القائمة الرئيسية

كيف تختلف القيادة الرقمية (أو لا تختلف)

كيف تختلف القيادة الرقمية (أو لا تختلف)
ملخص المقال

يؤكد المقال أن التحول الرقمي لا يلغي أسس القيادة الجيدة بقدر ما يفرض تطويرها؛ فبينما تظل مهارات مثل توضيح القيمة، وامتلاك التحول، وتمكين الموظفين عناصر ثابتة لنجاح أي تغيير، تتطلب البيئة الرقمية قدرات إضافية أبرزها الرؤية التحويلية والاستشراف المستقبلي، والثقافة الرقمية العامة، والقدرة العالية على التكيف. ويُظهر البحث أن المؤسسات الأكثر نضجًا رقميًا تميّزت بقيادة مركزية من أعلى الهرم، وباستثمار حقيقي في الموارد، وببناء بيئة تشجع التعلم والتجريب وقيادة الشبكات بدل التسلسل الهرمي الجامد. ويخلص المقال إلى أن فجوة القيادة الرقمية ما تزال كبيرة، وأن النجاح في العصر الرقمي يتطلب قادة يجمعون بين دروس الماضي ومرونة الحاضر، وقادرين على “أن يكونوا التغيير” الذي تسعى مؤسساتهم إلى تحقيقه.

جيرالد سي. كين، وآن نغوين فيليبس، وجوناثان كوبولسكي، وغارث أندروس

عند وصف الواقع الرقمي الجديد للمؤسسات، يميل الناس إلى الانقسام إلى معسكرين. البعض يرى أن المستقبل سيكون أشبه بالماضي إلى حدٍّ كبير، متفقين مع القول: “أولئك الذين لا يتذكرون الماضي محكوم عليهم بتكراره”. في حين يعتقد آخرون أن المستقبل سيكون أكثر حداثة وجِدة، مؤمنين بأن “لا أحد يمكنه أن يعرف ما سيحدث: إنه يحدث، في كل مرة، للمرة الأولى، وللمرة الوحيدة”.

مهما كان منظورك، فإن المؤسسات وهي تسعى لإيجاد موطئ قدم في بيئة أعمال مضطربة، تحتاج إلى قادة أقوياء على رأس القيادة. يجب على القادة الكبار ألا يكتفوا بوضع رؤية يمكن للناس الالتفاف حولها، بل عليهم أيضًا خلق الظروف التي تمكِّن من النضج الرقمي، وجذب أفضل المواهب، واستخراج أفضل ما لدى المواهب التي يجذبونها. يمكن أن تكون التغيرات السريعة المرتبطة بالتحول الرقمي مربكةً، لذا يفترض الكثير منا أن دليل القيادة يجب أن تُعاد كتابته بالكامل للعصر الرقمي. هل هذا صحيح؟ أم إن مستويات عدم اليقين المتزايدة تجعلنا نُهمل الأساسيات؟ هل من الممكن أن تكون تحديات القيادة في العالم الرقمي متشابهة أكثر مما هي مختلفة، لكننا نركز على نحوٍ مفرط على ما هو مختلف لأننا نشعر بالقلق من التهديدات التي تواجه الوضع الراهن؟

ثمة ما يقال لصالح كلا الرأيين. خلال السنوات الخمس الماضية، ومن خلال مشروع بحثي مشترك مع مجلة MIT Sloan Management Review وشركة Deloitte، درسنا كيف تتغير الأعمال والقيادة نتيجة التحول الرقمي. (انظر “حول البحث”). وقد وجدنا أنه بينما تظل الكثير من مهارات القيادة الأساسية على حالها، فإن متطلبات التحول الرقمي تتطلب أيضًا بعض المهارات الجديدة. هنا، سوف نستكشف ما هذه المهارات، وماذا يمكن أن نتعلم من المؤسسات التي بلغت النضج الرقمي — أي تلك التي تحولت بفعل التقنيات والقدرات الرقمية التي تحسِّن العمليات، وتستقطب المواهب عبر المؤسسة، وتدفع نماذج أعمال جديدة تولِّد القيمة.

