نحو تسعة آلاف منتج جديد حصلت على توزيع واسع لدى أحد متاجر التجزئة الوطنية، أن 40% فقط منها استمر بيعها بعد ثلاث سنوات (انظر: “حول البحث”). بعض هذه المنتجات لم تقدم قيمة للعملاء، ولذلك كان فشلها مستحقًّا، إلا أن العديد منها كان سيخلق قيمة لو تبناه العملاء، لكن العملاء لم يتمكنوا، أو لم يرغبوا، في إدراك تلك القيمة.

بينما تركز معظم الشركات على احتياجات العملاء، فإنها لا تفكر بالقدر الكافي في كيفية اتخاذ العملاء قرارات الشراء. لدينا الآن رؤًى وافرة حول كيفية تقييم العملاء للمنتجات الجديدة. ومع ذلك، تركز الشركات عادةً بشكل أساسي على خلق القيمة، دون اهتمام كافٍ بما إذا كان العملاء سيلاحظون هذه القيمة أم لا.

لكي يقرر العملاء ما يشترون، عليهم أن يعرفوا المنتجات المتوفرة وكيف تختلف ميزاتها، سواء كنت شركة طيران تختار أي طائرة تشتري، أو خريج كلية يختار سيارته الأولى، أو أبًا يشتري حفاضات لطفله الرضيع، فهناك طريقتان فقط لجمع هذه المعلومات: البحث أو الاستنتاج. عملية الاستنتاج تستخدم المعلومات التي يمكنك البحث عنها لتخمين المعلومات التي يصعب عليك الوصول إليها بسهولة. وسنبدأ بمناقشة عملية البحث قبل الانتقال إلى عملية الاستنتاج.

حول البحث

لقد استُوحي هذا المقال من مفارقة: فمعظم الشركات الآن تبذل جهدًا كبيرًا للاستماع إلى عملائها، ومع ذلك فإن منتجاتها الجديدة لا تزال تفشل. وتبرز هذه المفارقة من خلال ملاحظتين: (1) العديد من الشركات تشرك العملاء في عملية تطوير المنتجات الجديدة، لكن (2) العديد من المنتجات الجديدة لا تزال تفشل. إن الدليل على النقطة الأولى واضح عند التحدث إلى الشركات حول عملية تطوير منتجاتها. ومع ذلك، فإن معدل فشل المنتجات الجديدة هو إحصائية يصعب حسابها. فعلى الرغم من سهولة تحديد النجاحات، إلا أن الفشل يصعب حصره بدقة أكبر. الإحصائية المذكورة في الفقرة الأولى من هذا المقال تستند إلى بيانات من أحد أكبر تجار التجزئة في الولايات المتحدة، والذي أجرى معه فريق البحث الخاص بي دراسات على مدار السنوات العشر الماضية. يمكننا أن نلاحظ دخول المنتجات الجديدة إلى متاجر هذا التاجر، ونراقب كم منها لا يزال يُباع بعد ثلاث سنوات. وهذا يوفر مقياسًا دقيقًا لعدد المنتجات الجديدة لهذا التاجر التي فشلت. ومع ذلك، حتى هذا الرقم يكاد يكون أقل من معدل فشل المنتجات الجديدة بشكل عام. فالحصول على توزيع المنتجات على رفوف هذا التاجر يُعد إنجازًا بحد ذاته. ولو استطعنا قياس آلاف المنتجات الجديدة التي لم تتمكن من الوصول إلى رفوف المتاجر، لكان معدل الفشل الإجمالي أعلى بكثير.

عملية بحث العملاء

في يوليو 2012م، أعلنت شركة يونايتد إيرلاينز (United Airlines Inc.) عن صفقة كبيرة لشراء طائرات تجارية، إذ أبرمت اتفاقية لشراء 150 طائرة من طراز بوينغ 737 (Boeing-737) بقيمة 14.7 مليار دولار. واستغرقت المفاوضات عامًا كاملًا، وقبل ذلك، قام فريق يونايتد بإجراء بحوث مكثفة لفهم قدرات الطائرات المختلفة وتكاليف تشغيلها وصيانتها. فرض الهيكلية والانضباط على عملية البحث هذه هو أحد الأدوار الأساسية لقسم المشتريات، وإن مدة وكثافة عملية البحث تعتمدان على تكلفتها، وأهمية القرار، وخبرة العميل.

