تاكر ماريون، سيباستيان فيكسون، ومارك هـ. ماير
إن الانتشار الواسع لاعتماد التصميم الرقمي يدل على أنه يسهم بقوة في فاعلية وكفاءة البحث والتطوير (R&D)، فهذه الأدوات التصميمية لا تُقدّر بثمن في تصور الأفكار وتطوير التصاميم التفصيلية بسرعة وإجراء التكرارات السريعة، وظاهريًّا، تبدو هذه كلها أمورًا إيجابية. ومع ذلك، تشير أبحاثنا إلى أن التصميم الرقمي ليس علاجًا شاملًا، فإذا لم يُستكمل بممارسات إدارية سليمة، فإن مشكلات غير متوقعة ستتسلل إلى عملية تطوير المنتج.
ثمة خلفية تاريخية تعين على توضيح السبب، فمن المعروف أنه منذ ثمانينيات القرن العشرين، تطورت عملية تطوير المنتجات الجديدة من فرق هندسية تقليدية تعمل معًا في مكان واحد إلى نهج أكثر عالمية وافتراضية. وكان أحد العوامل الرئيسة التي مكّنت هذا التحول هو انتشار أدوات التصميم الرقمي، مثل حزم التصميم بمساعدة الحاسوب (CAD) عالية الكفاءة (مثل حزمة PTC Creo Elements/Pro التابعة لشركة Parametric Technology Corp. التي كانت تُعرف سابقًا باسم Pro/ENGINEER، وبرنامج CATIA من Dassault Systèmes، وSolidWorks)، وتقنيات النمذجة الأولية السريعة (Rapid Prototyping) مثل الطابعات ثلاثية الأبعاد (3D printers)، وأدوات التعاون (Collaboration Tools) مثل Microsoft SharePoint وGoogle Docs وويكي المشروعات (Project Wikis).
أما العامل الثاني الذي أدى إلى زيادة الاستخدام فهو انخفاض الأسعار. فاليوم، يمكن الحصول على حزم CAD عالية الكفاءة مقابل بضع مئات من الدولارات فقط، ويمكن تشغيلها بكفاءة على حواسيب مكتبية أو محمولة لا تتجاوز كلفتها جزءًا يسيرًا مما كانت عليه قبل خمس سنوات فقط.
ومن أكثر النتائج المدروسة لاستخدام التصميم الرقمي كان مشروع طائرة بوينغ 777، التي صُممت ونُمذِجت واختُبرت افتراضيًّا بوساطة فريق تطوير موسع. ومن فوائد هذا النهج أنه مكّن من اكتشاف تعارضات الأجزاء ومشكلات التوافق قبل اللجوء إلى النمذجة الفيزيائية المكلفة، وأتاح لأعضاء مختلفين من المؤسسة (من العملاء وممثلي التصنيع والموردين وأفراد الصيانة والخدمة وغيرهم) أن يشاركوا معًا في عملية التصميم في الوقت نفسه.