حول البحث

خلال السنوات الخمس الماضية، أجرينا استطلاعات لأكثر من 20,000 من التنفيذيين والمديرين والمحللين حول العالم لفهم التحديات والفرص المرتبطة بالتحول الرقمي. في كل عام، تلقَّينا ما بين 3,700 و4,800 إجابة؛ ما أتاح لنا جمع رؤًى من أفراد في أكثر من 120 دولة و28 قطاعًا صناعيًّا، ومن مؤسسات بأحجام مختلفة. أكثر من ثلثَي المشاركين من خارج الولايات المتحدة الأمريكية. جُمعت العينة من عدة مصادر، بما في ذلك قراء مجلة MIT Sloan Management Review، ومشتركو ندوات Deloitte Dbriefs عبر الإنترنت، وأطراف أخرى مهتمة. كما أجرينا مقابلات مع أكثر من 140 تنفيذيًّا في عدة قطاعات صناعية، وقادة فكر، وأكاديميين لفهم القضايا العملية التي تواجه المؤسسات اليوم، وتُسهم رؤاهم في فهم أعمق للبيانات.

ما الذي يجعل القيادة الرقمية مختلفة؟

يواجه القادة تحديات جديدة نتيجة التحول الرقمي. التغيرات الأكبر التي أشار إليها المشاركون في بحثنا هي زيادة وتيرة الأعمال، والتحول في ثقافة المؤسسة (والتوترات المصاحبة بين “صانعي التغيير” والموظفين ذوي العقلية التقليدية)، والحاجة إلى مكان عمل مرن وموزع، وتوقعات أعلى بالإنتاجية. لذا من المنطقي أن يحتاج القادة إلى تكييف أو تعزيز بعض مهاراتهم الأساسية للتنقل في العالم الرقمي. لتحديد القدرات الأكثر أهمية في المؤسسات، سألنا المشاركين في الاستطلاع: “ما المهارة الأهم التي يجب أن يمتلكها قادة المؤسسات للنجاح في بيئة العمل الرقمية؟” (انظر “ما الذي يميز الأعمال الرقمية والقيادة الرقمية؟”). عند جمع الإجابات، تتكون لدينا صورة شاملة لما تبدو عليه القيادة الفعالة في البيئة الرقمية. وتبرز السمات التالية كأكثرها أهمية.

رؤية تحويلية ومنظور مستقبلي. لطالما كان توفير الرؤية والتوجيه من العناصر الأساسية للقيادة. ولكن في البيئة الرقمية، ومع التركيز على التغيير المستقبلي، تكتسب هذه العناصر أهمية جديدة. في استطلاعنا، قال 22% من المشاركين: إن أهم مهارة قيادية يجب امتلاكها في المؤسسة الرقمية هي الرؤية التحويلية، التي تشمل القدرة على استشراف الأسواق والاتجاهات، واتخاذ قرارات تجارية ذكية، وحل المشكلات الصعبة في الأوقات المضطربة. وتأتي في المرتبة الثانية أهمية التطلع إلى المستقبل (20%)، التي تتضمن وجود رؤية واضحة، واستراتيجية سليمة، وبُعد نظر. هاتان المجموعتان من المهارات مرتبطتان ارتباطًا وثيقًا. ونحن نفسر الثانية على أنها فهم كيفية تطوُّر اتجاهات الأعمال بسبب التكنولوجيا، والأولى على أنها القدرة على توجيه الأعمال استجابةً لتلك الاتجاهات. والقادة الذين يمتلكون رؤية تحويلية مجهَّزون لتوفير الهدف والاتجاه. كيف يكون ذلك ممكنًا عندما تواجه مستقبلًا غير مؤكد؟ كان لجون جلاسر، نائب الرئيس الأول لصحة السكان في شركة سيرنر، وهي مزوِّد لتقنية المعلومات الصحية، هذا التوضيح عندما وصف لنا نهجه، قائلًا: “اعمل على الأشياء التي من المرجح أن تكون ذات صلة بالكثير من الاحتمالات المستقبلية. أخبِرني بمستقبل يكون فيه إشراك المرضى لإدارة صحتهم فكرة سيئة، لأنني لا أرى مثل هذا المستقبل على الإطلاق. لذلك ربما لا أعرف كيف ستسير الأمور، لكن في ظل أيِّ ظرف يمكن تصوره تقريبًا، ستظل هذه الأمور ذات صلة”.

