القائمة الرئيسية

استخدام الذكاء الاصطناعي لتحرير المعلومات

استخدام الذكاء الاصطناعي لتحرير المعلومات
ملخص المقال

يستعرض المقال كيف سيحوّل الذكاء الاصطناعي المتخصص إدارة الشركات من فن قائم على الحدس إلى مزيج من الفن والعلم، عبر بناء رسوم بيانية معرفية تربط كل البيانات والاتصالات داخل المؤسسة، مما يمكّن المديرين من الوصول إلى لوحات معلومات أعمق، وتحليل الأداء بدقة أكبر، وتسهيل تنقل المواهب داخليًا وخارجيًا. فالذكاء الاصطناعي سيجمع المعلومات من الرسائل والملفات والاجتماعات، ويحوّلها إلى رؤى استشرافية تساعد على اتخاذ قرارات أفضل وتخصيص الموارد البشرية بكفاءة، مع الحفاظ على دور المدير البشري في الحكم المستنير. ويؤكد هوفمان أن هذه التقنية، عند تطبيقها بحذر وضمن إطار أخلاقي، يمكن أن تعزز الإنتاجية والابتكار وتجعل الإدارة أكثر إنسانية، ما يعكس رؤيته لدور الذكاء الاصطناعي في دعم وتعزيز القدرات البشرية بدلًا من استبدالها.

ريد هوفمان

ملاحظة المحرر: هذه المقالة واحدة من سلسلة خاصة تتألف من أربع عشرة مقالة بتكليف من مجلة “إم آي تي سلون مانجمنت ريفيو” (MIT Sloan Management Review)، نُشرت احتفاءً بإطلاق مبادرة “فرونتيرز” (Frontiers) الجديدة. في كل مقالة، يجيب الكاتب عن السؤال التالي:

«خلال السنوات الخمس القادمة، كيف ستغير التكنولوجيا ممارسة الإدارة على نحو لم نشهده من قبل؟»

الذكاء الاصطناعي (Artificial Intelligence) على وشك تحويل الإدارة من فن خالص إلى مزيج من الفن والعلم. وليس لأننا سنخضع لأوامر حكام الروبوتات كما في قصص الخيال العلمي، بل لأن الذكاء الاصطناعي المتخصص سيتيح لنا تطبيق علم البيانات على تفاعلاتنا البشرية في العمل بطريقة لم يكن بمقدور رواد الفكر الإداري الأوائل، مثل بيتر دراكر، سوى أن يتخيلوها.

لقد شهدنا بالفعل قوة الذكاء الاصطناعي المتخصص في هيئة “واتسون” (Watson) من “آي بي إم” (IBM)، الذي تغلب على أفضل اللاعبين البشر في برنامج “جيوباردي” (Jeopardy)، و”ألفا غو” (AlphaGo) من “غوغل ديب مايند” (Google DeepMind)، الذي هزم مؤخرًا أحد أفضل لاعبي “غو” (Go) في العالم، لي سيدول، بأربعة انتصارات مقابل هزيمة واحدة. هذه الأشكال المتخصصة من الذكاء الاصطناعي قادرة على معالجة كميات هائلة من البيانات والتلاعب بها بسرعة تفوق قدرات أدمغتنا البيولوجية. وهنا تكمن قيمة الذكاء الاصطناعي للإدارة: ففي غضون السنوات الخمس المقبلة، أتوقع أن المؤسسات ذات الرؤية المستقبلية ستستخدم أشكالًا متخصصة من الذكاء الاصطناعي لبناء “رسم بياني للمعرفة” (knowledge graph) معقد وشامل على مستوى الشركة.

