ماركوس هولغرسون، يواكيم بيوركدال، آنا إيسين، ويوهان فريشامار
تنمو سوق الخدمات الصحية الرقمية بسرعة كبيرة؛ فقد بلغت قيمتها أكثر من 175 مليار دولار عالميًّا في عام 2022م، ومن المتوقع أن تحقق معدل نمو سنوي مركب بنسبة 27% حتى عام 2030م.1 تُقدَّم الخدمات الصحية الرقمية عبر منصات تربط المرضى بالمهنيين الطبيين مع دمج الذكاء الاصطناعي، والطب عن بُعد، وتحليلات البيانات لتحسين كفاءة وفاعلية تقديم الرعاية الصحية، وعلى الرغم من جذبها للمستخدمين ورؤوس الأموال الاستثمارية (حيث جمعت 45 مليار دولار من التمويل في عام 2021م فقط)، فإنّ منصات الصحة الرقمية تكافح لمضاهاة نجاح نماذج الأعمال القائمة على المنصات الأخرى، ويفشل الكثير منها في تحقيق الربحية.2
تعاني الرعاية الصحية حول العالم من تحديات كبيرة، منها زيادة الطلب على الخدمات، وحواجز الوصول للمجموعات المهمشة، وزيادة الإنفاق الصحي كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي (حيث شكّل 18.3% من الناتج المحلي الإجمالي في الولايات المتحدة عام 2021م).3 ووفقًا لإدارة الغذاء والدواء الأمريكية، يمكن أن تساعد منصات الصحة الرقمية في معالجة هذه التحديات وغيرها.4
ومع ذلك، فإن العديد من منصات الصحة الرقمية تواجه صعوبات في الاستمرارية، وقد سلط بحثنا حول المنصات الصحية الرقمية الناشئة خلال السنوات الأربع الماضية الضوء على التحديات الفريدة التي تواجهها. فعلى عكس العديد من أنواع المنصات الأخرى، يجب عليها الاندماج مع الحلول القائمة ضمن نظام رعاية صحية مادي في الغالب، ونادرًا ما تستفيد من تأثيرات الشبكة القوية، وغالبًا ما تكافح، بسبب اللوائح الصارمة، لممارسة النفوذ في تنسيق النظام البيئي. هذه التحديات تتطلب نهجًا مختلفًا لاستراتيجية المنصة.
في هذا المقال، نوضح نهجًا من ثلاثة أجزاء لجعل هذه المنصات تنمو وتنجح. يستند بحثنا إلى أكثر من 100 مقابلة مع قادة ومديرين في 14 مؤسسة في السويد. (انظر “البحث”). تعلمنا الكثير من الصعوبات المستمرة التي واجهتها الشركات التي درسناها، لكننا حددنا أيضًا كيف عملت على تجاوز قيود معينة ووضعت الأساس للنمو المربح. بشكل عام، تؤكد نتائجنا أن المؤسسات التي تسعى لإدخال المنصات الرقمية في قطاع الرعاية الصحية بحاجة إلى إعادة التفكير في استراتيجية المنصات الرقمية، وتجنب الكثير من النصائح التقليدية التي تنطبق على قطاعات أخرى، لكن لتوضيح كيف يمكن للقادة والمديرين الكبار إعادة تصور استراتيجية المنصات الرقمية في الرعاية الصحية، يجب أولًا أن نشرح ما هي منصة الصحة الرقمية حقًّا.
ما بعد الزيارات الافتراضية
تدمج منصات الصحة الرقمية تقنيات متنوعة، منها الذكاء الاصطناعي، والطب عن بُعد، وتحليلات البيانات، لتحسين تقديم الرعاية الصحية، وتوظف نماذج أعمال قائمة على المنصات، إذ تقدم الخدمات من خلال واجهة موحدة تربط المرضى والأطباء ومقدمي الخدمات المكملة مثل الصيدليات ومرافق الرعاية المادية.5 ومن الأمثلة على ذلك: Teladoc في الولايات المتحدة، Kry/Livi في أوروبا، وJD Health في الصين.
