في كل مرة أسمع فيها عن دراسة جديدة حول الابتكار المُزعزِع، أشعر بالحماس لاحتمالية أن يقدم أحدهم طريقة لشرح النظرية بشكل أوضح وأكثر شفافية. وغالبًا ما ينتهي بي الأمر إلى خيبة الأمل، كما حدث مع مقال أندرو أ. كينغ وبالجير باتارتوغتوك “ما مدى فائدة نظرية الابتكار المُزعزع؟” في عدد خريف 2015م من مجلة كلية سلون للإدارة في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا.
بادئ ذي بدء، جادل كينغ وباتارتوغتوك بأن نظرية كليتون إم. كريستنسن حول الابتكار المُزعزع لم تُختبر بشكل كافٍ في الأدبيات الأكاديمية. أشجع المؤلفين على إعادة النظر في الأدبيات، لأنه بحسب إحصائي، هناك أكثر من 40 مقالًا، بما في ذلك عدد كامل تقريبًا في مجلة أكاديمية رائدة (مجلة إدارة ابتكار المنتجات في يناير 2006م)، اختبرت النظرية وناقشتها بطرق متعددة. علاوة على ذلك، يتكون الابتكار المُزعزع من أكثر من أربعة عناصر، ومع ذلك اختار المؤلفون اختبار أربعة فقط.
وما يزيد على ذلك، أن المؤلفين استطلعوا آراء 79 خبيرًا فقط لتقييم 77 صناعة. ونتيجة لذلك، فإن بعض الاستنتاجات المنسوبة إلى الخبراء مشكوك فيها، مثل حجة أحد الخبراء بأنه من غير المعقول افتراض أن شركات المنتجات الخشبية يمكن أن تتجاوب مع التحول القادم من صناعة البلاستيك؛ لأن القدرات المطلوبة مختلفة. ومع ذلك، فإن العديد من الشركات تطور قدرات جديدة ومختلفة. على سبيل المثال لا الحصر، أعادت شركة جوديير للإطارات والمطاط تجهيز نفسها بشكل كبير لتطوير الإطارات الشعاعية، ونجحت شركة IBM في التحول من الحواسيب المركزية إلى الحواسيب الشخصية، وطورت شركات الهاتف الأرضي قدرات للاتصالات اللاسلكية. إذا كان بإمكان الشركات القائمة زيادة أرباحها من خلال إدخال منتج أو تكنولوجيا معينة، فإنها غالبًا ما تجد وسيلة للقيام بذلك. ومع ذلك، فإن أحد المبادئ الأساسية لنظرية الابتكار المُزعزع هو أنه عند مواجهة المبتكرين الجدد، تدفع الأرباح الشركات القائمة إلى الهروب بدلًا من مواجهة المبتكرين.
واستنتج كينغ وباتارتوغتوك أيضًا أن 38% من الشركات القائمة لم تتعثر نتيجة للابتكار المُزعزع. قد لا تكون هذه الإحصائية ذات مغزًى لعدة أسباب؛ ففي بعض الصناعات، مثل تجارة التجزئة، قد تستغرق عملية التحول عقودًا. (وفي صناعات أخرى، مثل الحواسيب الصغيرة عندما تم استبدالها بالحواسيب الشخصية، يمكن أن تحدث الأمور بسرعة نسبية، مما يسهل رؤية الصورة الكاملة لتطور الصناعة.) ثانيًا، قد يؤثر التحول فقط على وحدة أعمال واحدة ضمن الشركة القائمة؛ لذا في بعض الحالات، تبقى الشركة ككل على قيد الحياة حتى لو لم تعد تلك الوحدة ناجحة. وقد يتدخل المنظمون أيضًا لحماية الشركات القوية القائمة. لهذه الأسباب جميعها، فإن فترة طويلة من التعايش بين الشركات القائمة والمبتكرين لا تعني بالضرورة أن عملية التحول قد توقفت.
