القائمة الرئيسية

هل يمكن للاحتكاك تحسين تجارب عملائك؟

هل يمكن للاحتكاك تحسين تجارب عملائك؟
ملخص المقال

يراجع المقال الفكرة الشائعة القائلة إن تقليل الاحتكاك في رحلة الشراء هو الطريق الأمثل لتحسين تجربة العميل، ويجادل بأن القدر المناسب من الاحتكاك—خصوصًا عند لحظات التسعير والدفع—يمكن أن يحقق فوائد طويلة الأجل للشركات والعملاء معًا. فبينما يؤدي الإفراط في الاحتكاك إلى الإحباط والتخلي عن الشراء، فإن انعدامه يجعل قرارات الشراء آلية وغير مدروسة، ما يزيد الندم والإرجاع ويضعف الارتباط بالعلامة التجارية. يبيّن المؤلفون أن الاحتكاك الإيجابي يساعد الشركات على اختيار العملاء الأنسب، وتحسين جودة قرارات الشراء ورضا العملاء، وخلق فرص للتواصل وبناء المعنى والقيم حول السعر والعرض، مستشهدين بأمثلة من التجارة الإلكترونية والعلامات الفاخرة والتسويق القيمي. ويخلص المقال إلى أن التحدي الحقيقي ليس إزالة الاحتكاك بالكامل، بل إدارته بذكاء وفق سياق القرار، وهدف الشركة، وطبيعة العملاء وقنوات البيع، بما يحوّل لحظة الدفع من عائق إلى أداة استراتيجية لتعزيز الولاء والاستدامة والقيمة طويلة الأجل.

ماركو بيرتيني، ودييغو أباريسيو، وأيلين أيدينلي

تسعى الشركات إلى تصميم رحلات شراء خالية من الإحباط والإزعاج قدر الإمكان. أصبحت عبارة “الاحتكاك يقتل تجربة العميل!” من المسلّمات الشائعة، ويُعتقد أن هذا ينطبق بشكل خاص عند خدمة المتسوقين عبر الإنترنت، المعروفين بقلة صبرهم وقصر مدى انتباههم؛ فمواقع المنافسين لا تبعد سوى بضع نقرات فقط.

يولي معظم قادة الأعمال الذين نعرفهم أولوية لإزالة الاحتكاك عند “لحظة الحقيقة”، عند عرض الأسعار وتحصيل المدفوعات، لأنهم بالإضافة إلى رغبتهم في تسهيل حياة العملاء المتحمسين، يخشون إعطاء العملاء سببًا للتوقف وإعادة النظر في قراراتهم. لكن كما سنوضح، فإن إعطاء العملاء وقتًا للتفكير في قرارات الشراء عندما تكون الأموال على المحك، هو بالضبط ما يمكن أن يحقق فوائد طويلة الأجل، ويوفر التكاليف للشركة.

الاحتكاك والمتسوق المتقلب عبر الإنترنت

من السهل فهم سبب إلحاح شركات التجارة الإلكترونية على جعل التسوق سلسًا قدر الإمكان، عندما بلغ متوسط معدل التخلي عن سلة التسوق عالميًّا خلال الاثني عشر شهرًا الماضية، نسبة مذهلة بلغت 71.7% بشكل عام — 60.7% بين مستخدمي أجهزة الكمبيوتر المكتبية أو المحمولة، و65.1% بين مستخدمي الأجهزة اللوحية، و77.4% بين مستخدمي الهواتف المحمولة. هذا الرقم الأخير ربما يكون الأكثر إثارة للقلق، بالنظر إلى أن التسوق عبر الهاتف المحمول في الولايات المتحدة نما بأكثر من 200 مليار دولار خلال ثلاث سنوات، ليصل إلى 431 مليار دولار في عام 2022م. ووفقًا لمعهد بايمارد، يمكن لمتجر التجارة الإلكترونية الكبير أو المتوسط زيادة معدل التحويل بنسبة 35%، من خلال تبسيط وتسهيل عملية الدفع.