تقوم هذه المنصات بأكثر من مجرد إضافة مكالمات الفيديو ووظائف الدردشة إلى الخدمات الصحية القائمة، فبالإضافة إلى تمكين الاستشارات الفاعلة من حيث التكلفة للحالات الشائعة، تقدم خدمات مبتكرة مثل المراقبة عبر الإنترنت للأمراض المزمنة وتوسيع نطاق الرعاية التخصصية ليشمل الإدارة الذاتية، كما تستخدم الذكاء الاصطناعي لمطابقة احتياجات المرضى مع الخبرة الطبية المناسبة بدقة أكبر، ومن ثم فإن هذه الميزات تبشر بتحولٍ كبير في تقديم الرعاية الصحية من خلال تعزيز التشخيص، والفرز، وتخطيط العلاج، والتفاعل بين المرضى والأطباء.
ومع ذلك، فإن نقل تقديم الخدمات التقليدية إلى منصة رقمية -ويُشار إليه بـ”التحول إلى المنصات”- هو أمر معقد وبطيء بشكل خاص في مجال الرعاية الصحية. ففي جميع القطاعات، تتضمن هذه العملية استبدال الشركات المتكاملة رأسيًّا أو الجهات العامة بجهات قائمة على المنصات في جوهر القيمة المقدمة، لتسهيل المعاملات الرقمية بين العديد من المستخدمين والموردين.6 وقد شهدت صناعات مثل الإعلام (Meta)، وخدمات السفر (Airbnb)، والنقل (Uber) تحولًا سريعًا نحو المنصات، وأدت تأثيرات الشبكة إلى خلق احتكارات طبيعية أو احتكارات قلة في نمط “الفائز يأخذ كل شيء”. ومع ذلك، فإن المحاولات السابقة لشركات التكنولوجيا الكبرى مثل Alphabet وAmazon وIBM وMicrosoft لإحداث تغيير في الرعاية الصحية كانت غير ناجحة إلى حد كبير.7 كما أن العديد من الشركات الناشئة تحركت بوتيرة أبطأ بكثير من المتوقع.8
ما الذي يميز سياق الرعاية الصحية الرقمية؟
تسعى استراتيجية المنصة الصحية إلى مواءمة المنصة مع بيئتها، لكن خصائص الرعاية الصحية تجعل تحقيق هذه المواءمة أمرًا صعبًا. وعلى الرغم من الاختلاف الكبير من دولة إلى أخرى في كيفية تمويل وتنظيم وتقديم الرعاية الصحية، فإن هناك عدة عوامل مشتركة عبر الدول تجعل سياق المنصات الصحية الرقمية مختلفًا عن غيره من أعمال المنصات، بصرف النظر عن مكان تطبيقها. فالعوامل الموضحة أدناه تحدد خط الأساس الذي يمكن من خلاله إنشاء استراتيجية ناجحة للمنصات الصحية الرقمية، ومع ذلك غالبًا ما تحد هذه العوامل من سرعة توسع المنصة.
على مستوى المنصة (أو الشركة)، يجب على مؤسسات الرعاية الصحية إدارة مصادر متعددة من البيانات الحساسة (سجلات المرضى، بيانات المنصة، وبيانات الأجهزة الطبية) مع الالتزام بمعايير أخلاقية ونزاهة صارمة. العديد من الحالات الطبية معقدة بطبيعتها، لذا فإن تباين الخدمات مرتفع، ومن غير المرجح أن توفر منصة رقمية واحدة الطيف الكامل من الخدمات الطبية التي يمكن أن يقدمها المستشفى غالبًا. تتجنب المؤسسات التي تنشئ منصات في هذا القطاع المخاطر بشكل مفهوم، والحاجة إلى استمرارية الخدمة (ولا سيّما للمرضى المصابين بأمراض مزمنة) قد تتعارض مع منطق استراتيجية المنصات التقليدية القائم على مطابقة وتحسين كل معاملة فردية. بالإضافة إلى ذلك، وبحكم التعريف، لا يمكن رقمنة الرعاية الصحية بالكامل، فالرعاية الشاملة غالبًا ما تتطلب استشارات شخصية وفحصًا جسديًّا، لذا فإن التكامل السلس بين القنوات الإلكترونية وغير الإلكترونية أمر بالغ الأهمية.