بالنسبة إلى العميل، قد لا تكون الفائدة المتوقعة من البحث عن حل أفضل مساوية للفائدة الفعلية، خصوصًا في الأسواق التي تشهد ابتكارًا ضئيلًا في الآونة الأخيرة، وهذا يشكل تحديًا أمام الابتكارات الكبيرة في مثل هذه الأسواق، إذ قد لا يعثر العملاء على هذه الابتكارات لأنهم لا يدركون حاجتهم للبحث عنها، فعلى سبيل المثال، عندما طورت شركة أكواليزا (Aqualisa Products Ltd.) البريطانية المصنعة للدش نظام دش مبتكرًا للسوق السكنية في المملكة المتحدة، لم يتبنَّ العملاء المنتج في البداية لأنهم اعتادوا على انخفاض ضغط المياه في المملكة المتحدة، وهو ما عالجته هذه التقنية. ولم يدرك العملاء أن نظام دش أفضل ممكن، ولذلك لم يروا سببًا للبحث عنه. في حالات أخرى، تكون فوائد المعلومات واضحة، لكن تكلفة البحث عنها مرتفعة للغاية. فعلى سبيل المثال، عندما يصل أحدنا إلى مطار لا غوارديا (La Guardia) في مدينة نيويورك، غالبًا ما يستخدم سيارة أجرة صفراء للوصول إلى مانهاتن. في عام 2014م، حدثت في مدينة نيويورك حوادث سيارات أجرة أكثر من عدد رخص سيارات الأجرة المتوفرة. وهذا يعني أنه من المهم العثور على سائق تاكسي آمن، ولكن ماذا نفعل عند مغادرة صالة الوصول حاملين أمتعتنا؟ معظمنا يركب أول سيارة أجرة في الطابور، وعلى الرغم من وضوح فوائد العثور على سائق آمن، إلا أن تكلفة البحث عنه مرتفعة جدًّا، لا سيما في الظروف التي يُشجَّع فيها الركاب على أخذ أول تاكسي متاح. إحدى النصائح: تجول حول السيارة قبل ركوبها وتحقق إذا كان هناك أي صدمات كبيرة، لا سيما حول مقصورة الركاب.

العلاقة بين مقدار البحث الذي يقوم به العملاء وخبرتهم السابقة تثير الدهشة؛ ففي دراسة مؤثرة استخدمت بيانات عن مشتريات السيارات الجديدة، أظهر الباحثون سرِدهار مورثي (Sridhar Moorthy)، وبرايان راتشفورد (Brian Ratchford)، وديبابراتا تالوكدار (Debabrata Talukdar) أن هذه العلاقة قد تتخذ شكل الحرف “U” المقلوب (انظر: “العلاقة بين الخبرة والبحث”). فالعملاء ذوو الخبرة الكبيرة (الخبراء) قد لا يبحثون، لأنهم يعتقدون أنهم يعرفون بالفعل ما هو الأفضل. فعلى سبيل المثال، فوجئت شركة أدوية حديثًا عندما لم يقم الأطباء بوصف دوائها الجديد. كان الدواء منتجًا رائعًا أحدث قيمة كبيرة للعملاء، فقد عالج المرض بفعالية أكبر وسبب أعراضًا جانبية أقل من العلاجات القائمة. ومع ذلك، كان هذا الابتكار الأول في هذا المجال العلاجي منذ سنوات طويلة. فاعتقد الأطباء أنهم يعرفون كل ما يجب معرفته عن علاج هذا المرض، ولذلك لم تكن عقولهم منفتحة لإمكانية وجود علاجات جديدة.