ليس من المستغرب أن عمالقة التجارة الإلكترونية؛ مثل أمازون وعلي بابا، يستثمرون بكثافة في تسريع مرور المستهلكين عبر لحظات الحقيقة، بجعل الأسعار والمدفوعات شبه غير مرئية؛ فقد كانت أمازون رائدة في التسوق بنقرة واحدة في عام 1999م. واليوم، ينصب الاهتمام على تقنية “Just Walk Out” التي تمزج بين الرؤية الحاسوبية وأجهزة استشعار الوزن والتعلم العميق، لجلب بعض سهولة التسوق عبر الإنترنت إلى المتاجر الفعلية: يمرّر الزبائن بطاقات ائتمان عند دخول المتجر لفتح سلة افتراضية، ويختارون المنتجات من الرفوف، ويغادرون دون التوقف عند أمين الصندوق. أما في علي بابا، فإن المدفوعات الرقمية وأجهزة الدفع الذاتي هي القاعدة في 300 فرع من سوبرماركت “فريشبو” التابع لها. ويمكن للناس حتى استخدام تقنية التعرف إلى الوجه التابعة لشركة “علي باي” للدفع عبر الوجه.

أما الشركات ذات الموارد الأقل، فهي تجري تغييرات على عمليات الشراء بشكل تدريجي؛ لكن لا تقل أهمية. على سبيل المثال، ازداد مؤخرًا انتشار خيارات التمويل بالتقسيط “اشترِ الآن وادفع لاحقًا”، أو بنود التجديد التلقائي للخدمات القائمة على الاشتراك، التي تتيح للشركات تجنب المواجهة السنوية مع العملاء الذين يعيدون النظر فيما إذا كانوا لا يزالون يرغبون في الخدمة. وقد تبنت الأعمال التجارية عبر الإنترنت هذه الفرص وغيرها، لجعل إنفاق المال أقل إيلامًا ببساطة عن طريق السماح للعملاء بعدم التفكير فيه.

ومع ذلك، من السذاجة التفكير في أن للاحتكاك آثارًا سلبية فقط، مثل إزعاج العملاء أو خفض المبيعات. صحيح أن وجود مقاومة زائدة في رحلة الشراء يمكن أن يثبط الرغبة في الشراء بسهولة؛ لكن قلة المقاومة تُضعف عملية اتخاذ القرار وتؤدي إلى فقدان فرص التواصل الأفضل مع العملاء. والسؤال الذي نقترح على قادة الأعمال طرحه على أنفسهم: هل يريدون حقًّا أن يشتري عملاؤهم بشكل آلي؟

في هذا المقال، نشرح كيف يمكن لقليل من الاحتكاك في عملية الشراء، أن يساعد الشركات على إشراك العملاء، ونقدم إرشادات بشأن كيفية الاستفادة من هذه التأثيرات لبناء علاقات أقوى مع العملاء.

لا مكسب من دون ألم

بعض الاحتكاك في رحلة الشراء يمكن أن يحمي المستهلكين من الاحتيال أو انتهاكات الخصوصية، أو تصرفاتهم غير المقصودة. على سبيل المثال، فإن طلب التحقق بخطوتين وطلب تأكيد العميل لرغبته في إتمام الشراء، هما إزعاجان منطقيان يضمنان في النهاية حماية العملاء من التهديدات والأخطاء.

لكن وجود كثير أو قليل من الاحتكاك حول قرار الشراء، يمكن أن تكون له آثار سلبية؛ فوجود خطوات كثيرة في رحلة الشراء قد يشتت انتباه المتسوقين، ويجعلهم يفتقرون إلى القدرة الذهنية اللازمة للتفكير بعناية في قراراتهم. وهذا يؤدي إلى ارتفاع معدلات التخلي عن السلة، ويزيل فرص التفاعل مع العملاء من خلال المراجعات أو الإحالات أو التوصيات، أو غيرها من التفاعلات. أما قلة الاحتكاك، فيجعل الناس لا يفكرون بما يكفي في قراراتهم، ويستسلمون للميل البشري لتوفير الجهد الذهني. هذا الغياب للاحتكاك يؤدي إلى حالة من الخدر، وكلما قل ارتباط المتسوقين بالشراء، زاد شعورهم بالتردد. ويمكن أن يؤدي هذا النقص في الالتزام بدوره إلى إرجاع المنتجات، وإضعاف العلامات التجارية، وتقليل الرضا على المدى الطويل. رحلة الشراء التي تحمل تحديًا كافيًا، مع ذلك، تكون محفزة وجذابة، ولأن العملية ليست مرهقة أو بسيطة بشكل مفرط، يكون لدى الناس دافع لبذل جهد ذهني في المهمة. بعبارة أخرى، يمكن للقدر المناسب من الاحتكاك أن يدفع العملاء إلى تنقية وتثبيت تفضيلاتهم، ويمكن أن يؤدي إلى ثلاث فوائد للشركات.