على مستوى النظام البيئي، تمتلك معظم الدول، إن لم تكن جميعها، أنظمة بيئية للرعاية الصحية معقدة للغاية تتكون من جهات فاعلة متعددة -مستشفيات خاصة وعامة، ومراكز رعاية متخصصة، وشركات تكنولوجيا طبية، وشركات تأمين، ومؤسسات مرضى، وهيئات تنظيمية وغيرها- مع ما ينجم عن ذلك من تعقيدات في التكامل وتقسيم العمل، كما أن الرعاية الصحية تخضع لتنظيم صارم، مع دخول قائم على التصاريح، وغالبًا ما يكون توفُّر مقدمي الخدمات المدربين تدريبًا عاليًا (مثل الأطباء) محدودًا بسبب نقص العمالة ومتطلبات الترخيص المهني.
كيفية النجاح في استراتيجية المنصات في الصحة الرقمية
يتطلب تطبيق استراتيجية المنصة بنجاح في قطاع الرعاية الصحية المعقد فهمًا لظروفه ومتطلباته الفريدة، ولتجنب الأخطاء المكلفة، يجب على المؤسسات تغيير افتراضاتها السائدة حول استراتيجية المنصة واتخاذ قرارات مختلفة بشأن ثلاثة مجالات رئيسية -كيفية دخول السوق، وكيفية توسيع الأعمال، وكيفية إدارة النظام البيئي- لتتوافق مع منظور الصحة الرقمية. (انظر “استراتيجية المنصة للصحة الرقمية”).
استراتيجية المنصة للصحة الرقمية
تتطلب منصات الصحة الرقمية نهجًا مختلفًا لكيفية دخول السوق، وتوسيع الأعمال، وإدارة النظام البيئي.

القرار الأول: كيفية دخول السوق
الرؤية السائدة: غالبًا ما يُنظر إلى المنصات الرقمية على أنها تهديدات كبيرة للأعمال التقليدية غير المعتمدة على المنصات، خاصة إذا كانت تنافس بشكل مباشر. وتؤكد الأدبيات على كيفية قيام المنصات بإنشاء أنظمة بيئية جديدة من المكملين الذين يخلقون ويستحوذون على القيمة. في الواقع، عادةً ما تدخل المنصات الرقمية الأسواق من خلال تعطيل أو استبدال العروض القائمة. وتشمل الأمثلة أمازون (استبدال متاجر الكتب التقليدية)، سبوتيفاي (متاجر الموسيقا التقليدية)، وإير بي إن بي (الفنادق). ووفقًا لهذه الافتراضات السائدة، تدخل المنصات الأسواق من خلال تقديم حلول جديدة ومستقلة تتفوق على الحلول القديمة في جانب أو أكثر.
رؤية الصحة الرقمية: في مجال الرعاية الصحية، غالبًا ما تقوم المنصات الرقمية بتوسيع النظام البيئي القائم بدلًا من استبداله، حيث يظل الفاعلون الحاليون مزودين مهمين للخدمات المكملة. ويمكن لمنصات الصحة الرقمية حاليًّا أن تحل محل -في أفضل الأحوال- نحو نصف العروض القائمة في الرعاية الأولية وأقل من ذلك بكثير في الرعاية التخصصية، وفقًا لتقديرات من قابلناهم. لذلك، يجب على منصات الصحة الرقمية إيجاد طرق للتكامل مع العروض القائمة عند دخول السوق. أوضحت مقابلاتنا مع قادة منصات الصحة الرقمية أن الهدف ليس في الأساس التعطيل والاستبدال، رغم أن الاستبدال قد يحدث في مجالات محددة؛ بل إن الهدف الأساسي هو تكملة مجموعة كبيرة من العروض القائمة.