بشكل عام، أعتقد أن هناك مسؤولية تقع على عاتق الباحثين للتحلي بالحذر عند اختبار نظرية ما. من المهم حقًّا إيجاد مجموعة بيانات كبيرة بما يكفي وقابلة للتحقق لدعم الاستنتاجات الصحيحة. هذا أهم من تحقيق عناوين الصحف.
خوان بابلو فاسكيز سامبير أستاذ العمليات والتكنولوجيا في كلية IE للأعمال في مدريد.
هل طبقت الانتقادات الموجهة للابتكار المُزعزع الاختبار الصحيح؟
بقلم مارتن جي. بيننستوك
بعد أن تخصصت في إعادة تنظيم الشركات التي تعاني من ضائقة مالية لمدة 38 عامًا، كنت شاهدًا عن قرب على أسباب وعواقب فشل الأعمال. أستخدم تلك الخبرة لتقديم المشورة لمجالس الإدارة حول صياغة الحوكمة المؤسسية لتعزيز النمو وتجنب الفشل. من الضروري مساعدة المجالس على اكتشاف وفهم مشكلات شركاتهم عندما لا تزال تلك المشكلات قابلة للحل خارج إطار الإفلاس، وعندما لا تزال الشركات قادرة على تحقيق أرباح للمساهمين.
في تجربتي، السبب الأكثر وضوحًا، لكنه غالبًا ما يكون غير مكشوف أو يتم تجاهله حتى وقوع الضرر المادي، هو الابتكار المُزعزع كما عرّفه أستاذ كلية هارفارد للأعمال كلايتون إم. كريستنسن. في نظريته حول الابتكار المُزعزع، شرح كريستنسن كيف ولماذا تكون الشركات الرائدة في الصناعة، التي تولي اهتمامًا لأفضل عملائها وتحسن منتجاتها لهم، عرضة للفشل بسبب منتجات أو خدمات المنافسين التي تكون في البداية أدنى جودة ولا تجذب سوى سوق مختلف أو الشريحة الدنيا من سوق الشركة الرائدة. من بين جميع أنواع النصائح التي أقدمها لمجالس الإدارة، كانت وسائل اكتشاف الابتكارات المُزعزعة من أهم الأسس الحاسمة.
في مقالتهما “ما مدى فائدة نظرية الابتكار المُزعزع؟” في عدد خريف 2015م من مجلة كلية سلون للإدارة في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، أقر أندرو أ. كينغ وبالجير باتارتوغتوك بأن نظرية كريستنسن حول الابتكار المُزعزع “استحوذت على وعي الأعمال مثل قلة من الأفكار الأخرى”، لكنهما استنتجا بشكل غير صحيح أن النظرية ببساطة “توفر تذكيرًا مفيدًا بأهمية اختبار الافتراضات، والبحث عن معلومات خارجية، ووسائل أخرى للحد من التفكير الضيق”. وهذا يغفل ما اكتشفه كريستنسن ويقلل بشكل كبير من أهمية رؤاه للمديرين التنفيذيين وأعضاء مجالس الإدارة.
عندما درس كريستنسن الشركات الناجحة التي تراجعت ثرواتها، اكتشف فئة من الشركات التي فشلت أو عانت من تراجع النجاح عندما تجاوزتها شركات كانت قد قدمت في البداية منتجات أدنى جودة تجذب العملاء الذين إما لم يستطيعوا تحمل تكلفة منتجات الشركات الناجحة أو كانوا الأقل ربحية لتلك الشركات. في كثير من الأحيان، كان بإمكان رواد السوق تقديم المنتج الأرخص، لكن، لأسباب تجارية تبدو وجيهة، امتنعوا عن ذلك.