1. الاحتكاك يساعد البائعين على اختيار العملاء المناسبين. يجب على الشركات التي تعطي الأولوية للربحية طويلة الأجل لقاعدتها من العملاء على حساب المكاسب الفورية من إجراء عملية بيع، أن تتبنى منظورًا شاملًا وطويل الأجل بالقدر نفسه عند تطوير علاقاتها مع الجماهير المستهدفة. ويتطلب ذلك الاستثمار في الاستحواذ، والاحتفاظ، والنمو. ومع وضع هذه الفكرة في الحسبان، يبقى السؤال: هل العقبات التي تزيد من الألم النفسي عند التفكير في الإنفاق، ستُثني بشكل غير متناسب العملاء المحتملين الذين يكون الحصول عليهم أكثر تكلفة، أو الذين من غير المرجح أن يشتروا مرة أخرى في مناسبات مستقبلية، أو من غير المرجح أن يزيدوا إنفاقهم على العلامة التجارية مع مرور الوقت، أو يوصوا بها للآخرين؟

استخدام الاحتكاك لاستبعاد العملاء غير المناسبين أو اختيار المناسبين، هو تقنية مألوفة في أسواق السلع الفاخرة وفي أي سياق ترغب فيه الشركة في أن يُظهر العملاء المحتملون التزامهم. على سبيل المثال، تشتهر شركة فيراري بجعل شراء السيارات ذات الإصدارات الخاصة أمرًا صعبًا. وبالمثل، لا تمانع العلامات التجارية الفاخرة في تشجيع الانتظار في قوائم الشراء، سواء كان افتراضيًّا أو فعليًّا، أو تعقيد عملية الشراء من خلال حجب الأسعار مؤقتًا، أو إطالة عملية الدفع، أو استخدام أساليب أخرى. المنطق البسيط وراء هذه الأساليب أن العملاء الأكثر اهتمامًا بمنتجات الشركة، أو الأكثر استثمارًا في العلامة التجارية، هم فقط من سيجدون تجاوز هذه الإزعاجات والتعقيدات أمرًا مقبولًا خلال رحلة التسوق.

2. عندما يمكّن الاحتكاك من اتخاذ قرارات أفضل، يتحسن رضا العملاء. إن استخدام الاحتكاك لمنح المستهلكين لحظة للتوقف والتفكير في تبعات مشترياتهم، يمكن أن يمنع شعور الندم بعد الشراء، ويشجع المتسوقين على اختيار الخيار الأنسب من بين البدائل المتاحة.

يمكن أن يساعد إبراز المقايضة بين ما سيدفعه المشتري المحتمل، وما سيحصل عليه بشكل كافٍ، في منع اتخاذ قرارات شراء غير مدروسة في لحظة اندفاع. فعلى سبيل المثال، قد تروج وسائل التواصل الاجتماعي لخدمات “اشترِ الآن وادفع لاحقًا”، كطريقة ذكية للشراء بميزانية محدودة، ولكن سهولة وراحة هذه الخدمات، المتوفرة الآن في عديد من مواقع التجارة الإلكترونية ضمن عمليات الدفع، يمكن أن تشجع الأسر على الإنفاق الزائد، ما يؤدي إلى ضغوط مالية وتراكم الديون. وقد وجدت إحدى الدراسات أن 42٪ من الأمريكيين الذين حصلوا على مثل هذا القرض، سدّدوا دفعة متأخرة واحدة على الأقل. بالإضافة إلى ذلك، تظهر الأبحاث أن المدفوعات التي تتم إما قبل مدة طويلة، وإما بعد مدة طويلة من لحظة الاستهلاك الطبيعية، يمكن أن تقلل من انتباه الناس للتكلفة. ويؤكد أنصار “اشترِ الآن وادفع لاحقًا”، أن هذا “يفصل بين تجربة الشراء الممتعة وعملية الدفع المملة”، في حين أن مثل هذا “الفصل بين العملية والتجربة” ثبت أنه يقلل من احتمال استخدام المستهلك للسلعة المشتراة.

إن ميزة تجنب القرارات السيئة واضحة نسبيًّا من منظور السياسات العامة؛ إذ يتفق معظم الناس على أن الإنفاق الزائد والاستخدام المزمن المنخفض للسلع المشتراة، ليسا صفتين مرغوبتين في المجتمع. لكن تشجيع العملاء على الانخراط بشكل أكثر تفكيرًا من خلال الاحتكاك في عملية الشراء، يمكن أن يعود بالنفع على الشركات أيضًا.