الآثار المترتبة على دخول السوق: لكي تدخل المنصات الصحية الرقمية سوقًا لا يمكنها فيها تعطيل الجهات الفاعلة الراسخة من خلال بناء نظام بيئي منافس، ينبغي أن تركز أولًا على نطاق ضيق ومحدد جيدًا لدخول السوق. لقد قامت المنصات الصحية الرقمية الناجحة بتحديد نطاق للأنشطة والخدمات التي يمكن تقديمها بشكل أفضل من خلال هذه المنصات. علاوة على ذلك، اختارت بعناية الأسواق الجغرافية المحددة التي ستدخلها، ثم ركزت على جهود التكامل مع النظام البيئي القائم. يمكن للمنصات الصحية الرقمية تحسين التنسيق والمطابقة بين العرض والطلب في الرعاية الصحية، بفضل جدولة أبسط وأكثر مرونة دون قيد الموقع الجغرافي، ولكن نظرًا لأن العديد من الحالات المرضية تتطلب في نهاية المطاف فحصًا وعلاجًا جسديًّا، يظل الموقع الجغرافي يلعب دورًا رئيسًا بالنسبة للمنصات الصحية الرقمية. في كثير من الأحيان، تحتاج هذه المنصات إلى توفير قناة للوصول إلى خدمات الرعاية الصحية المادية لمرضاها. وقد ثبت أن ذلك صعب ومكلف، ولذلك فإن اختيار الأسواق الجغرافية التي ستدخلها المنصة أمر محوري. بالنسبة للمنصات الصحية الرقمية، قد يكون المحلي أكثر أهمية من العالمي، على الأقل على المدى القصير إلى المتوسط.
ثانيًا، ينبغي على المنصات الصحية الرقمية تصميم نموذج عمل قابل للتوسع يأخذ في الحسبان الواجهة بين الرعاية الرقمية والرعاية المادية. ويجب على المنصات الصحية الرقمية التعاون مع وحدات الرعاية الصحية المادية، على الأقل في تحويل المرضى إلى الرعاية التخصصية المناسبة أو إحالتهم إلى مراكز الرعاية الأولية المادية عند الحاجة، وبالتالي، يجب على شركات المنصات أن تختار بنشاط ما إذا كانت ستلتزم بالعروض الرقمية فقط وتتعاون مع الجهات القائمة، أو تطور أو تستحوذ على وحدات رعاية مادية لتدمجها مع عروضها الرقمية ضمن نموذج عمل متعدد القنوات.
في الولايات المتحدة وأوروبا، استحوذت عدة شركات منصات رقمية على مراكز رعاية مادية أو افتتاحها لتقديم عروض مشتركة. وبينما نجحت أحيانًا في أسواقها المحلية، أثبتت بعض المحاولات الدولية فشلها الذريع. على سبيل المثال، كجزء من توسعها في الولايات المتحدة عام 2021م، استحوذت شركة Babylon Health ومقرها لندن على مجموعة First Choice Medical Group (التي تضم مئات الأطباء في مقاطعتي فريسنو وماديرا في كاليفورنيا) وشبكة Meritage Medical Network (التي تمثل مئات الأطباء المحليين في الولاية). وتبين أن هذا التوسع كان عدوانيًّا بشكل مفرط وأسهم في إفلاس الشركة عام 2023م. ومن الجدير بالذكر أن هذا النوع من التحركات مكلف إذا كانت الاستراتيجية الأوسع هي العالمية، وهو ما أصبح واضحًا بشكل مؤلم لشركة Babylon Health.
بعض شركات المنصات التي استخدمت استراتيجيات مختلفة لأسواق مختلفة إما غادرت أسواقًا مختارة بسبب تكلفة القيام بعدة أمور في وقت واحد، أو بدأت في العودة إلى نموذج عمل رقمي بحت في محاولة لتحقيق الربحية. ومن الأمثلة على ذلك شركة Kry التي انسحبت من السوقين الإسبانية والألمانية، وشركة Min Doktor التي بدأت في سحب استثماراتها في الرعاية المادية في السويد، وتشير كلتا الحالتين إلى أنه بسبب طبيعة خدمات الرعاية الصحية، يجب على المنصات الصحية الرقمية التعامل مع التوتر بين التوسع الدولي والتكامل المحلي مع الرعاية المادية. ولذلك، يتطلب سياق الرعاية الصحية من الداخلين الجدد إلى السوق دراسة الترابطات بعناية بين نطاق الخدمات المقدمة، والأسواق الجغرافية التي سيدخلونها، وتكامل وواجهة الرعاية الصحية الرقمية والمادية.