الثقافة الرقمية. فهم التكنولوجيا هو ثالث أهم مهارة. قد يبدو هذا المطلب بدهيًّا للوهلة الأولى، لكن المشاركين في استطلاعنا يعرفونه بطريقة معيَّنة. إنهم يعطون أولوية للخبرة السابقة في دور قيادي تقني، لكنهم يقولون أيضًا إن القادة بحاجة إلى امتلاك الثقافة الرقمية العامة، على عكس المهارات التقنية المتخصصة مثل البرمجة أو علم البيانات. الثقافة الرقمية ضرورية لسببين. أولًا، هي تدعم أول مهارتين قياديتين ذُكِرتا: امتلاك الرؤية التحويلية، والتطلع إلى المستقبل. القائد الذي لا يمتلك الثقافة الرقمية سيجد صعوبة في مواكبة الاتجاهات والتطورات الناشئة وسيفشل في فهم كيف يمكن أن تجلب هذه الاتجاهات قيمة جديدة أو تشكل تهديدًا للمؤسسة. ثانيًا، فهم كيفية عمل التكنولوجيا (أو عدم عملها) على مستوى عالٍ يمكِّن القادة من اتخاذ قرارات أكثر استنارة في بيئة غير مؤكدة. نلاحظ من خلال أبحاثنا وأعمالنا الاستشارية أنه غالبًا ما يكون من الأسهل والأكثر فاعلية مساعدة قادة الأعمال الراسخين على اكتساب الثقافة الرقمية بدلًا من تعليم المتخصصين التقنيين المعرفة الاستراتيجية التي يحتاجون إليها للقيادة الفعالة.

القدرة على التكيف. بالتساوي مع الثقافة الرقمية في المرتبة الثالثة من حيث الأهمية، يجب أن يكون القائد أيضًا موجّهًا نحو التغيير — أي منفتح الذهن، وقادرًا على التكيف، ومبتكرًا. مثل الثقافة الرقمية، تدعم هذه المهارة سمات أخرى أُبلِغ عن قيمتها. فهي تساعد القادة على الاستجابة لبيئة متغيرة وتغيير المسار إذا تطورت بيئة التكنولوجيا والأسواق بطرائق غير متوقعة. كما تمكّن هذه العقلية القائد الرقمي من تحديث معرفته باستمرار لمواكبة التغيرات في التكنولوجيا وتجنُّب التقادم. يمكن للقادة تجديد معرفتهم من خلال التعليم المستمر الرسمي، أو التدريب الداخلي، أو برامج الإرشاد العكسي بين الأجيال، أو أيّ من الكثير من البرامج الموجودة عبر الإنترنت.

ما الذي يبقى ثابتًا؟

بالتأكيد، حتى وإن تغيّرت بعض الأمور فيما يتعلق بالقيادة الرقمية، فهذا لا يعني أن كل شيء يتغير. في الواقع، من أكبر العثرات تجاهُل أساسيات القيادة الجيدة في مواجهة التغيير الرقمي. نجد أن القادة غالبًا ما يركزون بشدة على الجوانب التقنية لدرجة أنهم ينسون سبب انخراطهم في هذه الجهود في المقام الأول: لتحسين طريقة عمل شركتهم. لذا، سنشير هنا إلى بعض المهارات الأساسية التي تظل ضرورية.

توضيح القيمة التي سيجلبها التغيير — والاستثمار وفقًا لذلك. التحول الرقمي مدفوع بالتكنولوجيا الجديدة، لكن هذه التكنولوجيا لا تكتسب قيمة إلا بقدر ما تتيحه من استراتيجيات وممارسات أعمال جديدة. قبل الإقدام على أيِّ تكنولوجيا جديدة، يجب أن يكون القادة قادرين على توضيح سبب حاجتهم إلى الاستثمار فيها على نحوٍ واضح. قلة من التنفيذيين يُظهرون هذا النوع من الانضباط وسط كل الضجيج الرقمي.

ولزيادة الأمور سوءًا، يميل القادة أيضًا إلى توقع نجاح المشاريع دون توفير الدعم المالي والموارد الكافية لها. وليس من المستغرب أن 75% من المشاركين في الاستطلاع الذين قالوا إن شركتهم قامت باستثمارات مناسبة أبلغوا عن مبادرات ناجحة، في حين إن 34% فقط ممن قالوا إن شركتهم لا تلتزم بالوقت والطاقة والموارد الكافية أبلغوا عن نتائج ناجحة.