ومنذ عصر طائرة 777، تسارعت وتيرة استخدام تقنيات وخدمات المعلومات بفضل انتشار الأدوات وحلول تكنولوجيا المعلومات (IT) الداعمة للتصميم الرقمي عبر كامل طيف تطوير المنتجات الجديدة. فأنظمة الطباعة ثلاثية الأبعاد (3D printing) من شركات مثل Z Corp. تتيح للمصممين إنتاج نماذج أولية للأجزاء مباشرة من ملفات CAD، ما يسمح بالتحقق الفيزيائي من التصاميم الهندسية خلال ساعات معدودة. كذلك، تتيح أدوات تحليل الطاقة (Power Analysis Tools)، وغالبًا ما تكون مدمجة في أنظمة CAD، إجراء اختبارات افتراضية قبل إنتاج أي نماذج فيزيائية أو أجزاء مصنّعة أولية. فمن تدفق الهواء داخل محرك نفاث (محاكاة ديناميكا الموائع) إلى اختبارات القوة والإجهاد على هيكل مركبة (تحليل العناصر المحدودة – Finite Element Analysis)، تتيح هذه الأدوات إمكانية تقليل التكاليف وتحسين كفاءة تكرار التصميم. وانتشرت كذلك أدوات إدارة العمليات، مثل إدارة دورة حياة المنتج (Product Life Cycle Management)، وإدارة المتطلبات (Requirements Management) لتحديد التكاليف وإعادة استخدام الأجزاء وتلبية احتياجات العملاء. إضافةً إلى ذلك، يمكن للمهندسين تقييم الأفكار مع زملائهم حول العالم بفضل تقنيات التعاون الافتراضي التي أصبحت الآن شائعة ومجانية على نحو متزايد. وخلاصة القول، إن تطوير المنتجات اليوم يكاد يكون رقميًّا كاملًا، ما يسمح للفرق بالانتقال من الفكرة إلى الأجزاء الدقيقة بسرعة، ويتيح لها المراجعة والتحقق المستمرين طوال عملية التطوير. (انظر: “تطور استخدام أدوات التصميم الرقمي”).
فما المشكلة إذن؟ هناك مشكلتان محتملتان. أولًا، لأن التكنولوجيا تجعل العمل يبدو مكتملًا في كل مرحلة من العملية، فقد تخلق إحساسًا زائفًا بالأمان، وقد يميل الفريق إلى الانتقال للمرحلة التالية قبل أن يأخذ الوقت الكافي لفهم احتياجات المستخدمين بعمق، وبناء حلول بديلة، وتقييم كليهما. بعبارة أخرى، قد تُختصر “المرحلة الغامضة الأولى” من عملية التصميم، وذلك على حساب الشركة على المدى الطويل. ونعتقد أن هذا أحد الأسباب الرئيسة لعدم تغير معدلات نجاح وفشل المنتجات كثيرًا خلال العقود الأخيرة.
ثانيًا، إن سهولة رسم التصاميم رقميًّا وإنتاج النماذج الأولية قد تتيح للمهندسين فرصة “تجربة الأمر مرة أخرى ثم مرة بعد مرة”، أي إنّ عملية التصميم النهائي قد تظل مرنة أكثر مما ينبغي. فإمكانية تكرار التصاميم بسرعة قد تؤدي إلى الدخول في دوامة من العمل، يستهلك الوقت وتكاليف الأيدي العاملة، ويقوض فعليًّا الفوائد المرجوة من التصميم الرقمي نفسه. وقد أظهرت الأبحاث أن هذه “الجولات الافتراضية للتصميم” يمكن أن تمثل 75% من إجمالي تكاليف تطوير المشروع، كما قد تؤخر إتمامه. فعلى سبيل المثال، عانت شركة Airbus من تأخيرات شديدة في تطوير طائرتها الجديدة A380 بسبب مشكلات في مراجعات CAD.
الخلاصة المستفادة من هذا: بينما نحن نميل إيجابيًّا إلى التأثير العام الإيجابي للتصميم الرقمي -فمن ذا الذي يجادل اليوم ضد استخدام الحواسيب في أي جانب من جوانب التجارة؟- إلا أننا أردنا أن نفهم بعمق أكبر هذين الأثرين غير المرغوب فيهما المحتملين وكيفية التخفيف منهما على أفضل وجه. ولتحقيق ذلك، شرعنا في دراسة طولية (longitudinal study) لأنشطة تطوير المنتجات في ١٤٥ شركة تُعد من المستخدمين الكثيفين لتقنية التصميم الرقمي (digital design technology). ونظرًا إلى أن غالبية وقت المهندسين يُقضى أمام الحاسوب في تعديل نماذج التصميم بمساعدة الحاسوب (CAD models)، ركزنا عدستنا على بيئة عمل المهندسين، وأجرينا استبيانات ومقابلات مع المهندسين والمديرين لفهم كيفية تنفيذ أعمال التصميم الرقمي. (انظر “حول البحث”) وإليكم ما تعلمناه.