القرار الثاني: كيفية توسيع نطاق الأعمال
وجهة النظر السائدة: يُعد مفهوم تأثيرات الشبكة أمرًا محوريًّا في استراتيجية المنصات، إذ تستفيد بعض المنصات من تأثيرات الشبكة المباشرة، أي أن إضافة مستخدم جديد إلى المنصة يضيف قيمة للمستخدمين الآخرين. على سبيل المثال، انضمام شخص جديد إلى فيسبوك يضيف مباشرة إلى القيمة التي يمكن لأصدقائه تحقيقها، وتستفيد منصات أخرى من تأثيرات الشبكة غير المباشرة. في هذه الحالات، يؤدي ازدياد عدد المستخدمين إلى تحفيز مزودي الموارد التكميلية للانضمام إلى المنصة وتطوير منتجات وخدمات جديدة، ما يزيد لاحقًا من القيمة لمستخدمي المنصة، وعندما تكون تأثيرات الشبكة موجودة، يمكن للمنصات الاستفادة من التوسع السريع من خلال مجموعة متنوعة من الأساليب، بما في ذلك دعم استخدام المنصة.
وجهة نظر الصحة الرقمية: كل من تأثيرات الشبكة المباشرة وغير المباشرة محدودة بالنسبة للمنصات الصحية الرقمية مقارنة بالعديد من أنواع المنصات الأخرى. لا يحقق المرضى الكثير من الفائدة بانضمام مرضى إضافيين إلى المنصة، ونظرًا لأن تقديم الرعاية الصحية محكوم بشكل صارم وموحد، فإن وجود مجموعة أكبر من الأطباء على المنصة لا يزيد عادة من المنافسة أو الخدمات أو العروض. علاوة على ذلك، تنظم السلطات الصحية الدخول إلى جانبي المنصة الصحية الرقمية، ولذلك، على الرغم من أن هذه المنصات لديها تأثيرات شبكة، فإن هذه التأثيرات لا تفسر بشكل كافٍ سبب نجاح بعض المنصات الصحية الرقمية وفشل غيرها. تشدد نتائجنا التجريبية بدلًا من ذلك على أهمية “تأثيرات التعلم”، والتي تشير في هذا السياق إلى تعلم القادة من بيانات المستخدمين والاستفادة منها لتحسين منصة الصحة الرقمية. ومن البدهيّ أن التعلم مهم في جميع أنواع تطوير المنصات، إلا أن تأثيرات التعلم في مجال الرعاية الصحية الرقمية هي الوسيلة الأساسية للاستفادة من تبني المستخدمين وزيادة احتفاظهم بالمنصة، ولذلك يجب على المديرين اتباع نهج مختلف في توسيع الأعمال التجارية.
آثار توسيع الأعمال التجارية: لاستخلاص ميزة تنافسية من تأثيرات التعلم، يجب على منصات الصحة الرقمية أن تبدأ بجمع بيانات غنية حول تجارب المرضى طوال عملية تقديم الرعاية الصحية، ويمكنهم استخدام الرؤى المستخلصة بطريقتين مهمتين: لتطوير التميز التشغيلي وتمكين تطوير نموذج العمل.
على الصعيد التشغيلي، قامت منصات الصحة الرقمية الناجحة في عينة بحثنا بتحليل كميات كبيرة من بيانات المستخدمين، واستخدمت التقنيات الرقمية والبيانات والذكاء الاصطناعي لتحسين تجربة العملاء، وتقليل أوقات الانتظار، وتعزيز كفاءة تقديم الرعاية الصحية من خلال تحسين العمليات والأنشطة المتكررة.
فعلى سبيل المثال، عادة ما يتولى الممرضون عملية الفرز الطبي، حيث يتبعون بروتوكولًا لفرز وتصنيف وتوجيه المرضى إلى المستوى والنوع المناسب من الرعاية، وتستخدم العديد من منصات الصحة الرقمية وصولها الواسع إلى البيانات لتطوير عمليات فرز آلية لزيادة الكفاءة وتحسين الأداء. على سبيل المثال، طورت منصة Platform24، ومقرها ستوكهولم، محرك فرز قادر على التعامل مع 15% إلى 25% من جميع حالات الفرز بشكل آلي بالكامل، وتقليل الوقت الذي يقضيه الموظفون في الفرز بأكثر من 50% مع الحفاظ على الدقة وتقليل الأخطاء اليدوية.