ثمة فائدة فورية واحدة هي انخفاض معدلات الإرجاع. في عديد من القطاعات، تشكل الإرجاعات عبر الإنترنت عبئًا كبيرًا على الأداء المالي؛ حيث تصل إلى ما بين 15 و30 سنتًا لكل دولار من سعر البضائع المعادة. ووفقًا لدراسة أجرتها شركة Appriss Retail والاتحاد الوطني للبيع بالتجزئة، أُعيدَت بضائع بقيمة تقارب 220 مليار دولار إلى تجار التجزئة الرقميين في الولايات المتحدة عام 2021م، أي ما يعادل تقريبًا 21% من إجمالي المبيعات عبر الإنترنت. وهذا العبء، بالتأكيد، ليس ماليًّا فقط، بل بيئي أيضًا؛ فقد لا تكون المنتجات المعادة قابلة للبيع مرة أخرى بسبب التلف أو مشكلات أخرى، ومن ثم ينتهي بها الأمر في مكبات النفايات، أو تُدمَّر. ووفقًا لتقرير واحد، تخلق الإرجاعات عبر الإنترنت في الولايات المتحدة وحدها، خمسة مليارات رطل من نفايات المكبات، و15 مليون طن من انبعاثات الكربون سنويًّا. كما أن إضافة قدر من الاحتكاك يمنح العملاء وقتًا للتفكير في الشراء والانخراط فيه بشكل أكبر. تقوم علامات تجارية مثل شانيل، ولويس فويتون، وبالينسياغا، بتأخير الإفصاح عن الأسعار بطرائق متنوعة —على سبيل المثال، من خلال تقديم تجارب شخصية مع مندوبي المبيعات— ليس فقط لاختيار العملاء الأفضل، كما ذُكر أعلاه؛ بل لوضع المنتج في مركز الاهتمام ومساعدة العملاء على استيعاب جودته ومعناه. وتشير الأبحاث في تقاطع التسويق وعلم الأعصاب، إلى أن الكشف عن الأسعار بعد تقديم معلومات المنتج، يركز التقييمات على الجاذبية والرغبة (يسأل الناس أنفسهم: “هل أحب هذا؟”)، في حين أن القيام بالعكس يركز التقييمات على القيمة المالية (يسأل الناس أنفسهم: “هل يستحق ذلك؟”). وفي دراسة أجرتها شركة غارتنر، اتفق عملاء الشركات والأفراد على أنه إذا “اكتشفوا شيئًا جديدًا عن احتياجاتهم أو أهدافهم الشخصية”، فإن احتمال شرائهم المزيد يزيد بمقدار 1.73 مرة.

يمكن لاستخدام الاحتكاك، من أجل تحفيز التفكير الذي يؤدي إلى اتخاذ قرار الشراء، أن يعزز الشعور بامتلاك المنتج، ويمكن أن يؤدي ذلك إلى علاقة أقوى بين الشركة والعملاء، ويزيد من استعداد العملاء لاستثمار موارد إضافية في العلاقة. وكلما فكر العملاء أكثر في قرار الشراء، زاد ارتباطهم العاطفي بالمنتج الذي يختارونه في النهاية. وهناك أدلة على أن التواصل مع العملاء على المستوى العاطفي، طريق فعال لتعظيم قيمة العميل.

وأخيرًا، تظهر الأبحاث أيضًا أن الناس يميلون إلى تقدير المنتجات أكثر عندما يحصلون عليها من خلال بذل جهد؛ وهو ما يُعرف بتأثير “إيكيا”، في إشارة إلى سياسة الشركة في جعل العملاء يجمعون أثاثهم بأنفسهم. ويمكن أن تؤثر تجربة بذل الجهد في كيفية إدراك الناس لقيمة وجودة المنتج أو الخدمة، كما أن إضافة بعض الجهد إلى عملية الشراء عبر الإنترنت، يمكن أن تفعّل هذا التأثير.

بشكل عام، نرى أن الاحتكاك ينجح في تحفيز التفاعل، ونعلم أن العملاء المتفاعلين يكونون أكثر رضا بشكل عام عن تفاعلهم وتجاربهم مع العلامات التجارية وتجار التجزئة. يصبح العملاء المتفاعلون مدافعين عن العلامة التجارية، ما يزيد من وضوح الشركة ومصداقيتها، كما أنهم غالبًا ما ينقلون تجاربهم الإيجابية للآخرين، ما يؤدي إلى اكتساب عملاء جدد ورفع سمعة العلامة التجارية. وهم أيضًا أكثر عرضة للحصول على تجارب خدمة عملاء أفضل، ويشعرون بأنهم محل تقدير من قبل الشركة، ويقدمون ملاحظات واقتراحات ذات مغزى، وتعد هذه الملاحظات ذات قيمة لفهم الاحتياجات المتغيرة للعملاء، وإجراء التحسينات المناسبة على المنتجات أو الخدمات بمرور الوقت.