وعلى الطرف الآخر من هذا الطيف يوجد العملاء الذين يفتقرون إلى المعرفة تمامًا؛ فهم لا يبحثون لأنهم لا يعرفون الأسئلة التي يجب طرحها، أو أين يجدون الإجابات، أو كيف يفسرون المعلومات إذا وصلت إليهم. فعلى سبيل المثال، اتصلت بي إحدى الصديقات ذات صباح يوم سبت طالبة المساعدة في شراء دراجة هوائية. كانت فكرة جيدة (عندما تجهل الأمر اطلب المساعدة)، لكن التنفيذ كان ضعيفًا (فأنا لم أكن أعرف شيئًا عن الدراجات). ولأني لم أرد أن أخيب أمل صديقتي، رافقتها إلى متجر الدراجات، حيث شرحنا للبائع أنها بحاجة إلى دراجة، وأنني سأساعدها في اتخاذ القرار. بدأ البائع الشاب المتحمس يشرح الفروق التقنية بين الدراجات. واستمر هذا الشرح لمدة عشرين دقيقة حتى أصبحت عينا صديقتي شاردتين تمامًا. أوقفت البائع، ونظرت إليه مباشرة وقالت: “أريد دراجة حمراء”، فرد البائع: “إذًا، من الأفضل أن آخذك إلى قسم الدراجات الحمراء”، وخرجنا بعد عشر دقائق مع دراجة حمراء. فكر قليلًا في دلالات هذا المثال بالنسبة إلى مُصنِّع الدراجات. فالابتكار التقني لن يزيد من فرصة البيع لهذا العميل، مهما كانت قيمة الابتكارات. وبشكل عام، يكمن الخطر بالنسبة إلى الشركات في أنها تستثمر في ابتكارات لا يستطيع العملاء إدراكها.

العلاقة بين الخبرة والبحث

تشير الأبحاث إلى أنه يمكن أن تكون هناك علاقة مفاجئة بين مقدار الخبرة السابقة التي يمتلكها المستهلك حول فئة معينة من المنتجات ومدى بحثه عن المعلومات قبل اتخاذ قرار الشراء. قد لا يقوم العملاء الذين لديهم خبرة كبيرة بالبحث، لأنهم يعتقدون أنهم يعرفون بالفعل ما هو الأفضل، وقد لا يعرف العملاء الذين لديهم معرفة قليلة جدًا بالفئة من أين يبدأون.

عملية الاستنتاج لدى المستهلكين

عندما يكون البحث غير مكتمل، ننتقل إلى تكوين الاستنتاجات، فنستخدم ما يمكننا ملاحظته لاستنتاج ما يصعب أو يكلف كثيرًا البحث عنه. لقد رأينا بالفعل مثالًا على مؤشر يمكن للعملاء استخدامه لتكوين الاستنتاجات: استخدام الصدمات في سيارات الأجرة لاستنتاج جودة السائق. وتقدم شركة ماكدونالدز (McDonald’s Corp.) مثالًا آخر، فقد أكدت سلسلة الوجبات السريعة منذ زمن طويل أهميةَ الحفاظ على نظافة موقف السيارات لدى أصحاب الامتياز. لماذا؟ قد تتساءل. فالعملاء في الحقيقة لا يهتمون بموقف السيارات، بل يهتمون بنظافة المطبخ وربما الحمامات. لكن ما الذي يمكن للعملاء رؤيته عند مرورهم بالسيارة؟ قد يستخدمون نظافة موقف السيارات (ما يمكنهم رؤيته) لاستنتاج نظافة المطبخ والحمامات (ما يهتمون به فعلًا). والمثير للدهشة أن العملاء، عندما يُسألون عن سبب عدم توقفهم، غالبًا لا يستطيعون الإجابة، فهم فقط لم يشعروا بالراحة للتوقف في ذلك المطعم. بعبارة أخرى، ليست هذه عملية تفكير واعية، بل تعمل على المستوى اللاواعي، مما يجعلها واسعة الانتشار وقوية التأثير.