تركز بعض الشركات بشكل ضيق على أجزاء معينة من عملية الرعاية الصحية لجمع أكبر قدر ممكن من البيانات والخبرة من خلال تقديم حلولها بعلامات تجارية بيضاء والتعاون مع منصات أخرى. فعلى سبيل المثال، تقدم شركة Mediktor الأوروبية والأمريكية تقنيات للفرز الطبي والتشخيص الأولي تُباع لمنصات أخرى. وبمرور الوقت، يسمح لهم ذلك بالتعلم وتحسين عروضهم، ما يوفر ميزة تنافسية حتى دون السيطرة على التفاعل بين المرضى والأطباء.
البيانات ليست مفيدة فقط لإجراء تحسينات تشغيلية مستمرة على نطاق صغير، بل أيضًا لتحديد كيفية تكييف وتطوير وتحسين نموذج العمل. فعلى سبيل المثال، عندما كشفت تحليلات منصة Doktor24 في ستوكهولم لمسارات المرضى عن بطء الاستخدام وارتفاع معدلات الانسحاب لمجموعات معينة من المستخدمين مثل المرضى الأكبر سنًّا، أضافت إمكانية الوصول إلى المنصة من دون تطبيق عبر الهاتف والرسائل النصية، وقد زاد هذا من عدد المستخدمين الأقل تقدمًا رقميًّا على المنصة.
القرار الثالث: كيفية حوكمة النظام البيئي
الرؤية السائدة: تشير إدارة النظام البيئي إلى ممارسة قدر من السيطرة على العديد من أصحاب المصلحة المستقلين الذين يُسهمون في نظام المنصة البيئي ويُشكلونه. وغالبًا ما تتضمن إقناع الآخرين بالتصرف بطرق تتماشى مع رؤية النظام البيئي. فعلى سبيل المثال، تدير شركة Apple نظامًا بيئيًّا يضم العديد من مطوري التطبيقات المستقلين من الأطراف الثالثة. وهي تحكم النظام البيئي من خلال وضع قواعد بشأن من يُسمح له بالدخول (معايير الانتقاء) ومن يُستبعد (عبر عقود موحدة)، ومن خلال دعم بعض التطورات (بحزم تطوير الخدمات ومدونات السلوك الخاصة بالمنصة). هذا النوع من الإدارة المركزية، الذي تتبعه شركات محورية مثل Apple، أقل قابلية للتطبيق في سياق منصات الصحة الرقمية.
وجهة نظر الصحة الرقمية: على النقيض الحاد من الرؤية السائدة، تظهر أبحاثنا أن مجموعة من الجهات الفاعلة المتنوعة تشارك في إدارة النظام البيئي ذات الصلة بمنصات الصحة الرقمية. فعلى سبيل المثال، يضع المشرعون والمنظمون القواعد وينفذونها بشأن من يمكنه أن يكون مزود خدمة من طرف ثالث، وبشكل خاص، من يُسمح له بالعمل كطبيب وأي المؤسسات معتمدة لتقديم الرعاية الصحية. وغالبًا ما تحدد الحكومات أيضًا مستويات التعويض (التسعير) ونطاق خدمات الرعاية الصحية الممولة من الضرائب (مثل الخدمات التي تحصل على تمويل عام ومستوى أولويتها). ويمكن لشركات التأمين الصحي أن تلعب دور منسق الأنظمة من خلال تنسيق الحلول والجهات الفاعلة المستقلة المختلفة في عروضها. بالإضافة إلى ذلك، تطور المؤسسات المهنية المتخصصة إرشادات طبية حول كيفية تشخيص وتلبية الاحتياجات الصحية (وبالتالي وضع قواعد للفرز والتوفيق على منصات الصحة الرقمية). ونتيجة لذلك، بدلًا من الإدارة المركزية، هناك إدارة موزعة، ما يترك لمنصات الصحة الرقمية إمكانية التأثير على الإدارة من موقع طرفي بدلًا من الموقع المركزي.
الآثار المترتبة على حوكمة النظام البيئي: كشفت أبحاثنا عن استراتيجيتين تؤثر من خلالهما منصات الصحة الرقمية على النظام البيئي المحيط. يُدرَّب المهنيون الطبيون على تطبيق الأساليب القائمة على الأدلة فقط، وعدم الوثوق بالابتكارات التي تكون غامضة من حيث التزامها بالإرشادات المبنية على الأدلة. ولبناء الثقة والشرعية ليس فقط بين المستهلكين بل أيضًا بين الأطباء والمنظمين وشركات التأمين والجمعيات، يجب على المنصات أن تكون شفافة وسخية في مشاركة البيانات والأدلة المتعلقة بمدى ملاءمة وفاعلية وسلامة خدماتها.