امتلاك عملية التحول. عندما يفوِّض التنفيذيون مسؤولية الأعمال الرقمية إلى التقنيين، فإن ذلك يكون وصفة لفشل شبه مؤكد. على سبيل المثال، لقد رأينا التقنيين ينفِّذون منصات التواصل الاجتماعي المؤسسية أو منصات التعاون على نحوٍ مثالي دون إجراء أيِّ تدريب أو مبادرات لتغيير السلوكات لمرافقة الإطلاق. والنتيجة غالبًا ما تكون منصة تقنية رائعة لا يستخدمها الموظفون فعليًّا. وكما هي الحال مع أيِّ جهد للتغيير، فإن مشاركة الإدارة العليا ودعمها يشير إلى إعطاء الأولوية ويمكن أن يساعد على توحيد بقية المؤسسة خلف التحول الرقمي. عندها تصبح هذه العملية مسعًى مشتركًا على مستوى المؤسسة ككل وبين مختلف الوظائف؛ ما يجعل من الممكن الانتقال من مجرد تنفيذ أو تبنِّي تقنيات جديدة إلى أن تصبح المؤسسة أكثر رقمية. عندما سألنا المشاركين عن أيِّ جزء من المؤسسة من المرجح أن يقود المبادرات الرقمية، كانت الشركات الأقل نضجًا رقميًّا تميل إلى وضع المشاريع في مجال وظيفي مثل تقنية المعلومات أو التسويق. (انظر “الاستراتيجية: من يقود التقدم الرقمي؟”) أما الشركات التي تنضج رقميًّا فكانت أكثر احتمالًا بمرتين لوضع الجهود الرقمية تحت إشراف مكتب الرئيس التنفيذي.3

تجهيز الموظفين للنجاح

ثمة جانب آخر من القيادة الجيدة لم يتغير، وهو تمكين الموظفين ودعمهم لتنفيذ المبادرات الجديدة. التفويض القوي من الإدارة العليا ليس كافيًا. إذا كنتَ تتوقع من الموظفين الانخراط في عمليات جديدة لمجرد أن شركتك اعتمدت تقنية جديدة، فمن المؤكد أنك ستُصاب بخيبة أمل. في سياق مسؤوليات الموظفين الوظيفية الحالية، عادةً لا يكون لدى الموظفين الوقت أو المعرفة الكافية لاكتشاف طرائق عمل جديدة على نحوٍ عفوي. ومن ثم، يجب على القادة أن يهيِّئوا الموظفين للنجاح. ونجد أنه من بين المشاركين الذين أفادوا بأن مؤسساتهم توفر لهم الموارد والفرص للنجاح في بيئة رقمية، ذكر  72٪ إن مبادراتهم الرقمية ناجحة. ومن ناحية أخرى، نجد أنه من بين مَن ذكروا إن شركاتهم لا توفر مثل هذه الفرص والموارد، أفاد 24٪ فقط بنجاح المبادرات الرقمية. إذن، نلاحظ  التحول الرقمي هو جهد يتحرك في اتجاهين: من الأعلى إلى الأسفل ومن الأسفل إلى الأعلى في آنٍ واحد.

يمكن للقادة دعم الموظفين بطرائق عدَّة — على سبيل المثال، من خلال توفير التدريب الكافي، ونقل الموظفين داخل المؤسسة ليتعلموا طرائق جديدة للعمل من زملائهم، ومنحهم الوقت والمساحة للتكيف بحيث يصبح التعلم اللازم ممكنًا في سياق مسؤولياتهم الوظيفية الأخرى.

ما الذي يميز الأعمال الرقمية والقيادة الرقمية؟

عندما أجاب 3,300 مشارك في الاستبيان عن أسئلة مفتوحة تتعلق بكيفية اختلاف الأعمال الرقمية عن الأعمال التقليدية، وما المهارة الأساسية التي سيحتاج القادة إلى تطويرها، جاءت إجاباتهم كما يلي:

تطوير المهارات والعقليات والصلابة المناسبة

في روح القيادة من خلال الآخرين (وهو ما يُفترض أن يفعله التنفيذيون الكبار)، من الضروري زرع المواهب الإدارية التي تحتاج إليها المؤسسة لتحقيق التحول والحفاظ عليه، وكذلك تطوير وتمكين المهارات المناسبة على جميع المستويات. ولهذه الغاية، ماذا يمكنك أن تتعلم من الشركات التي تنضج رقميًّا؟ فيما يلي بعض الدروس التي استخلصناها من بحثنا.

  1. توظيف قادة رقميين لإطلاق العملية.