3. الاحتكاك يخلق مساحة للشركات للتواصل مع العملاء. إن الاحتفاظ بقدر من الاحتكاك تحديدًا عند مواجهة العملاء للأسعار والدفع، خصوصًا عندما يكون هذا القدر من الاحتكاك غير متوقع، يجذب الانتباه. وهذه فرصة للشركات للإعلان عن قيمها وميزات عروضها.

هناك عدة طرائق لاستخدام الاحتكاك في الترويج. أولًا، يمكن للشركات إشراك العملاء في عملية الدفع لاستحضار مشاعر إيجابية. فعلى سبيل المثال، من الممارسات الشائعة إعطاء العملاء خيار تقريب مبلغ المعاملة إلى رقم الدولار  الصحيح الأعلى، والتبرع بالفارق للأعمال الخيرية. وهناك إمكانية أخرى؛ وهي تقديم حملات “ادفع ما تريد”، حيث يختار العميل السعر الذي سيدفعه مقابل المنتج. وعلى الرغم من أن هذه المبادرات لا تسرّع عملية الدفع (فمن المدهش مدى الجهد الذي يتطلبه التفكير في المبلغ الذي يرغب المرء في دفعه مقابل شيء ما)، فإنها يمكن أن تؤدي إلى روابط عاطفية أقوى. يمكن للشركات أيضًا أن تعبر عن الأسعار بطرائق غير تقليدية عمدًا، لإجبار العملاء على التفكير بعمق أكبر في الرسالة الأساسية. فعلى سبيل المثال، يستخدم أحد إعلانات شركة إيكيا علب المشروبات الغازية لتحديد أسعار منتجاتها بطريقة مرحة. وبالتأكيد، لن يقبل المتجر المشروبات الغازية وسيلةَ دفع مقابل الأثاث. وعلى الرغم من أن الأمر يتطلب لحظة من الجهد الذهني لفهم “سعر الصرف”، فإن الرسالة التي تفيد بأن الأثاث في متناول اليد مثل عدد من المشتريات الصغيرة، كالمشروبات الغازية، تصل إلى العملاء.

مثال آخر هو الحملة الإعلانية الحائزة على جوائز لشركة ستيلا أرتوا تحت شعار “باهظة الثمن بشكل مطمئن”. حاولت العلامة التجارية الإشارة إلى الجودة العالية لمنتجها من خلال إدخال العلاقة بين السعر والجودة في تواصلها السعري. وقد قلبت ستيلا توقعات المستهلكين من خلال عرض قسيمة ترفع سعر المنتج بطريقة مرحة (“أحضر هذه القسيمة وادفع دولارًا وربع دولار إضافيّين في المرة المقبلة التي تشتري فيها ستيلا أرتوا”). من خلال تقديم “صفقة” تبدو محيرة وغير منطقية، دفعت العملاء إلى الاستنتاج بأن المنتج يفوق منافسيه بكثير (ويستحق التكلفة).

يمكن أيضًا استخدام الاحتكاك في عملية الدفع للتعبير عن قيم العلامة التجارية. فعلى سبيل المثال، في عام 2014م، زادت منظمة الإغاثة “ميزيريور” معدلات التبرع من خلال وضع شاشات تفاعلية في أماكن مثل المطارات، تطلب من المارة التبرع بمبلغ 2 يورو عن طريق تمرير بطاقاتهم الائتمانية على الشاشة. وعند التمرير، يُفعَّل تسلسل تفاعلي مشوق؛ مثل تصوير البطاقة الائتمانية وهي تقطع شريحة من الخبز لإطعام الجائعين، أو تحرير طفل مسجون.

وأخيرًا، في مثال جريء على الاحتكاك الشديد، أغلقت شركة “آر إي آي” لمستلزمات الأنشطة الخارجية، متاجرها الفعلية، وتوقفت عن معالجة المدفوعات عبر الإنترنت في يوم الجمعة السوداء، وهو أكبر يوم تسوق في الولايات المتحدة. كان هدفها اتخاذ موقف ضد الاستهلاكية، وتشجيع المتسوقين المحتملين على قضاء الوقت في الهواء الطلق بدلًا من التسوق؛ وهي رسالة تؤكد التزام الشركة بتسهيل الاستكشاف للجميع.