تسارع نحو التصميم “النهائي”
تتيح الأدوات الرقمية الحديثة تكرارًا سريعًا لميزات التصميم وأبعاده، ما إن ينشئ المهندس نموذجًا افتراضيًّا، وتخلق هذه القدرة دافعًا قويًّا لفرق تطوير المنتجات للانتقال فورًا إلى بناء نماذج التصميم الرقمي في بداية المشروع. ونظرًا إلى أن تطبيقات التصميم الرقمي دقيقة بطبيعتها، يمكن تجنب “غموض” استكشاف المفاهيم المفتوحة لصالح ما يبدو تصميمًا متطورًا جدًّا يُنقل بعد ذلك على نحوٍ مبكر إلى المراحل التالية. وقد وجدنا أن ذلك قد يؤدي بفريق البحث والتطوير (R&D) إلى التقليل من أهمية أنشطة قيّمة، مثل إجراء أبحاث موسعة للمستخدمين، وتطوير مفاهيم متوازية على نحوٍ مكثف، وتصميم أعمق للأنظمة والهندسة المعمارية في المراحل الأولى من التطوير.
لقد اكتشف توماس ألين منذ عقود أن الفرق التي تسعى إلى تطوير عدد من المفاهيم المتوازية في بداية التصميم غالبًا ما تكون هي الفائزة مقارنة بمشروعات مماثلة، إذ تعجلت الفرق في إنهاء التصميم مبكرًا في العملية، وهذا يدعم الفهم البدهي أن القرارات المتسرعة غالبًا لا تكون هي الأفضل. وفي حالة التصميم الهندسي، قد يؤدي القرار المتسرع في نهاية المطاف إلى مزيد من العمل لاحقًا في العملية، إذ يُضطر مهندسون آخرون إلى إدخال تحسينات. ونطلق على هذا الأثر “التحميل العكسي” (back-loading)، إذ تُستخدم أدوات التصميم الرقمي لإعادة تعديل وحل مشكلات التصميم التي كان ينبغي معالجتها في وقت مبكر من العملية.
النقطة الواضحة هي أن التصيير السريع (fast rendering) لا يعني تصميم منتج مكتمل. فالتصميم الرقمي يتيح للمهندسين إنتاج مفاهيم ونماذج أولية واقعية المظهر بسرعة، وفي وقت أبكر بكثير من أي وقت مضى. وبينما تبدو هذه التصاميم نهائية، فهي ليست كذلك، فقد تحتوي القشرة الخارجية المصقولة والواقعية على بنية داخلية ودعائم أساسية مفقودة لإكمال المنتج النهائي. كما أوضح أحد المهندسين في شركة فضاء جوي: “الإدارة تنظر إلى التصاميم الأولية وتظن أنها مكتملة. ومع ذلك، هناك كثير من العمل الهندسي المتبقي على هذه النماذج الأولية”.
ما يتضح من ذلك كلّه هو أن تطوير المنتجات التفاعلي ينبغي أن يكون محملًا في مقدمة دورة التطوير (front-loaded). وبالتأكيد، كان التحميل المسبق (front-loading) إجراءً معياريًّا في البحث والتطوير (R&D)، إذ كان مطورو المفاهيم (concept developers) من المهندسين يُكملون ويختبرون التصاميم الجديدة، ثم يرسلونها إلى مهندسي التصنيع لاستكمالها وإدخال تعديلات محتملة من خلال رسوم مُحكمة ونظام إدارة تغييرات محدد بدقة. ولم يقتصر الأمر على أن التصميم الرقمي منح مهندسي المفاهيم شعورًا زائفًا بالكمال، بل مكّن أيضًا مهندسي المراحل اللاحقة من التلاعب بسهولة أكبر بالتصاميم في محاولة لتحسين الأمور، وهذا يقودنا إلى المشكلة الثانية.