من الضروري أن يفهم مجالس الإدارة والإدارة العليا متى يؤدي اتباع مبادئ الإدارة الجيدة المقبولة (مثل الاهتمام بأفضل عملائك وتركيز الاستثمارات حيث يمكنك زيادة هوامش الربح) إلى الفشل. أظهر كريستنسن أن تلك المبادئ الإدارية المقبولة مناسبة فقط في سياقات معينة. ويمكن استخدام هذه الرؤية ليس فقط لتجنب الفشل، بل أيضًا للهجوم وإزاحة المنافسين. أصبح تحديد واستغلال الابتكارات المُزعزعة لتجنب الفشل وزيادة قيمة المساهمين أكثر إمكانية بعد أن حدد كريستنسن العناصر الأساسية للابتكار المُزعزع، وهي ظاهرة لم تكن ملحوظة سابقًا.
تشكل الاختبارات التي وضعها كريستنسن ومؤلفه المشارك مايكل إي. راينور في كتابهما “حل المبتكِر” The Innovator’s Solution لتحديد الابتكار المُزعزع المحتمل جانبًا حاسمًا من النظرية للمديرين التنفيذيين. الاختبار الأول هو السؤال عما إذا كانت فكرة أو منتج ما ستجذب عددًا كبيرًا من المستخدمين المحتملين الذين كانوا محرومين منها أو اضطروا للذهاب إلى مكان غير مريح لاستخدامها. إذا كان الأمر كذلك، فهناك سوق جديدة محتملة يمكن استغلالها.
الاختبار الثاني هو السؤال عما إذا كان هناك بالفعل عملاء في الشريحة الدنيا من السوق سيشترون منتجًا أدنى جودة، لكنه لا يزال كافيًا، بسعر مخفض يمكّن المبتكر من تحقيق ربح كافٍ. إذا كان الأمر كذلك، فهناك سوق في الشريحة الدنيا يمكن استغلالها. وأخيرًا، إذا تم اجتياز واحد من الاختبارين الأولين أو كليهما، يكون السؤال النهائي هو ما إذا كانت الفكرة المُزعزعة مُزعزعة لجميع الشركات القائمة المهمة في الصناعة. إذا لم يكن الأمر كذلك (أي إذا كان المنتج المُزعزع هو ابتكار مستدام لمنتج لاعب رائد يمكنه أيضًا تحسينه)، فمن المرجح أن يفشل الداخل الجديد بالفكرة؛ لأن الشركة القائمة ستكون لها الأفضلية.
لم تختبر مقالة كينغ وباتارتوغتوك ما إذا كانت صيغة كريستنسن لتحديد الابتكار المُزعزع الذي يمكن أن يستحوذ على حصة قائد السوق صامدة. بل اختبرا ما إذا كان كل من المتغيرات الأربعة التي اختاراها موجودة في كل من الأمثلة الـ77 للابتكار المُزعزع التي حددها كريستنسن وراينور.
الخلاصة هي أن نظرية كريستنسن لا تقدر بثمن للمديرين التنفيذيين في الأعمال، حيث أظهر قوة الابتكار المُزعزع في التغلغل في سوق جديدة أو سوق في الشريحة الدنيا بمنتج أدنى من منتج الشركة القائمة. وشرح أن المنتجات المُزعزعة غالبًا ما تتحسن وتزيح منتجات الشركات القائمة لأن ثقافة المنظمات القائمة تدفعها عادة لتجنب المنتجات الأدنى التي توفر هوامش ربح أقل، والتي لا تجذب في البداية أفضل عملائها. هذا يفسر مشكلات وتراجع عدد لا يحصى من الشركات التي كانت ناجحة ذات يوم، وهو أمر يمكن اكتشافه وتجنبه. لم تعترف مقالة كينغ وباتارتوغتوك بهذه القيمة لنظرية الابتكار المُزعزع. لقد ساعد استخدام نظرية كريستنسن شركات مثل إنتل وجونسون آند جونسون على تحديد وصياغة منتجات مبتكرة. وفي الوقت نفسه، تساعد النظرية الشركات القائمة على اكتشاف الاضطرابات حتى تتمكن من التعامل معها دون أن يتم تجاوزها.