وكما يُمثل الرسم البياني الاجتماعي (social graph) شبكة العلاقات المتداخلة في شبكات التواصل الاجتماعي عبر الإنترنت، فإن رسم المعرفة البياني سيُمثل الترابط بين البيانات والاتصالات جميعها داخل شركتك. سيكون الذكاء الاصطناعي المتخصص حاضرًا في أرجاء المؤسسة كافة، مفهرسًا كل وثيقة ومجلد وملف. لكن الذكاء الاصطناعي لن يتوقف عند هذا الحد؛ بل سيجلس أيضًا في قلب تدفق الاتصالات، جامعًا المنتجات كافة الناتجة عن العمل، من رسائل البريد الإلكتروني إلى الملفات المشتركة ورسائل الدردشة. وسيكون الذكاء الاصطناعي قادرًا على الربط بين لحظة حفظك لمقترح، ومشاركته مع زميل، ومناقشته عبر رسائل الشركة. قد يبدو هذا أشبه بمراقبة شديدة (Big Brother-ish)، إلا أن النتيجة ستكون تزويد العاملين بالمعرفة بأدوات جديدة وقوية لجمع المعلومات وفهمها واتخاذ القرارات بناءً عليها. بل إن الذكاء الاصطناعي المتخصص سيساعدنا حتى في تحسين آفة الإنتاجية المسماة “الاجتماعات”. فسيتم تسجيل الاجتماعات وتفريغها وحفظها في مستودع معرفي. وكلما تطوع أحد الحضور في اجتماع لإنجاز مهمة معينة، سيقوم برنامج الذكاء الاصطناعي بتسجيل ذلك الالتزام ومتابعته، كما سيربط تلقائيًّا بين إتمام تلك المهمة والاجتماع الأصلي الذي انطلقت منه. هل يبدو ذلك بعيد المنال؟ إن تقنيات الذكاء الاصطناعي في التصنيف، ومطابقة الأنماط، واقتراح المعلومات ذات الصلة موجودة بالفعل في حياتنا اليومية؛ فكلّما بدأت في كتابة استفسار في مربع بحث غوغل (Google)، وظهرت لك ميزة الإكمال التلقائي، أو كلما تصفحت منتجًا في أمازون (Amazon) واقترح لك الموقع منتجات أخرى قد تهمك، فإنك تتفاعل مع هذه التقنيات.

إن صعود رسم المعرفة البياني سيؤثر على ممارسة الإدارة بثلاث طرق رئيسية:

١. لوحات المعلومات التنظيمية الأفضل

في الوقت الراهن، تقتصر لوحات المعلومات التنظيمية -وهي مجموعات البيانات التي يراقبها التنفيذيون ويستخدمونها لتوجيه اتخاذ القرار- على البيانات المهيكلة التي يسهل استخراجها أو تصديرها من الأنظمة القائمة، مثل الإيرادات، وتحميلات التطبيقات، ومعلومات الرواتب. لهذه المقاييس المرتبطة بالماضي قيمة بلا شك؛ إذ تساعد المديرين على فهم ما حدث في عملياتهم وتحديد النقاط الساخنة التي تتطلب معالجة. غير أن الرسوم البيانية المعرفية التي يولدها الذكاء الاصطناعي (AI) ستوسع نطاق هذه اللوحات بشكل كبير. فعلى سبيل المثال، سيتمكن المديرون من الوصول إلى تحليلات المشاعر في الاتصالات الداخلية، بهدف تحديد القضايا الأكثر تداولًا، والمخاطر التي يتم النظر فيها، وأماكن تخطيط الأفراد لنشر الموارد الأساسية (سواء كانت رأسمالية أو انتباهًا). ستوفر لوحات المعلومات المدعومة بالذكاء الاصطناعي معلومات استشرافية وتنبؤية تمنح مستوًى جديدًا كليًّا من الرؤية لاتخاذ القرارات الإدارية. لن تتخذ الحواسيب القرارات نيابةً عنّا، لكنها تستطيع تصفية كميات هائلة من البيانات لتسليط الضوء على أكثر الأمور إثارة للاهتمام، وعندها يمكن للمديرين التعمق باستخدام الذكاء البشري للوصول إلى الاستنتاجات واتخاذ الإجراءات. هذا مثال على ما يُشير إليه جوي إيتو، مدير مختبر الوسائط في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT Media Lab)، بمصطلح “الذكاء الممتد” (extended intelligence)؛ أي النظر إلى الذكاء كظاهرة شبكية واستخدام الذكاء الاصطناعي لتعزيز الذكاء البشري لا استبداله.

٢. إدارة الأداء المستندة إلى البيانات

إن عمليات إدارة الأداء الحالية تعاني من عيوب جسيمة؛ فقد وجدت دراسة أجرتها شركة ديلويت (Deloitte) أن ٨٪ فقط من المؤسسات تعتقد أن عملية المراجعة السنوية لديها متفوقة في تحقيق قيمة للأعمال. أحد الأسباب الرئيسية لهذا الاستياء هو نقص البيانات التي تدعم إدارة الأداء الموضوعية. لإدارة الأداء، لا بد من القدرة على قياسه، وفي معظم المؤسسات لا يتوفر ذلك لمعظم الموظفين. قد يتم تقييم القادة الكبار بناءً على الأداء الكلي للشركة، وبعض الوظائف مثل المبيعات لديها مقاييس أداء كمية وموضوعية، لكن الغالبية العظمى يتم تقييمهم وفق معايير وتحليلات ذاتية. وفي غياب البيانات، قد تلعب السياسة الداخلية والتحيز اللاواعي دورًا كبيرًا، مما يؤدي إلى إدارة أداء منحازة وغير دقيقة. ستمكن الرسوم البيانية المعرفية المديرين من تحديد المساهمين الحقيقيين الذين يقودون نتائج الأعمال. ستتمكن من معرفة من اتخذ القرار الأساسي لدخول سوق جديدة، ومن قام فعليًّا بتنفيذ العناصر الرئيسية لتحقيق ذلك. ومع أن الرسم البياني المعرفي يقلل دور التخمين والحدس، سيظل المدير البشري جزءًا من العملية، يمارس الحكم المستنير استنادًا إلى بيانات أفضل بكثير. والنتيجة ستكون تخصيصًا أكثر كفاءة لرأس المال البشري، حيث يُوَفَّق الأشخاص بشكل أفضل مع المشاريع التي تتناسب مع نقاط قوتهم، ويُوظَّف أفضلهم في المشاريع ذات التأثير الأعلى.