هذا يكفي
لقد جعل التصميم الرقمي المشروعات مرنة عبر عملية التطوير كاملة، وهو أمر إيجابي من الناحية المثالية، غير أن الواقع العملي يكشف وجهًا آخر للمسألة. ففي بيئة مثالية، قد تؤدي هذه المرونة إلى زيادة معدل حل المشكلات، ما يُفضي إلى منتجات أفضل. أما في الواقع، فقد اشتكى كثير من المديرين في دراستنا، عمليًّا، من كثرة المتدخلين في العملية. كما قال أحد التنفيذيين: “لقد أصبح CAD ديمقراطيًّا، أصبح الآن أسهل بكثير في الاستخدام والمشاركة، لكن الجانب السلبي هو: الكل يظن نفسه مهندسًا”.
وفي عملية تفتقر إلى الرقابة الجيدة، يمكن أن يزيد عدد التغييرات الهندسية على تصميم معين على نحوٍ كبير، بل إن التعديلات الطفيفة في جانب واحد من التصميم قد تؤدي إلى تأثيرات متسلسلة قوية على جوانب أخرى، ما قد يؤدي في النهاية إلى حل نهائي أقل جودة. ومن دون وجود عملية هندسية منظمة، يمكن أن يتضخم عدد التكرارات غير الضرورية لمجرد أن التقنية تجعل التعديلات سهلة التنفيذ، وقد تعم الفوضى.
وقد أكدت البيانات التي جمعناها من الشركات في دراستنا هذه المشكلة، فقد ارتبط العدد الكبير من التغييرات الهندسية المتأخرة في العملية بأضعف منظمات البحث والتطوير أداءً. إضافةً إلى ذلك، كانت المنظمات الأقل أداءً هي الأكثر استخدامًا لتقنيات التصميم الرقمي، ما يبرز المشكلة الثانية المحتملة. فبما أن إجراء التغييرات أصبح سهلًا جدًّا، يواصل الأشخاص فعل ذلك حتى في المراحل المتأخرة من العملية (ومن الممكن بالتأكيد أن التغييرات كانت ضرورية لأن الشركة تعجلت كثيرًا في المراحل المبكرة).
ومن ناحية أخرى، كانت الشركات الأكثر نجاحًا تمارس التخطيط المنهجي في المراحل الأولى من تطوير المنتج، وخصصت كميات كبيرة من الوقت والموارد لهذه المراحل المبكرة. فعلى سبيل المثال، كانت الشركات الأعلى أداءً في عينتنا أكثر ميلًا بنسبة ١٨٪ لاعتماد إجراءات تخطيط وتخطيط منهجي لخريطة طريق المنتج (product road mapping) من غيرها، كما جعلت هذه الشركات الهندسة الاقتصادية (cost engineering) لتصاميم المنتجات الجديدة مطلبًا واضحًا خلال تطوير المفاهيم.
كانت الشركات الأعلى أداءً في دراستنا أكثر احتمالًا بنسبة 17% لاستخدام هندسة التكاليف (cost engineering) في المراحل الأولى من التطوير. ويُحسن بالمديرين أن يركزوا على التخطيط المحدد والمواصفات الدقيقة، وتطوير بنية متينة للمنتج، وواجهات واضحة المعالم، وأنظمة فرعية مشتركة. وتتميز الشركات التي تعتمد هذا النهج، مثل شركة هوندا موتور (Honda Motor Co.)، بسجل قوي في تعظيم استثمار البحث والتطوير (R&D) عبر خطوط إنتاج متعددة تحقق أرباحًا عالية.