يمكننا توضيح هذا المبدأ من خلال مثال بصري أعده أستاذ علوم الرؤية إدوارد ه. أدلسون (Edward H. Adelson) (انظر: “وهم ظل المربعات المتداخلة” (The Checker Shadow Illusion)). على اليسار يوجد لوحة شطرنج، بها مربع أسود يحمل الرمز “A” ومربع يبدو أبيض يحمل الرمز “B”. في الواقع، كلا المربعين “A” و”B” لهما درجة اللون الرمادي نفسها. نوضح ذلك على اليمين، حيث أزلنا السياق المحيط. والأكثر إثارة، أنه حتى بعد معرفتك لهذه الحقيقة، إذا نظرت مرة أخرى إلى اليسار وحاولت أن تقنع عينيك بأن المربعين “A” و”B” لهما اللون نفسه، فلن تستطيع. عيوننا تقودنا إلى الاستنتاجات، ونحن لا ندرك أن ذلك يحدث، وحتى لو أدركنا، لا نستطيع فعل شيء حيال ذلك. وعلى الرغم من أن قرارات الشراء هي عملية عصبية مختلفة عن هذه العملية البصرية، إلا أن ظاهرة مشابهة تحدث عندما يُقيّم العملاء منتجات أو خدمات مختلفة. غالبًا لا يدرك العملاء أنهم يشكلون استنتاجات، وحتى إذا أدركوا ذلك، فهم عاجزون عن إيقافها.

دور العلامة التجارية

أكثر المؤشرات شيوعًا التي نستخدمها لاستنتاج جودة المنتج هي السعر والعلامة التجارية؛ ففي بيئة الأعمال بين الشركات، فإن الإشارة إلى جودة المنتج هي الدور الأساس للعلامة التجارية. حتى في الأسواق الاستهلاكية، فإن هذا الدور الإشاري مهم للغاية. ومع ذلك، في بعض الأسواق الاستهلاكية، قد تشير العلامات التجارية إلى أكثر من مجرد جودة المنتج؛ إذ يمكن للمستهلكين أيضًا استخدام العلامات التجارية للإشارة إلى معلومات عن أنفسهم.

في كثير من الأحوال، كلما ازدادت قدرة العملاء على البحث بفعالية، قل اعتمادهم على العلامة التجارية. وعلاوة على ذلك، فإن تصوراتهم تجاه العلامة التجارية تتغير بسرعة مع ورود معلومات جديدة. كلا العاملين يقللان من أهمية العلامة التجارية. غير أنه في الأسواق التي لا يستطيع العملاء فيها البحث بسهولة وفعالية، يُضطرون إلى الاعتماد على العلامة التجارية لاتخاذ قرارات الشراء. فعلى سبيل المثال، إذا أراد العملاء شراء حاسوب محمول موثوق يتمتع بأحدث الميزات، أمامهم خياران: إذا كانوا ذوي معرفة، يمكنهم البحث في المواصفات الفنية (spec sheets) ومراجعات المستخدمين لتقييم ميزات الحواسيب. أو يمكنهم بدلًا من ذلك تكوين استنتاج مبني على العلامة التجارية للحاسوب. أما العملاء الذين يفتقرون إلى الخبرة لتقييم ميزات الحواسيب، فقد يكون الاعتماد على العلامة التجارية هو الخيار الوحيد المتاح لهم.

بوجه عام، يفضل العملاء البحث بأنفسهم، وعادةً لا يعتمدون على العلامة التجارية إلا عندما يعجزون عن البحث بفعالية، إما لافتقارهم إلى الخبرة أو لارتفاع تكلفة البحث. ثانيًا، قد يختلف دور العلامة التجارية بين العملاء، فالمشتري المبتدئ للحاسوب قد يفتقر إلى الخبرة اللازمة للبحث ويضطر إلى الاعتماد على الاستنتاج، أما معظم مشتري الحواسيب فلديهم من الخبرة ما يكفي للقيام بالبحث بأنفسهم.