فعلى سبيل المثال، في السويد، أدت الاتهامات المتعلقة بوصف المضادات الحيوية بشكل مفرط لإرضاء المستهلكين إلى فقدان الثقة بين الأطباء وجمعيات الرعاية الأولية حول مدى التزام المنصات بالإرشادات الطبية. وقد ردت منصات مثل Kry وMin Doktor وDoktor24 من خلال مشاركة بيانات وصفاتهم الطبية بشفافية، واستثمرت في مقارنة مستويات وصفها للأدوية مع مقدمي الرعاية الصحية العامة. وأظهرت البيانات أن مستويات الوصفات الطبية كانت متقاربة. كما رحبت منصات الصحة الرقمية في السويد بالمراجعات الخارجية التي استخدمت بيانات من المنصات ومصادر أخرى لتقييم مدى ملاءمة ممارسات المنصات، ما منحها المصداقية. وقد أدى هذا الكشف المفتوح عن الممارسات الداخلية إلى تقليل القلق بشأن ملاءمة وارتباط وسلامة منصات الصحة الرقمية.
وسيلة أخرى مهمة للتأثير على النظام البيئي هي المشاركة الاستباقية في تطوير التشريعات والتنظيمات. في الواقع، تؤكد منصات الصحة الرقمية عالميًا على الحاجة لتعديلات تنظيمية بحيث يمكن للتشريعات أن تستوعب بشكل أفضل تقديم الرعاية الصحية عبر الإنترنت بشكل مستقل جغرافيًّا، وهو ما تتيحه هذه المنصات. تراقب منصات الصحة الرقمية الناجحة وتشرح عواقب التنظيمات القائمة، ليس فقط لعملياتها الخاصة ولكن أيضًا لمقدمي الخدمات من الأطراف الثالثة والمرضى، وتُستخدم هذه المعلومات كمدخلات في تطوير التنظيمات المستقبلية.
تعاونت المنصات الأوروبية مثل Kry وMin Doktor مع مجموعات بحثية يمكنها تقديم بيانات قائمة على الأدلة حول كيفية تسبُّب أنظمة التعويض السائدة (مع رسوم مختلفة للخدمات الرقمية عبر المناطق) في عواقب مالية غير مقصودة لمناطق معينة عندما بدأ المرضى في استخدام خدمات المنصات الرقمية، وقد استُخدمت هذه الرؤى كمدخلات عند مناقشة مستويات التعويض المعيارية على المستوى الوطني في السويد.
تحمل منصات الصحة الرقمية وعودًا كبيرة في مواجهة التحديات الرئيسية في أنظمة الرعاية الصحية حول العالم، خاصة فيما يتعلق بالتكاليف والإنتاجية وسهولة الوصول، كما يمكن أن تكون هذه المنصات مكملات قيمة لخدمات الرعاية الصحية القائمة، مثل التطبيقات المتخصصة للأمراض المحددة والمراقبة عبر الإنترنت للحالات الصحية المزمنة.
سيكون القادة والمديرون في منصات الصحة الرقمية الذين يركزون على الاستفادة من تأثيرات التعلم المؤسسي، والتكامل المنهجي مع النظام البيئي القائم، واستخدام نمط موزع في تنسيق النظام البيئي، في موقع أفضل لإدارة وتوسيع وتكييف عملياتهم بما يتناسب مع الأهداف الإقليمية والوطنية والسوقية، وستسهم مثل هذه التغييرات في استراتيجية المنصات الرقمية في قطاع الرعاية الصحية في تحسين جودة الخدمات الصحية وابتكارها على مستوى العالم.
حول المؤلفين
ماركوس هولغرسون أستاذ إدارة واقتصاديات الصناعة في جامعة تشالمرز للتكنولوجيا في السويد. يواكيم بيوركدال أستاذ الإدارة الاستراتيجية والابتكار في جامعة تشالمرز للتكنولوجيا. آنا إيسين أستاذة مشاركة في بيت الابتكار، كلية ستوكهولم للاقتصاد. يوهان فريشمار أستاذ ريادة الأعمال والابتكار في جامعة لوليو للتكنولوجيا في السويد.