إن التخطيط الجيد في المراحل المبكرة يمكن أن يقلل من تكرار المراجعات لاحقًا، إذ يصبح عددها أقل ضرورة، كذلك فإنّ الالتزام البسيط والمنضبط بالإجراءات يقلل من التكرار اللاحق من خلال فرض الانضباط. والدروس المستفادة واضحة: استخدم الأدوات والأنظمة الرقمية في التصميم، لكن ليس من دون عملية بحث وتطوير منضبطة ومحكمة الإدارة، وإلا، فإن تصاميم المنتجات ستظل تتغير حتى اللحظة الأخيرة قبل التصنيع، ما يؤدي إلى هدر غير مبرر واضطراب في العمل.
عملية منظمة ومحكمة الإدارة أمر بالغ الأهمية
تأكيدًا لما ورد في الأدبيات المعنية بتطوير المنتجات الجديدة التي تشيد بالعمليات المنظمة، وجدنا كذلك ارتباطًا كبيرًا بين الاستخدام الفعّال لموارد البحث والتطوير (R&D) ومراحل التصميم التصوري وتصميم الأنظمة الواضحة المعالم. وكانت الشركات الأكثر نجاحًا في دراستنا من كبار مستخدمي التصميم الرقمي، إذ جمعت هذه الأدوات مع انضباط إداري صارم في العمليات، فقد حافظت تحديدًا على نهج منظم في البحث والتطوير، يحمي ويصون عملية تركز على المراحل الأولى وتمنحها الوقت الكافي لإجراء بحوث معمقة حول المستخدمين (مثل البحث الإثنوغرافي ومجموعات التركيز وغيرها)، وتحليل المنافسين، والنمذجة الأولية وتصميم بنية الأنظمة. وكما أخبرنا أحد مديري هذه الشركات المحكمة الإدارة: “لا نرى هنا كثيرًا من الأعمال المتأخرة، لأننا نركز بشدة على العملية. نحن صارمون جدًّا في المراحل الأولى، لا سيّما في أثناء التخطيط”. وليس من المستغرب أن الحاجة إلى إدارة مشروعات قوية وتواصل فعال كانت سائدة عبر جوانب دراستنا جميعها. وغالبًا ما كان يُنظر إلى مدير المشروع الجيد بوصفه العنصر الحاسم لمنع تراكم الأعمال في المراحل المتأخرة. كما أوضح أحد نواب رئيس الهندسة في شركة تكنولوجيا: “لا نرى تكرارات لا نهاية لها في التصميم، هذا الأمر يعود لمدير المشروع، فنحن نمر بالتكرارات اللازمة ولا نبالغ فيها”.
وكان من العناصر الأساسية في فاعلية إدارة المشروعات والعمل الجماعي في إدارة التصميم الرقمي استخدام برمجيات التعاون، مثل الويكي (wikis) ومستندات غوغل (Google Docs). وقد وجدنا أن الشركات الأعلى أداءً كانت أكثر احتمالًا بنسبة 26% لاعتماد أدوات تكنولوجيا المعلومات التعاونية واستخدامها في أثناء التصميم. وباختصار، فإن أنظمة التصميم الرقمي القوية ينبغي أن تقترن بانضباط مناسب في العمليات، تدعمه بنية تحتية ملائمة لتكنولوجيا المعلومات وأدوات التعاون.
وقد لاحظنا أيضًا أن الشركات التي تستخدم أنظمة تصميم بمساعدة الحاسوب (CAD) غير متوافقة داخل مجموعات التطوير أو بينها وبين الموردين، كانت تعاني من اضطرابات كبيرة وعدم كفاءة في عملية التطوير. أما الشركات التي ركزت على تنفيذ وصيانة بنية تحتية متقدمة لتكنولوجيا المعلومات تربط بين تطبيقات البحث والتطوير المختلفة، فقد أدت أداءً أفضل بكثير من حيث الكفاءة الهندسية.