ينتهي المطاف بالعديد من الشركات القائمة بالتخبط نتيجة الابتكار المُزعزع، في حين أن بعض الشركات القائمة ذات رؤوس الأموال الضخمة لا يحدث لها ذلك، في بعض الحالات، على سبيل المثال، تقوم الشركة القائمة بشراء المبتكر المُزعزع. وبناءً عليه، فإن تأكيد كينغ وباتارتوغتوك بأن 38% من أصل 77 حالة وردت في كتب كريستنسن انتهت بنتيجة أخرى غير تخبط الشركة القائمة لا يقلل من تحذير كريستنسن للشركات القائمة بشأن التهديد المحتمل من الابتكار المُزعزع.
النقطة الأساسية هي أنه إذا لم تحدد الشركات القائمة وتستجب بشكل صحيح للابتكارات المُزعزعة منذ البداية، فقد تدفع ثمنًا باهظًا بفقدان حصتها في السوق. علاوة على ذلك، فإن بعض الحالات الـ77 حدثت بعد نشر كتاب كريستنسن الأول “معضلة المبتكر “The Innovator’s Dilemma عام 1997م. ونظرًا للتأثير الهائل والشعبية الكبيرة لذلك الكتاب، سيكون من المفاجئ ألا تكون بعض الشركات القائمة في تلك الحالات قد استفادوا من رؤى كريستنسن. وبالمثل، فإن اكتشاف كينغ وباتارتوغتوك أن 31% من الحالات الـ77 كان فيها المبتكر المُزعزع ينافس منتجًا لم يكن له مسار واضح من الابتكار المستمر، لا ينتقص من اكتشاف كريستنسن لقوة الابتكار المُزعزع في اختراق أسواق جديدة ثم الصعود في السوق لإزاحة القائد.
لقد فعل كريستنسن ما يتمنى رجال الأعمال أن يفعله جميع المستشارين. فقد استخلص من أبحاثه سببًا رئيسيًّا لسقوط العديد من الشركات المهيمنة. وشرح ذلك بمصطلحات مفهومة وجذابة. ووضع اختبارات بسيطة لتحديد الابتكارات المُزعزعة المحتملة لمساعدة الشركات على تجنب الفشل وزيادة الأرباح. في الواقع، كل مجلس إدارة حريص على أداء واجباته الائتمانية في الرعاية والولاء يريد أن يفهم ما الذي يجعل الشركات الناجحة تفقد هيمنتها أو تفشل. إن نظرية الابتكار المُزعزع لكريستنسن تتناول إحدى أكثر المشكلات إثارة للحيرة والتي لم تُحل لعقود من الزمن، والتي واجهت الشركات الناجحة التي تعثرت أو فشلت أو توقفت ببساطة عن النمو. لذا، استحقت نظرية الابتكار المُزعزع مكانتها المرموقة على جدول أعمال مجلس الإدارة.
مارتن جيه. بييننستوك هو رئيس مجموعة حلول الأعمال، الحوكمة، إعادة التنظيم والإفلاس في مكتب المحاماة بروسكوير روز LLP، كما أنه محاضر في كل من كلية الحقوق في جامعة هارفارد وكلية الحقوق في جامعة ميشيغان.