وبالمثل، يمكننا أن نتوقع أن تلعب العلامة التجارية دورًا أكثر بروزًا بالنسبة إلى العملاء المحتملين مقارنةً بالعملاء الحاليين. وقد اتضح ذلك لإحدى شركات الاستشارات التي كانت تبتكر في عملياتها الاستشارية.؛ ففي بيئة الخدمات المهنية، كما في أي بيئة خدمية، لا توجد عادةً مواصفات فنية (spec sheet)، وغالبًا ما يُضطر العملاء المحتملون إلى الاعتماد على الاستنتاج. ونتيجة لذلك، من غير المرجح أن يكافئ العملاء المحتملون الشركة على تحسيناتها في العمليات، رغم أنهم قد يستنتجون جودة الشركة بناءً على قوة علامتها التجارية. ويختلف ذلك عن العملاء الحاليين للشركة، الذين يختبرون تحسينات العمليات بشكل مباشر.

ثالثًا، قد يختلف دور العلامة التجارية باختلاف ميزات المنتج؛ فالمميزات التي ترد في المواصفات الفنية، مثل حجم القرص الصلب في الحاسوب المحمول، عادةً ما تكون ميزات يمكن اكتشافها من خلال البحث. أما الميزات التي لا تظهر في المواصفات الفنية، مثل الموثوقية أو سهولة الاستخدام، فلا يمكن اكتشافها بسهولة عبر البحث (رغم أن مراجعات المصادر الموثوقة قد تكون مفيدة)، ولهذا فإن هذه الميزات هي التي يبرز فيها دور العلامة التجارية بشكل أكبر.

أثر الإنترنت

كيف أثّر الإنترنت في دور العلامة التجارية والطريقة التي يتخذ بها العملاء قرارات الشراء؟ يجب أولًا أن ندرك أن الإنترنت لم يؤثر كثيرًا في بعض المنتجات، أو على الأقل في بعض ميزات المنتجات، في كيفية اتخاذ العملاء لقرارات الشراء. فعلى سبيل المثال، لا يساعدنا الإنترنت في البحث عن معلومات حول أحداث مستقبلية، مثل كيفية استجابة شركة Volkswagen AG لعمليات الاستدعاء المستقبلية للمنتجات، أو مدى فعالية برامج الحماية الأمنية ضد الجيل القادم من التهديدات الإلكترونية. كما أن الإنترنت أقل فائدة فيما يتعلق بسمات المنتج التي تتطلب فحصًا ماديًّا، لا سيما عندما تكون الاحتياجات خاصة بالمستخدم (مثل ملاءمة ومظهر لباس السباحة).

ومع ذلك، كان للإنترنت تأثير عميق على الطريقة التي يقيّم بها العملاء العديد من المنتجات الأخرى، وقد تحقق ذلك بطريقتين: أولًا، خفّض الإنترنت تكلفة البحث بجعل المعلومات أكثر سهولة في الوصول إليها. وربما كان الأثر الأولي لهذا التغيير أقل من المتوقع في بعض الأسواق، فعندما يتسوق العملاء في المتاجر التقليدية، لا تتوفر لديهم أجهزة الحاسوب المحمولة أو المكتبية بسهولة. ولم يظهر التأثير الكبير للإنترنت في خفض تكلفة البحث في العديد من الأسواق إلا مع ظهور الهواتف الذكية.

أما الأثر الثاني للإنترنت فكان في توسيع عدد ميزات المنتجات التي يمكن البحث عنها. فالمحتوى الذي ينتجه المستخدمون، بما في ذلك المدونات (blogs) ومراجعات المنتجات، أتاح للعملاء البحث عن معلومات حول ميزات لم يكن من الممكن البحث عنها سابقًا، مثل جودة ملعب الغولف أو عدالة المقاول.