ومن الضروري أن تحافظ الإدارات الداخلية والبائعون والموردون على مستويات متسقة من تحديث البرمجيات والتدريب، وأن يجري التواصل بوضوح بشأن التفاصيل الدقيقة، مثل حدود السماح (tolerances) على سبيل المثال. وقد أبلغت الشركات الأكثر نجاحًا في دراستنا عن استخدام أكبر لتكنولوجيا المعلومات في تسهيل التدريب والتوافق والتواصل، وأفادت هذه الشركات بزيادة بنسبة 22% في شدة استخدام تكنولوجيا المعلومات لدعم الترابط بين الفرق والمؤسسات، ما يسهل التدريب والتوافق والتواصل. وفي الشركات التي لا تجري فيها مثل هذه التنسيقات بسلاسة، قد تظهر مشكلات. وكما شرح أحد المهندسين في شركة تكنولوجيا متقدمة: “كان الأمر في السابق أن البائعين -من يصنعون أجزاء الصفائح المعدنية، أو الأجزاء المصبوبة بالحقن- يتلقون رسومًا ثنائية الأبعاد محددة الأبعاد ويفحصون أجزاءهم مقابل العينات، إلخ. وكان هناك تفكير في حدود السماح، والتوافق، وما إلى ذلك. الآن، يعمل هؤلاء البائعون مباشرة من النماذج الصلبة ثلاثية الأبعاد، وتعود الأجزاء إلينا ولا تتوافق جيدًا”. وهذا قد يسبب مراجعات غير ضرورية في الأدوات والتصميم في أثناء تصعيد الإنتاج، ومع ذلك، فإن التصميم الرقمي يسمح بإدراج الأبعاد ومعلومات الرسوم ضمن الملفات. وإن ضعف الانضباط في العمليات وسوء إدارة أدوات تكنولوجيا المعلومات وخصائصها هو السبب الجذري للمشكلة في هذا المثال بعينه. وفي نهاية المطاف، ينبغي حل مثل هذه المشكلات في مراحل لاحقة، ما يؤدي إلى تراكم الأعمال المتأخرة على نحوٍ غير مرغوب فيه.
وقد ثبت في دراستنا أن التدريب وكفاءة فرق العمل أمران مهمان، ففي الشركات التي درسناها، كان ما يصل إلى 75% من وقت المشروع مرتبطًا مباشرة بساعات التصميم الرقمي، ومن دون تدريب مناسب على أداة التصميم الرقمي، يكون استخدام هذا الوقت دون المستوى الأمثل. وقد أشار مدير هندسي في شركة طيران كبرى إلى أن المصممين هم “الخبراء الحقيقيون”، وينبغي تدريبهم وفقًا لذلك، فالتدريب والكفاءة أمران حاسمان لنجاح البحث والتطوير. وفي مقابلاتنا، وجدنا أن المهندسين الأصغر سنًّا غالبًا ما يعتمدون على نحوٍ كبير على التصميم الرقمي ولم يكونوا متمرسين على نحوٍ كامل في منهجية الهندسة، وكان هؤلاء المهندسون الأقل خبرة يتجهون مباشرة إلى حل المشكلة رقميًّا، دون تعريف المشكلة تعريفًا كاملًا أو استكشافها أولًا، وهو عامل مساهم على نحوٍ كبير في تراكم الأعمال في المراحل المتأخرة.
النتيجة الأساسية التي خلصنا إليها من بحثنا: ينبغي لمديري الابتكار أن يتحلوا بالحذر عند اعتماد تقنيات التصميم الرقمي على نحوٍ شامل. فلا شك أن امتلاك لوحة رسم محوسبة، مدعومة بإمكانية الوصول إلى مكتبات من الأدوات التصميمية السابقة، ومكونات المنتجات وتكاليف التصنيع، يمكن أن يوفر على فرق التصميم الهندسي الوقت والنفقات. إضافةً إلى ذلك، فإن الموظفين الجدد يعيشون في عالم التقنية الرقمية منذ أيام دراستهم الجامعية، ولا سبيل لمنعهم من استخدام الحواسيب في المراحل المبكرة من عملية التصميم.