النقطة المثالية للاحتكاك

الاختيار الأفضل للعملاء، واتخاذ قرارات المستهلكين، والترويج؛ ثلاثة أسباب وجيهة للتخلي عن الهدف البسيط المتمثل في القضاء التام على الاحتكاك. ونظرًا للسلبيات المصاحبة لتشجيع العملاء على الشراء بشكل تلقائي، يجب على قادة الأعمال السعي لتحديد الدرجة المناسبة من الاحتكاك في عمليات الشراء الخاصة بشركاتهم. ومن خلال خبرتنا؛ هناك خمسة عوامل على الأقل يجب أخذها في الحسبان. سنستعرضها ونقدم بطاقة تقييم تجمع بينها وتساعد في توجيه عملية اتخاذ القرار. (انظر “ما الدرجة المناسبة من الاحتكاك لتجربة عملائك عبر الإنترنت؟”).

الخطوة الأولى لكل شركة هي اعتماد تعريف أكثر دقة لماهية الاحتكاك. في الوقت الحالي، يُنظر إلى جميع أشكال الاحتكاك بشكل سلبي، ما يقلل من شعور المؤسسات بالحاجة إلى تحديد ماهيته بدقة. في الغالب، يُقاس الاحتكاك من حيث الوقت الموفر، لكن ليس كل وقت متساوي القيمة. في الواقع، يجب أن تنظر الشركات إلى الاحتكاك السلبي على أنه أي شيء يعيق، أو يشتت العملاء عن اتخاذ قرار الشراء، وإلى الاحتكاك الإيجابي على أنه أي شيء يحسن من عملية التفكير والتأمل.

الخطوة الثانية هي فهم السياقات التي تستفيد من وجود الاحتكاك الإيجابي؛ لأن هذه الحاجة ليست عالمية. ما الرهان في قرار الشراء المحدد؟ وهل يتطلب عادة مشاركة عالية أو منخفضة من العميل؟ غالبًا ما يرتبط الأمران معًا، بحيث تتطلب القرارات ذات المخاطر العالية مشاركة عالية أيضًا، لكن هذا ليس بالضرورة صحيحًا دائمًا. فعلى سبيل المثال، قد لا يشارك المستهلك الميسور ماليًّا بشكل أكبر، في قرار الشراء لمجرد أن السلعة باهظة الثمن. وعندما تنهار هذه العلاقة بالذات، عليك التدخل لإدارة الاحتكاك بشكل استباقي. قد تكون القرارات عالية المخاطر كذلك بسبب أهمية المنتج أو الخدمة المعنية، أو حجم الإنفاق المالي، أو العواقب الشخصية أو الاجتماعية للشراء. وفي هذا السياق، قد لا يكون استخدام تقنية مثل “أمازون جاست ووك آوت” في الملاعب، جيدًا للأشخاص الذين لم يعودوا يترددون في شراء الوجبات غير الصحية، بسبب طول طوابير الانتظار في نقاط البيع.

ثالثًا، فكّر في هدفك التجاري. إذا كنت تهتم بإبراز التوفير في التكاليف مقارنة بأسعار المنافسين، فحينها —نعم— تقليل الاحتكاك من خلال عرض سعرك الجذاب مقدمًا أمرٌ مجدٍ. ومع ذلك، إذا كنت تنافس على أساس الابتكار أو الجودة أو خدمة العملاء، فقد يكون من الأفضل الإبقاء على بعض الاحتكاك بتأخير عرض السعر، لأن ذلك يدفع العملاء للتفكير وتحديد تفضيلاتهم. بعض الاحتكاك يسمح للشركات بتحويل الحوار من “هل يستحق ذلك؟”، إلى “هل يعجبني؟”، وإذا كان الهدف تقوية العلامة التجارية، فإن إضافة الاحتكاك هو الطريق الصحيح.