تأمل كيف غيّر هذا من سوق المطاعم، ففي السابق، كان السياح في مدينة جديدة مضطرين غالبًا إلى سؤال موظف الاستقبال في الفندق عن توصية أو اختيار مطعم يحمل علامة تجارية وطنية كبيرة. وكان هذا يصب في مصلحة سلاسل المطاعم، مثل Hard Rock Cafe. فكيف يختار السياح المطاعم اليوم؟ إنهم يلتقطون هواتفهم الذكية ويبحثون في TripAdvisor.com أو Yelp.com. يمكنهم مقارنة الأسعار والقوائم والموقع، بل وحتى معرفة مدى لياقة الترحيب من قِبل مدير المطعم (maître d’). وقد أدى هذا إلى تقليص دور العلامة التجارية بشكل حاد. فأصبحت المطاعم الصغيرة والمبتكرة التي تقدم طعامًا وخدمة متميزة أسهل في الاكتشاف، في حين أغلقت Hard Rock Cafe بعض فروعها.

فهل يعني ذلك أن الإنترنت زاد أو قلل من المنافسة السعرية؟ إذا أصبح بمقدور العملاء الآن تمييز المنتجات المتميزة حيث لم يكن ذلك متاحًا من قبل، فإن الشركات ذات المنتجات المبتكرة ستستفيد، إذ سيدفع العملاء سعرًا أعلى لتلك المنتجات. من ناحية أخرى، في الحالات التي كان العملاء يدفعون فيها سعرًا أعلى مقابل تمايز يُعتقد أنه موجود وليس حقيقيًّا، سيعزز الإنترنت المنافسة ويقوض تلك الزيادة في السعر. فعلى سبيل المثال، إذا كشف مقطع فيديو انتشر بسرعة أن الفيتامينات ذات العلامة التجارية الوطنية ونظيرتها من العلامات الخاصة هي منتجات متطابقة تُصنع في المصنع نفسه، فإن بعض المستهلكين على الأرجح سيتوقفون عن دفع سعر أعلى للعلامات التجارية الوطنية.

ما الذي ينبغي أن تفعله الشركات بشكل مختلف؟

بالنسبة إلى الشركات المنخرطة في الابتكار أو تطوير المنتجات، فإن الدلالات واضحة: ينبغي عليها أن تضمن ليس فقط ابتكار منتجات تحقق قيمة للعملاء، بل أيضًا أن يكون العملاء قادرين على إدراك هذه القيمة. ونوصي بأن تركز الشركات على ثلاث مجموعات من الأسئلة (انظر: “هل سيكتشف العملاء ابتكارك؟”): أولًا، هل لدى العملاء الحافز للبحث؟ وهل يدركون إمكانية وجود حل أفضل؟ وهل هم على استعداد لبذل الجهد للعثور على ذلك الحل؟ تذكر مثال أكواليزا (Aqualisa): بما أن العملاء لم يكونوا يعلمون أن هناك دشًّا أفضل ممكنًا، لم يكن لديهم الدافع للبحث عنه. إلى أي مدًى يختلف الحل عن الخيارات الموجودة؟ إذا كان هذا أول ابتكار كبير في الصناعة منذ عشرين عامًا، فإن احتمال بحث العملاء عن بدائل جديدة أقل مما لو كانت الصناعة تشهد سلسلة متواصلة من الابتكارات الكبرى. مقياس ملموس لمدى تحفيز العملاء على البحث هو طول عملية الشراء أو اتخاذ القرار لديهم؛ فعلى سبيل المثال، يقضي العملاء في المتوسط من 15 إلى 20 ساعة في البحث عن المعلومات عند شراء سيارة جديدة. ومع ذلك، فإن قلة من العملاء سيستثمرون هذا القدر من الوقت عند اختيار مسحوق تنظيف الأطباق.