ومع ذلك، فعلى الرغم من أن التصميم الرقمي يعزز بلا شك إنتاجية البحث والتطوير (R&D)، فإنّه يحمل في طياته خطرًا يتمثل في إتاحة المجال للمصممين والمهندسين للاستعجال في الوصول إلى النتائج قبل الأوان، متجاوزين بذلك خطوات أساسية في البداية لها قيمة كبيرة للمشروع. وغالبًا ما يؤدي ذلك إلى الحاجة إلى إعادة العمل على التصاميم لاحقًا في أثناء سير العملية، ما يقلل من الكفاءة ويزيد من احتمال إدخال تعديلات لم تكن في حسبان المطورين في المراحل الأولى. وقد أظهرت أبحاثنا أن الشركات الأكثر نجاحًا كانت تضمن عدم حدوث ذلك من خلال الرقابة الإدارية وحماية المراحل الأولية من تطوير المنتجات.
المراجع
1. S.D. Eppinger and A.R. Chitkara, “The New Practice of Global Product Development,” MIT Sloan Management Review 47, no. 4 (summer 2006): 22-30.
2. K. Sabbagh, “Twenty-First Century Jet: The Making and Marketing of the Boeing 777” (New York: Scribner, 1996).
3. G. Chryssolouris, D. Mavrikios, N. Papakostas, D. Mourtzis, G. Michalos and K. Georgoulias, “Digital Manufacturing: History, Perspectives, and Outlook,” Proceedings of the Institution of Mechanical Engineers, Part B: Journal of Engineering Manufacture 223, no. 5 (May 2009): 451-462.
4. G. Barczak, A. Griffin and K.B. Kahn, “PERSPECTIVE: Trends and Drivers of Success in NPD Practices: Results of the 2003 PDMA Best Practices Study,” Journal of Product Innovation Management 26, no. 1 (January 2008): 3-23.
5. T.J. Marion and T.W. Simpson, “New Product Development Practice Application to an Early-Stage Firm: The Case of the PaperPro (R) StackMaster (TM),” Design Studies 30, no. 5 (September 2009): 561-587.
6. K. Wong, “What Grounded the Airbus A380?,” Cadalyst MCAD Tech News 194 (Dec. 7, 2006). www.cadalyst.com/manufacturing/news/mcad-tech-news-194-11900 (accessed January 13, 2011).
7. T.J. Allen, “Managing the Flow of Technology: Technology Transfer and the Dissemination of Technological Information Within the R&D Organization” (Cambridge, Massachusetts: MIT Press, 1984).
8. S.H. Thomke and T. Fujimoto, “The Effect of ‘Front-Loading’ Problem-Solving on Product Development Performance,” Journal of Product Innovation Management 17 no. 2 (2000): 128-142; see also S. Fixson and T.J. Marion (2012), “Back-loading: Unintended Consequences of Digital Design Tools in New Product Development,” Journal of Product Innovation Management, in press.
9. M.H. Meyer, “The Fast Path to Corporate Growth: Leveraging Knowledge and Technologies to New Market Applications” (New York: Oxford University Press, 2007).
10. R.G. Cooper, “Perspective: The Stage-Gate® Idea-to-Launch Process — Update, What’s New, and NexGen Systems,” Journal of Product Innovation Management 25, no. 3 (May 2008): 213-232; see also Barczak, Griffin and Kahn, “PERSPECTIVE,” Journal of Product Innovation Management 26:3-23.
i. R. Cooper and R.S. Kaplan, “The Design of Cost Management Systems” 2nd ed., (Upper Saddle River, New Jersey: Prentice Hall, 1999).
ii. J. Utterback, M. Meyer, T. Tuff and L. Richardson, “When Speeding Concepts to Market Can Be a Mistake,” Interfaces 22, no. 4 (July-August 1992): 24-37