٣. زيادة تنقل المواهب

كلما تحسنت قدرتنا على تخصيص رأس المال البشري، ستحتاج المؤسسات إلى تحسين دعمها لزيادة تنقل المواهب، داخل المؤسسة وخارجها. ففي عصر الشبكات، تميل المواهب إلى التدفق نحو الاستخدام الأعلى تأثيرًا لها، وستجلب كل “جولة خدمة” من هذا النوع فائدة لكل من الشركة والعامل. لكن الناس ليسوا أجهزة “توصيل وتشغيل”؛ فهم يحتاجون إلى وقت ليصبحوا منتجين في دور جديد (جزئيًّا لأن بناء الروابط اللازمة داخل شبكة جديدة يستغرق وقتًا). سيجعل الرسم البياني المعرفي عملية التهيئة والتوجيه أسرع وأكثر فعالية بكثير. في اليوم الأول للعمل، سيتمكن الموظف من الاستفادة من الرسم البياني المعرفي لفهم ليس فقط وصف وظيفته، بل أيضًا العقد الشبكية الرئيسية التي يحتاج للعمل معها. وبدلًا من أن يُسلّم الموظف الجديد مجموعة من الملفات، ستتمكن برامج الذكاء الاصطناعي الخاصة بالتوظيف من الإجابة عن أسئلة مثل: “مع من ينبغي أن أعمل في مهمة نقل المكتب الجديد؟ ما الاجتماعات التي نوقش فيها هذا الأمر؟ متى موعد اجتماع الحالة التالي؟” وسيتمكن الموظف الجديد أيضًا من الاستفسار عن كيفية إنجاز الأمور في الماضي (مثلًا: “أرني مجموعة الوسوم للمواضيع التي كان سلفي يقضي وقته فيها وتوزيعها. كيف تطور هذا التوزيع خلال الاثني عشر شهرًا الماضية؟”). قد يطلب الذكاء الاصطناعي حتى من الموظفين المغادرين مراجعة وتوضيح الوثائق الأساسية التي ينبغي نقلها إلى خلفائهم. وستكون المعرفة الضمنية التي تتطلب عادةً أسابيع أو شهورًا لتراكمها في بيئة العمل اليوم قد تم جمعها مسبقًا بحيث يمكن للموظف، خلال الساعات الأولى من قبول الوظيفة الجديدة، البدء في تطبيق تلك المعرفة.

على الرغم من الفوائد المحتملة للذكاء الاصطناعي (AI)، فإن بعض الأشخاص شديدي الذكاء يشعرون بالقلق من مخاطره المحتملة، سواء كانت تتعلق بإحداث اضطرابات اقتصادية أو حتى صراعات فعلية (مثل تطبيق الذكاء الاصطناعي في أنظمة الأسلحة). ولهذا السبب تحديدًا، أساند مع أصدقاء مثل سام ألتمان، وإيلون ماسك، وبيتر ثيل، وجيسيكا ليفينغستون، مشروع OpenAI، لتعظيم فرص تطوير ذكاء اصطناعي “ودود” يساعد البشرية بدلًا من أن يضرها. لقد أصبح الذكاء الاصطناعي واقعًا دائمًا، واستخدام الذكاء الاصطناعي المتخصص لتعزيز الذكاء البشري في ميادين مثل الإدارة هو إحدى السُّبل التي يمكننا من خلالها مواصلة التقدم نحو عالم يعزز فيه الذكاء الاصطناعي مستقبل الإنسانية.

نُشرت هذه المقالة لأول مرة في ١٤ يونيو ٢٠١٦م بعنوان “استخدام الذكاء الاصطناعي لجعل الإدارة أكثر إنسانية وإطلاق حرية المعلومات”. وتم تحديثها لتعكس التعديلات التي أُجريت عليها لإدراجها في طبعتنا الورقية لخريف ٢٠١٦م.

مقالات ذات صلة