ثانيًا، هل يستطيع العملاء البحث بفعالية؟ تقليديًّا، كان الاختبار الأساسي لهذا السؤال هو ما إذا كانت المعلومات مدرجة في ورقة المواصفات (spec sheet). تذكر مثال الحاسوب المحمول: حجم القرص الصلب مدرج في ورقة المواصفات ويسهل البحث عنه، أما الموثوقية وسهولة الاستخدام فلا. ما دام لدى العملاء الخبرة الكافية لتفسير ورقة المواصفات، فإن الميزات المدرجة فيها قابلة للبحث عادةً. وإذا كان القرار مهمًّا بما فيه الكفاية لكن العملاء يفتقرون إلى الخبرة، فقد يتمكنون من البحث باللجوء إلى مستشارين خبراء. ومن أمثلة المستشارين الخبراء: الأطباء، ومستشارو الشؤون المالية، ووكلاء العقارات، وسماسرة التأمين، ومستشارو تقنية المعلومات (IT consultants)، ومستشارو مزايا مكان العمل. وفي بعض الأسواق، يمكن للعملاء الاستفادة من مراجعات العملاء للبحث عن معلومات غير مدرجة في ورقة المواصفات. في هذه الحالة، لم تعد ورقة المواصفات معيارًا جيدًا لمعرفة ما إذا كان العملاء سيبحثون فعلًا أم سيستنتجون. وهناك عامل لم يتغير: غالبًا ما يتبنى العملاء عملية اتخاذ قرار محددة، وتغيير هذه العملية أمر صعب. فعلى سبيل المثال، إذا اعتاد العملاء البحث عن أفضل عروض السيارات بانتظار نهاية سنة الطراز، فإن إقناعهم بالشراء في وقت أبكر من السنة سيكون أمرًا عسيرًا.

إذا لم يكن بمقدور العملاء البحث، فعلى الشركات أن تدرك ما هي الإشارات التي سيستخدمها العملاء لاستنتاج المعلومات الغائبة. إن معرفة ماكدونالدز (McDonald’s) بأن العملاء يستنتجون نظافة المطاعم من حالة مواقف السيارات، بل وأنهم يفعلون ذلك بشكل لا شعوري، دليل على حسن إدارة الشركة لفروعها. قد تضطر إلى خلق إشارات تساعد العملاء في عملية الاستنتاج هذه. فعلى سبيل المثال، ترغب شركات تصنيع السيارات في إقناع العملاء بأن المحركات ونواقل الحركة في سياراتهم مصممة بدقة عالية، وبما أن جودة هندسة هذه المكونات غير قابلة للملاحظة من قبل العملاء، فإن شركات السيارات تبرز ميزات هندسية قابلة للملاحظة. تذكر إعلانات السيارات التي تتدحرج فيها كريات معدنية (ball bearings) على حواف الأبواب. معظم العملاء لا يهتمون فعليًّا بمدى دقة حركة الكريات المعدنية على حواف أبواب سياراتهم. ومع ذلك، فقد قدمت الشركة المصنعة إشارة لاستنتاج جودة الهندسة. يمكن للعملاء استخدام هذه الإشارة لتقييم هندسة الأجزاء التي لا يستطيعون ملاحظتها أو ليست لديهم الخبرة لتقييمها.

مساعدة العملاء على إدراك الابتكار

إن تطوير منتجات عظيمة ليس كافيًا لتحقيق النجاح في عالم الأعمال، فعلى الشركات أن تطور منتجات عظيمة يستطيع العملاء إدراك عظمتها. ولحسن الحظ، فإن طريقة جمع العملاء للمعلومات واتخاذ قرارات الشراء أصبحت مفهومة الآن. وبدلًا من مجرد سؤال العملاء عما يحتاجونه، على الشركات أن تفهم كيف سيقيّم العملاء المنتجات التي تلبي احتياجاتهم.

إذا كان العملاء متحفزين لمعرفة المنتجات ولديهم الخبرة لتفسير ما يتعلمونه، فيمكن توقع أن يلعب البحث دورًا مهمًّا في قراراتهم. وهذا وضع مرحب به بالنسبة إلى الشركات المبتكرة، إذ يكون العملاء أكثر ميلًا لإدراك ابتكاراتهم. ومع ذلك، عندما لا يكون العملاء متحفّزين بما فيه الكفاية أو غير مطلعين بما فيه الكفاية، فإن البحث سيفسح المجال للاستنتاج. وهذا يجعل احتمال إدراك العملاء للابتكارات أقل بكثير. والدلالات بالنسبة إلى الشركات واضحة: ركزوا التطوير على الابتكارات التي يمكن لعملائكم إدراكها بسهولة، أو ابحثوا عن وسائل لتنبيههم إلى الابتكارات التي قد لا يكتشفونها بأنفسهم.