عبور الهوة نحو الابتكار المُزعزِع
بقلم عزرا دبليو. زوكيرمان
لا توجد نظرية أو إطار عمل مثالي. وأحد أوجه النقص الشائعة، والتي تظهر في نظرية الابتكار المُزعزع لكليتون إم. كريستنسن كما في العديد من الأطر الأخرى، هو أنه ليس من الواضح تمامًا ما هي الفكرة الجوهرية وما هو الهامشي. وقد جعل هذا الغموض من غير الواضح مدى قيمة النظرية وما هي التعديلات التي قد تجعلها أكثر قيمة. من وجهة نظري، هناك فكرة جوهرية مفيدة للغاية في صميم النظرية، ومن المفيد أن ينتبه إليها كل من الباحثين والمديرين التنفيذيين، لكن هذه الفكرة لم يتم التعبير عنها بوضوح بعد، سواء من قبل كريستنسن أو من قبل النقاد مثل أندرو إيه. كينغ وبالجير باتارتوغتوك. هذه الفكرة الجوهرية هي ما أسميه “الهوة التي يمكن عبورها بشكل مفاجئ”.
دعوني أّعُد خطوة إلى الوراء. عند النظر في أي نظرية أو إطار إداري، من المفيد أن نبدأ بطرح بعض الأسئلة الأساسية:
ما السؤال الذي تهدف النظرية إلى معالجته؟
هل تحسن النظرية (كتكملة أو بديل) الإجابات الأخرى عن السؤال الذي تعالجه؟
ما الأفكار الجوهرية في النظرية وما الهامشي؟
دعونا ننظر إلى نظرية الابتكار المُزعزع من خلال عدسة هذه الأسئلة الثلاثة.
1. ما السؤال الذي تهدف النظرية إلى معالجته؟
تدور نظرية كريستنسن للابتكار المُزعزع حول سؤال ممتاز:
كيف يمكن للشركات القائمة القادرة والدافعة أن تُزاح من قبل شركات ناشئة عادة ما تكون أضعف من حيث القدرات وأقل من حيث الموارد؟ قد يبدو هذا غير مرجّح، ومع ذلك يحدث أكثر مما يتوقع المرء. لماذا؟
بغض النظر عن رأي المرء في إجابة نظرية الابتكار المُزعزع عن هذا السؤال، يظل السؤال بحد ذاته سؤالًا جيدًا. من وجهة نظري، هذه هي نقطة الضعف الرئيسية في نقد المؤرخة بجامعة هارفارد جيل ليبور البارز لنظرية الابتكار المُزعزع في مقال عام 2014م في مجلة “النيويوركر”. لقد أثارت ليبور مجموعة من النقاط المثيرة للاهتمام. ومع ذلك، فإن نقطة الضعف الرئيسية في نقدها كانت أنها لم تعترف بشكل كافٍ بأهمية السؤال الذي تتناوله نظرية الابتكار المُزعزع. وأظن أن هذا يرجع جزئيًّا إلى أن ليبور ليست من داخل مجال الأعمال. فهي ليست مضطرة لمواجهة سؤال لماذا قد تكون الشركات القائمة القادرة والدافعة عرضة للخطر. أما نحن (المديرين والباحثين في الإدارة الذين يطمحون إلى إرشادهم) فعلينا ذلك.
2. هل تحسن النظرية (كتكملة أو بديل) الإجابات الأخرى عن السؤال الذي تعالجه؟
إحدى السلبيات الناتجة عن الشعبية الكبيرة لنظرية الابتكار المُزعزع هي أن هذه الشعبية قد أخفت حقيقة وجود إجابات جيدة أخرى للسؤال الذي تتناوله النظرية. على وجه الخصوص، هناك إجابتان مقنعتان لسؤال لماذا يكون اللاعبون الحاليون عرضة للخطر، وهما “مصائد الكفاءة” (وهي عبارة قدمتها باربرا ليفيت وجيمس جي. مارش عام 1988م وتصف الحقيقة المتناقضة بأن الشركات التي تتمتع بقدرات عالية في مجال معين أو بأسلوب معين تجد صعوبة أكبر في تطوير قدرات جديدة مقارنة بالوافدين الجدد) والمنافسة الداخلية (أي إن وحدات الشركة تجد صعوبة في مشاركة الموارد المشتركة مثل العلامة التجارية وقنوات البيع عندما تتنافس الوحدات نفسها على الأعمال نفسها).