رابعًا، ضع في حسبانك تركيبة قاعدة عملائك، ومدى قرب العلاقات مع العملاء. قد تتطلب الفئات الديموغرافية المختلفة للعملاء مزيدًا، أو قليلًا من الاحتكاك، اعتمادًا على توقعاتهم المتعلقة بفهمهم للمنتج أو الخدمة، أو قدرتهم على الدفع. وبالمثل، فإن مرحلة العلاقة مهمة. قد ترغب في إضافة مزيد من الاحتكاك في المعاملات مع العملاء الجدد مقارنة بالعملاء العائدين، خصوصًا أولئك الذين قد يكونون أقل دراية بمنتجاتك، أو فئة المنتج. قد ترغب في جعل عملية الشراء أكثر صعوبة للعميل المحتمل، وإضافة بعض الاحتكاك للعميل العائد، وتقديم تجربة سلسة تمامًا للعميل الوفي الذي يفهم المنتج أو الخدمة بشكل كامل. يجب على الشركة أن تعزز العلاقات الدائمة مع العملاء؛ لأن ذلك هو الطريق الوحيد لزيادة قيمة العميل.

خامسًا، فكر في اختيارك لطريق الوصول إلى السوق. يمكن لجميع بيئات البيع بالتجزئة، أن تستفيد من بعض الاحتكاك، لكن تطبيقها سيكون مختلفًا. في المتاجر التقليدية، قد تكون إضافة نقاط احتكاك تشجع على التفاعل بين البائع والعميل، هي النوع المناسب من الاحتكاك. أما في المتاجر الإلكترونية، فإن إضافة خطوات لتعزيز التفكير يمكن أن تقلل من عمليات الإرجاع، وتزيد من رضا العملاء لاحقًا. أما على وسائل التواصل الاجتماعي، فيمكن للشركة أن تسعى لتحقيق توازن بين المحتوى الذي يشجع تفاعل العملاء، وليس فقط معدلات النقر، ما يساعد على تثبيط المستخدمين عن التسوق بلا وعي، أو بدافع الاندفاع.

في الواقع، بالنسبة للشركات التي تبيع المنتج نفسه في المتاجر التقليدية وعبر الإنترنت، قد تكون الحاجة إلى مزيد من الاحتكاك (الإيجابي) في القناة الإلكترونية أو عبر الهاتف المحمول، أكبر، نظرًا لأن معدلات الإرجاع تكون عادة أعلى في تلك القنوات. إحدى التقنيات المثيرة للاهتمام التي اعتمدتها بعض العلامات التجارية للأزياء مؤخرًا، هي فرض رسوم على الإرجاع عبر الإنترنت. بدأت شركات مثل أنثروبولوجي، وH&M، وزارا، بفرض رسوم على إعادة المنتجات عبر الإنترنت (لكن ليس عند الإرجاع في المتجر). نعم، قد يؤدي فرض رسوم على الإرجاع إلى إغضاب بعض العملاء. ولكن، مرة أخرى، يمكن أن يكون هذا الأمر أساسيًّا للاحتفاظ بأكثر العملاء ملاءمة وتعزيز العلاقات مع أولئك الذين يصرون على الشراء.

“كيف يمكننا جعل أسعارنا أقل وضوحًا وأسهل في الدفع؟”؛ أحد أكثر الأسئلة شيوعًا التي تُطرح على فرق وخبراء تجربة المستخدم. لكن يجب على قادة الأعمال احتضان لحظة الحقيقة مع العميل، بدلًا من السعي لإزالتها. لا ينبغي لهم الانسياق وراء الفكرة الشائعة بأن الاحتكاك هو القاتل النهائي للتحويل.

لا شك في أن سوء استخدام الاحتكاك يمكن أن يقوض تجربة العميل. لكنَّ عالمًا خاليًا من الاحتكاك لا يقل خطورة. هذا درس تعلمه معظمنا منذ سنوات من معلم الفيزياء في المدرسة الثانوية: كثير من الاحتكاك يمنع التقدم نحو الهدف، لكنّ قليلًا منه قد يؤدي إلى الفوضى.

في الواقع، يخبرنا العديد من قادة الأعمال بالفعل، بأنهم يريدون من العملاء قضاء وقت أكثر إنتاجية في اتخاذ قرارات الشراء. يبدو أن هذه وظيفة مثالية للاحتكاك. فإذا أدى التفكير إلى جعل المتسوقين يتخذون قرارات أكثر أمانًا وأفضل، وبدورها تؤثر هذه القرارات في الشركات من خلال تقليل عمليات الإرجاع، وسلوك المستهلك الأكثر استدامة، وزيادة رضا العملاء وولائهم، فدعونا جميعًا نقبل ونتبنَّ بعض المتاعب والعقبات كأداة أخرى —وإن كانت مفاجئة— في خدمة التركيز على العميل.