المراجع

1. E. Anderson, S. Lin, D. Simester, and C. Tucker, “Harbingers of Failure,” Journal of Marketing Research 52, no. 5 (October 2015): 580-592.

2. C. Isidore, “Boeing Wins $14.7 Billion Jet Order From United,” July 12, 2012, http://money.cnn.com.

3. Y.E. Moon and K. Herman, “Aqualisa Quartz: Simply a Better Shower,” Harvard Business School case no. 9-502-030 (Boston, Massachusetts: Harvard Business School Publishing, 2002, revised 2006).

4. See L.P. Banville, “Taxi Cab Accidents in New York: 1999–2014,” December 10, 2014, http://banvillelaw.com; and New York City Taxi & Limousine Commission, “2014 Taxicab Factbook,” www.nyc.gov.

5. S. Moorthy, B.T. Ratchford, and D. Talukdar, “Consumer Information Search Revisited: Theory and Empirical Analysis,” Journal of Consumer Research 23, no. 4 (March 1997): 263-277.

6. J. Pepin, “Burger Meister Ray Kroc,” Time, Dec. 7, 1998.

7. See E.H. Adelson, “Checkershadow Illusion,” 1995, http://persci.mit.edu.

8. For another surprising example of these visual effects, see R.B. Lotto and D. Purves, “The Effects of Color on Brightness,” Nature Neuroscience 2, no. 11 (November 1999): 1010-1014.

9. Prominent studies of the signaling role of the brand include T. Erdem and J. Swait, “Brand Equity as a Signaling Phenomenon,” Journal of Consumer Psychology 7, no. 2 (April 1998): 131-157; and B. Wernerfelt, “Umbrella Branding as a Signal of New Product Quality: An Example of Signaling by Posting a Bond,” Rand Journal of Economics 19, no. 3 (autumn 1988): 458-466.

10. This second signaling role of the brand is particularly important if consumption is conspicuous. For example, when we wear a Rolex watch, drive a BMW vehicle, carry a Louis Vuitton bag, or talk on an iPhone, our consumption is conspicuous to others. In these settings, consumers may enlist brands to convey signals about themselves. Wearing a Rolex watch signals success and perhaps good taste — personal characteristics that are desirable to communicate, but objectionable to mention explicitly. See Y.J. Han, J.C. Nunes, and X. Drèze, “Signaling Status With Luxury Goods: The Role of Brand Prominence,” Journal of Marketing 74, no. 4 (July 2010): 15-30.

11. Rajiv Lal and Miklos Sarvary draw a distinction between what they term digital attributes, which can be searched online, and nondigital attributes, which cannot. See R. Lal and M. Sarvary, “When and How Is the Internet Likely to Decrease Price Competition,” Marketing Science 18, no. 4 (November 1999): 485-503.

12. F. Zettelmeyer, F.S. Morton, and J. Silva-Risso, “How the Internet Lowers Prices: Evidence From Matched Survey and Automobile Transaction Data,” Journal of Marketing Research 43, no. 2 (May 2006): 168-181.

13. C. Tice, “Hard Rock Cafe Hits Some Sour Notes But Keeps Rolling,” March 2, 2010, www.cbsnews.com.

14. John G. Lynch Jr. and Dan Ariely demonstrated this point in a clever study of wine markets. They found that making it easier to obtain information about quality reduces price sensitivity for differentiated wines. However, when the Internet revealed that the wines were undifferentiated, price sensitivity among customers increased. See J.G. Lynch Jr. and D. Ariely, “Wine Online: Search Costs Affect Competition on Price, Quality, and Distribution,” Marketing Science 19, no. 1 (February 2000): 83-103.

15. B. Ratchford, D. Talukdar, and M.S. Lee, “The Impact of the Internet on Consumers’ Use of Information Sources for Automobiles: A Re-Inquiry,” Journal of Consumer Research 34, no. 1 (June 2007): 111-119.

i. Anderson et al., “Harbingers of Failure.”

مقالات ذات صلة