إن كريستنسن وزملاءه على دراية تامة بكل من هذه القضايا ويناقشونها كجزء من إطار عملهم. لكن ليس من الضروري الاعتماد على نظرية الابتكار المُزعزع لتقدير هذه النقاط المتعلقة بعرضة اللاعبين الحاليين للخطر. السؤال هو ما إذا كانت النظرية تقدم رؤية مميزة تكمّل الرؤى الحالية. هل اللاعبون الحاليون عرضة للخطر حتى عندما لا يقعون في مصائد الكفاءة ولا يمزقهم الصراع السياسي؟ ينصح كريستنسن وزملاؤه بأن الإجابة هي “نعم”. ولكن كيف ولماذا يحدث ذلك؟
3. ما هو جوهر النظرية وما هو هامشي فيها؟
هنا تصبح الأمور غير واضحة. في مقالهما في عدد خريف 2015م من مجلة كلية سلون للإدارة في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، يجادل كينغ وباتارتوغتوك بأن أحد الادعاءات الرئيسية لنظرية الابتكار المُزعزع هو أن اللاعبين الحاليين (وبالضبط لأنهم أكفاء جدًّا ومتحفزون) يتجاوزون متطلبات العملاء. ويظهر كينغ وباتارتوغتوك بشكل مقنع أن هذا التجاوز لمتطلبات العملاء لا يحدث عادة. ومع ذلك، ليس من الواضح لي أن مفهوم تجاوز متطلبات العملاء هو جوهر النظرية. عندما أدرّس نظرية الابتكار المُزعزع، بالكاد أذكر تجاوز متطلبات العملاء، بل أراه في الأساس عملية ثانوية معززة وليست جوهرية. سؤالي هو:
إذا أزلنا هذا الافتراض من نظرية الابتكار المُزعزع، فهل تظل النظرية تقدم إجابة مميزة لسؤال عرضة اللاعبين الحاليين للخطر؟
ويمكن طرح سؤال مشابه حول “الاختراق من الأعلى”. منذ الصيغ الأولى لنظرية الابتكار المُزعزع، كان كريستنسن مُصرًّا على أن الاختراق لا يمكن أن يأتي إلا “من الأسفل”، أي، بدءًا من العملاء الذين لديهم استعداد صفري أو منخفض للدفع مقابل التقنية السائدة. ويبدو أن فرضية كريستنسن هي التالية: بما أن العملاء ذوي الاستعداد المنخفض للدفع هم الأكثر عدم رضا عن التقنية الحالية، فإن أولئك ذوي الاستعداد العالي للدفع سيكونون الأكثر رضا عن التقنية الحالية، وبالتالي فإن اللاعبين الحاليين القادرين والمتحفزين لخدمتهم أقل عرضة لفقدان هؤلاء العملاء، ومع ذلك، تكمن المشكلة في أن أولئك ذوي الاستعداد العالي للدفع قد يكونون على استعداد لدفع المزيد إذا كان اللاعبون الحاليون مستعدين أو قادرين على تقديم منتجات تلبي احتياجاتهم بشكل أفضل. وتشير أبحاث جيدة حول “الاختراق من الأعلى” قام بها جوزيف فان أوردن، بو فان دير ري، وغلين إم. شميت إلى أن اللاعبين الحاليين يمكن أن يُزاحوا غالبًا من الأعلى، أي، من قبل وافدين جدد يبدؤون بمهاجمة العملاء ذوي الاستعداد العالي للدفع. (وقد شرح شميت وفان دير ري الآثار العملية لهذا البحث في مقالة بمجلة كلية سلون للإدارة في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا عام 2014.(
إحدى طرق معالجة هذه المسألة هي التأكيد القاطع على أن أمثلة الاختراق من الأعلى ليست حالات ابتكار مُزعزع لأنها بحكم التعريف تأتي من الأعلى. وهذا هو النهج الذي اتبعه كريستنسن في الأساس. لكن السؤال الذي أطرحه حول إصرار كريستنسن على أن الاختراق لا يمكن أن يأتي إلا من الأسفل هو نفسه الذي طرحته بشأن تجاوز متطلبات العملاء:
إذا أزلنا هذا الافتراض من نظرية الابتكار المُزعزع، فهل تظل النظرية تقدم إجابة مميزة لسؤال عرضة اللاعبين الحاليين للخطر؟
وبعبارة أخرى، ما الفكرة الجوهرية حقًّا في نظرية الابتكار المُزعزع؟
وجهة نظري الشخصية هي أن الرؤية الجوهرية لنظرية الابتكار المُزعزع يمكن تلخيصها -دون الحاجة لافتراض أن الاضطرابات دائمًا تنطوي على تجاوز اللاعبين الحاليين لمتطلبات العملاء ويجب أن تبدأ دائمًا مع العملاء ذوي المستوى المنخفض- عندما نعيد تسميتها “نظرية الهوة القابلة للجسر بشكل غير متوقع”. أستعير مصطلح “الهوة” من كتاب جيفري إيه. مور الكلاسيكي عام 1991م حول تسويق التكنولوجيا، (عبور الهوة Crossing the Chasm). كانت الرؤية الجوهرية لمور أن التقنيات الجديدة غالبًا ما تفشل في تحويل شعبيتها بين المتبنين الأوائل إلى جاذبية في السوق الشاملة؛ والسبب هو أن عملاء السوق الشامل لديهم عادة احتياجات ورغبات مختلفة، ويعمل المتبنون الأوائل كنقاط مرجعية سلبية.
ومن المفارقات أنه بالرغم من التأثير الهائل لكتاب مور، نادرًا ما تم الاعتراف بأن فكرته الجوهرية تتعارض بشكل كبير مع ما أعتقد أنه جوهر نظرية الابتكار المُزعزع، فقد جادل مور بأن الفجوات غالبًا ما يصعب استخدامها كنقاط انطلاق لـ”عبور الهوة” إلى السوق الشامل. بينما جادل كريستنسن بالعكس، أن مثل هذا “الانطلاق” يحدث في كثير من الأحيان أكثر مما قد نتوقع. يفترض اللاعبون الحاليون عمومًا أن الابتكارات التي تجذب شريحة ضيقة لن تهددهم أبدًا لأن عملاءهم لديهم احتياجات مختلفة، لكن المفاجأة، أحيانًا يغيّر هؤلاء العملاء رأيهم، وعند تلك النقطة، غالبًا ما يكون الوقت قد فات كي يلحق اللاعبون الحاليون بالركب.
إذا نُظر إلى مفهوم الزعزعة أو الاضطراب بهذا التصور الأوسع على أنه “نظرية الفجوات التي يمكن تجاوزها بشكل غير متوقع”، فكيف يمكن لجسور أن تُبنى على فجوات تبدو غير قابلة للجسر؟ هناك على الأقل ثلاث عمليات معروفة جيدًا لتجاوز الفجوات من خلال زيادة العوائد -منحنيات الخبرة، وتأثيرات الشبكة، واكتشاف الطلب- والتي لا يمكن معرفة شكلها حتى يبدأ المرء في خوضها. أولى هذه العمليات هي الفكرة التي برزت من قبل مجموعة بوسطن الاستشارية في الستينيات والسبعينيات، وهي أنه كلما انخرط المرء أكثر (أو استثمر أكثر) في عملية إنتاجية، أصبح أفضل فيها، أما الثانية فهي الفكرة التي أصبحت معروفة على نطاق واسع مع صعود مايكروسوفت في الثمانينيات، وهي أن الطلب غالبًا ما يكون مدفوعًا بعدد المستخدمين الآخرين الذين يستخدمون منصة ما بشكل مباشر أو غير مباشر، مما يؤدي إلى انتقال الأسواق بسرعة من منصة إلى أخرى، والثالثة هي النقطة البسيطة جدًّا (التي استغلها ستيف جوبز إلى أقصى حد) وهي أن الناس غالبًا لا يعرفون ما يفضلونه حتى يروه، لا شيء من هذه العمليات لتجاوز الفجوات يُعد مفاجئًا من الناحية النظرية، ولكن عندما تكون واحدة أو أكثر من هذه العمليات بارزة، يمكن أن تحدث مفاجآت لأن لا أحد يستطيع أن يقول مسبقًا ما هو الشكل المحدد الذي ستتخذه هذه العمليات.