عن المؤلفين

ماركو بيرتيني أستاذ التسويق في مدرسة إيسادي وجامعة رامون لول ببرشلونة، ومستشار أول في شركة جلوبالبراكسيس. دييغو أباريسيو أستاذ مساعد في التسويق في كلية إدارة الأعمال IESE ببرشلونة. أيلين أيدينلي أستاذة مشاركة في التسويق في جامعة فريجي بأمستردام.

المراجع

1. “The Average Shopping Cart Abandonment Rate Globally Is 71.68%,” Dynamic Yield, accessed Sept. 22, 2023, https://marketing.dynamicyield.com/.

2. D. Coppola, “Retail M-Commerce Sales in the U.S. 2019-2025,” Statista, March 8, 2022, www.statista.com.

3. “49 Cart Abandonment Rate Statistics 2023,” Baymard Institute, accessed Sept. 18, 2023, https://baymard.com.

4. “ألم الدفع” هو ظاهرة موثقة في الأبحاث الأكاديمية حول المستهلكين. في الواقع، تظهر العديد من الدراسات أن دفع المال ينشط مناطق الدماغ المرتبطة عادة بالشعور بالألم الجسدي. على سبيل المثال، انظر:

N. Mazar, H. Plassmann, N. Robitaille, et al., “Pain of Paying? A Metaphor Gone Literal: Evidence From Neural and Behavioral Science,” working paper 2901808, Rotman School of Management, Toronto, April 2017.

5. E. Sylvers, “Why It Takes More Than Money to Buy a Special-Edition Ferrari,” The Wall Street Journal, Sept. 27, 2016, www.wsj.com.

6. M. Schulz, D. Shepard, and P. Huang, “42% of Buy Now, Pay Later Users Have Made a Late Payment,” LendingTree, April 18, 2022, www.lendingtree.com; A. Andriotis, “Missed Payments, Rising Interest Rates Put ‘Buy Now, Pay Later’ to the Test,” The Wall Street Journal, June 1, 2022, www.wsj.com; and S. Galloway, “Buy Now. Pay (and Pay, and Pay, and Pay) Later,” Intelligencer, May 23, 2022, https://nymag.com.

7. T. Taggart, “5 Merchant Benefits of Buy Now, Pay Later,” Citcon, May 18, 2022, https://citcon.com; and J. Gourville and D. Soman, “Pricing and the Psychology of Consumption,” Harvard Business Review 80, no. 9 (September 2002): 90-96.

8. P. Kavilanz, “Just Keep Your Returns: Stores Weigh Paying You Not to Bring Back Unwanted Items,” CNN Business, June 26, 2022, www.cnn.com.

9. “Retail Returns Increased to $761 Billion in 2021 as a Result of Overall Sales Growth,” National Retail Federation, Jan. 25, 2022, https://nrf.com.

10. J. Schiffer, “The Unsustainable Cost of Free Returns,” Vogue Business, July 30, 2019, www.voguebusiness.com.

11. U.R. Karmarkar, B. Shiv, and B. Knutson, “Cost Conscious? The Neural and Behavioral Impact of Price Primacy on Decision Making,” Journal of Marketing Research 52, no. 4 (August 2015): 467-481.

12. L. Leachman and D. Scheibenreif, “Using Technology to Create a Better Customer Experience,” Harvard Business Review, March 17, 2023, https://hbr.org.

13. Z. Carmon, K. Wertenbroch, and M. Zeelenberg, “Option Attachment: When Deliberating Makes Choosing Feel like Losing,” Journal of Consumer Research 30, no. 1 (February 2003): 15-29.

14. S. Magids, A. Zorfas, and D. Leemon, “The New Science of Customer Emotions,” Harvard Business Review 93, no. 11 (November 2015): 66-76.

15. M.I. Norton, D. Mochon, and D. Ariely, “The Ikea Effect: When Labor Leads to Love,” Journal of Consumer Psychology 22, no. 3 (July 2012): 453-460.

16. M. Bertini, J. von Schuckmann, and A. Kronrod, “Talking to Your Customers About Prices,” Harvard Business Review, March 31, 2022, https://hbr.org.

17. L. Kannenberg, “Social Spotlight: REI’s #OptOutside and How a Campaign Becomes a Movement,” Sprout Social, accessed Aug. 11, 2023, https://sproutsocial.com.

18. J. Peiser, “The Age of Free Online Returns Is Ending,” The Washington Post, Dec. 9, 2022, www.washingtonpost.com.

مقالات ذات صلة