المراجع
1. “Digital Health Market Size Worth USD 1,518.64 Billion in 2030 — Emergen Research,” PR Newswire, Feb. 22, 2023, www.prnewswire.com.
2. C. Stewart, “Investor Funding in Digital Health Industry 2010-2022,” Statista, March 1, 2023, www.statista.com.
3. “Health Expenditures in the U.S. — Statistics & Facts,” Statista, Dec. 18, 2023, www.statista.com.
4. “What Is Digital Health?” U.S. Food and Drug Administration, Sept. 22, 2020, www.fda.gov.
5. A. Essén, J. Frishammar, and J. Cenamor, “Entering Non-Platformized Sectors: The Co-Evolution of Legitimacy Debates and Platform Business Models in Digital Health Care,” Technovation 121 (March 2023): 1-14.
6. A. Hagiu, “Strategic Decisions for Multisided Platforms,” MIT Sloan Management Review 55, no. 2 (winter 2014): 71-80.
7. B. Siwicki, “Why Does Big Tech Often Fail in Healthcare?” Healthcare IT News, March 25, 2022, www.healthcareitnews.com.
8. P. Padmanabhan, “Why Digital Health Startups Are Struggling to Gain Traction and What They Can Do About It,” Forbes, Aug. 11, 2022, www.forbes.com.
9. “International Health Care System Profiles,” eds. R Tikkanen, R. Osborn, E. Mossialos, et al., PDF file (New York: The Commonwealth Fund, December 2020), www.commonwealthfund.org.
10. T. Meyer and C. Cennamo, “Digital Transformation and the Value of Incumbents’ Complementary Assets: The Substitution Effect of Digital Platforms,” SSRN, Aug. 8, 2018, https://papers.ssrn.com.
11. H. Ozalp, C. Cennamo, and A. Gawer, “Disruption in Platform-Based Ecosystems,” Journal of Management Studies 55, no. 7 (November 2018): 1203-1241; and A. Gawer and M.A. Cusumano, “Platform Leadership: How Intel, Microsoft, and Cisco Drive Industry Innovation” (Boston: Harvard Business School Press, 2002).
12. T. Eisenmann, G. Parker, and M. Van Alstyne, “Platform Envelopment,” Strategic Management Journal 32, no. 12 (December 2011): 1270-1285; and Ozalp, Cennamo, and Gawer, “Disruption in Platform-Based Ecosystems,” 1203-1241.
13. M.L. Katz and C. Shapiro, “Systems Competition and Network Effects,” Journal of Economic Perspectives 8, no. 2 (spring 1994): 93-115; M.A. Cusumano, D.B. Yoffie, and A. Gawer, “The Future of Platforms,” MIT Sloan Management Review 61, no. 3 (spring 2020): 46-54; and A. Gawer, “Bridging Differing Perspectives on Technological Platforms: Toward an Integrative Framework,” Research Policy 43, no. 7 (September 2014): 1239-1249.
14. M.L. Katz and C. Shapiro, “Network Externalities, Competition, and Compatibility,” The American Economic Review 75, no. 3 (June 1985): 424-440.
15. A. Gawer and M.A. Cusumano, “How Companies Become Platform Leaders,” MIT Sloan Management Review 49, no. 2 (winter 2008): 28-35.
16. M.A. Schilling, “Technology Success and Failure in Winner-Take-All Markets: The Impact of Learning Orientation, Timing, and Network Externalities,” Academy of Management Journal 45, no. 2 (April 2002): 387-398.
17. S. Ansari, R. Garud, and A. Kumaraswamy, “The Disruptor’s Dilemma: TiVo and the U.S. Television Ecosystem,” Strategic Management Journal 37, no. 9 (September 2016): 1829-1853; and E. Autio, “Orchestrating Ecosystems: A Multi-Layered Framework,” Innovation 24, no. 1 (February 2022): 96-109.
18. D. Eisenberg, J. Rost, and T. Silberzahn, “Vital Signs: The Growing Impact of Digital Health Innovation,” July 13, 2021, in “McKinsey on Start-Ups,” produced by McKinsey, podcast, transcript, www.mckinsey.com.