السؤال الرئيسي الثاني هو لماذا، في هذا المفهوم الأوسع للنظرية، يكون اللاعبون الحاليون أكثر عرضة لمثل هذه المفاجآت من الداخلين الجدد، هنا يشير كريستنسن إلى عامل مهم؛ وهو أن اللاعبين الحاليين يواجهون معدل عائد أعلى (بمعنى آخر، معدل عائد متوقع يجب تجاوزه ليتم الاستثمار) عند الاستثمار في الأسواق الناشئة مقارنة بالداخلين الجدد، أحد أسباب ذلك ينطبق على الشركات العامة: إن الضغط للحفاظ على تقييمها الحالي “المضاعف” قد يثنيها عن السعي وراء الفرص في الأسواق الجديدة الصغيرة الناشئة التي تبدو وكأنها تعد بمضاعف أقل، سبب آخر، يستند إلى أعمال حديثة في علم الاجتماع الاقتصادي، هو أن الاستثمار في مجال مختلف يمكن أن يُشير إلى التزام أقل تجاه أصحاب المصلحة الحاليين (العملاء، والموظفين، والمستثمرين).
خلاصة ما سبق هي أن هناك بالفعل فكرة مفيدة جدًّا في جوهر نظرية الابتكار المُزعزع. باختصار، من المفيد جدًّا أن ندرك أن الفجوات يمكن أن تكون منصات انطلاق لمشروعات تأتي بشكل غير متوقع لتنافس بنجاح مع أقوى الشركات القائمة وأكثرها دافعية، إنها مجرد جزء واحد من مجموعة أكبر من الأفكار التي لدينا لفهم ضعف الشركات القائمة، لكنها تظل رؤية قيمة للغاية، ويعود الفضل في ذلك إلى كريستنسن وزملائه، ويُؤمل في المستقبل أن يتم التعرف إلى نظرية الابتكار المُزعزع لما هي عليه بالفعل بدلًا من الترويج لها أو مهاجمتها لما ليست عليه، ففقط من خلال هذا الاستخدام الحكيم والمراجعة المدروسة تصبح الأفكار أكثر قيمة في توضيح التفكير والعمل.
عزرا دبليو. زوكيرمان هو نائب عميد كلية سلون للإدارة بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا وكذلك أستاذ استراتيجية وريادة الأعمال ألفين جي. سيتيمان (1948م) في كلية سلون للإدارة بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا.
عن المؤلفين
خوان بابلو فاسكيز سامبير هو أستاذ العمليات والتكنولوجيا في كلية إدارة الأعمال IE في مدريد. مارتن جيه. بيانستوك هو رئيس مجموعة حلول الأعمال والحوكمة وإعادة التنظيم والإفلاس في مكتب المحاماة بروسكوير روز LLP؛ وهو أيضًا محاضر في كل من كلية الحقوق في جامعة هارفارد وكلية الحقوق في جامعة ميشيغان. عزرا دبليو. زوكيرمان هو نائب عميد كلية سلون للإدارة بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا وكذلك أستاذ استراتيجية وريادة الأعمال ألفين جي. سيتيمان (1948م) في كلية سلون للإدارة بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا.