لقد أغفلت كثير من المؤسسات التحولَ الرقمي لفترة طويلة لدرجة أنها لا تعرف حتى من أين تبدأ. لكنها يمكن أن تقوم بما يسمى استراتيجية التوظيف المحوري anchor hires لتحفيز العملية. ويُقصد بهذا تعيين قادة من خارج المؤسسة لديهم خبرة عميقة في التحول الرقمي ويمكنهم توفير الخبرة والمنظور اللازمين لإنجاز عملية التحول الرقمي. على سبيل المثال، لبدء دفع التغيير الرقمي، عيَّنت شركة جون هانكوك مدير تسويق جديدًا جلب معه فريقًا صغيرًا من المديرين الذين طوَّروا بعد ذلك مبادرات رقمية مبتكرة كانت محصَّنة من بيروقراطية بقية المؤسسة. وبمجرد أن بدأت المبادرات الرقمية في الازدهار، استخدم الفريق هذه النجاحات كدليل على الفكرة لبدء دفع التغيير عبر المؤسسة.

فما المهارات التي تحتاج إلى البحث عنها عند تعيين قادة عبر استراتيجية التوظيف المحوري؟ يجب التركيز على مجالين رئيسَين:

• وجود سجل حافل بهؤلاء القادة في إنتاج منتجات رقمية ذات قيمة قابلة للقياس.

• إظهار القدرة على تمكين وترسيخ طريقة جديدة في التفكير والعمل داخل المؤسسة.

جلب هذه المهارات من الخارج سيدعم عملية التحول في المؤسسة، لكن من المهم أيضًا الحفاظ على ما تمَّ بناؤه. ولهذا ستحتاج إلى مجموعة مهارات تشغيلية مختلفة تمامًا، وهي التي قد تجدها داخليًّا.

الاستراتيجية: من يقود التقدم الرقمي؟

يقول المشاركون في الشركات التي تنضج رقميًّا إن مكتب الرئيس التنفيذي هو الذي يقود جهود التحول على نحوٍ أساسي. أما في الشركات الناشئة، فعادةً ما يكون قسم تقنية المعلومات هو القائد.

 2. جدِّد بانتظام الثقافة الرقمية لفريقك التنفيذي.

لنفترض أن فريق القيادة في شركتك تخرج في الجامعة منذ أكثر من خمس سنوات (وفي معظم المؤسسات، يكون القادة الكبار قد أنهوا دراستهم منذ فترة أطول بكثير من ذلك). من المرجح جدًّا أنك بحاجة إلى تحديث معرفتهم الرقمية إذا لم تكن قد اتخذت بالفعل خطوات للقيام بذلك. البيانات والتحليلات، والذكاء الاصطناعي، والبلوك تشين، والمركبات ذاتية القيادة، والتصنيع الإضافي، والواقع الافتراضي والمعزز، وغيرها من التقنيات الناشئة على وشك أن تعيد تشكيل بيئة الأعمال على نحوٍ جذري خلال العقد القادم. بالتأكيد، معظم التنفيذيين ليس لديهم الوقت أو المهارات أو الرغبة ليصبحوا علماء بيانات أو مطوري برامج محترفين. ومع ذلك، فإن جميع التنفيذيين تقريبًا قادرون على فهم التقنيات الجديدة على المستوى الاستراتيجي حتى يتمكنوا من اتخاذ القرارات المناسبة.

أحد الحلول هنا هو عقد جلسات تعليم مستمر على نحوٍ منتظم مع قيادة مؤسستك. كجزء من هذه الجلسات، يمكن للقادة المشاركة فيما يسميه الكثيرون في وادي السيليكون “استراتيجية التقريب/الإبعاد”، بإشراف ميسِّرين ذوي معرفة رقمية عميقة. في هذه العملية، يتوقع التنفيذيون كيف سيبدو عملك أو قطاعك خلال عشر سنوات نتيجة لتقنية معيَّنة أو اتجاهات رقمية عامة، ثم يخططون للخطوات التي يجب اتخاذها خلال الـ 12 إلى 18 شهرًا القادمة لكي تبدأ مؤسستك في الاستعداد لذلك المستقبل. وبينما من غير المرجح أن تتنبأ بالمستقبل بدقة، فإن هذا التمرين يساعدك على تجنب الوقوع في فخِّ وضع الاستراتيجيات للبيئة الرقمية الحالية بدلًا من البيئة التي ستكون موجودة عندما تؤتي استراتيجياتك ثمارها.

لا يوجد ما يكفي من القيادة الرقمية

بصرف النظر عما تتكون منه القيادة الرقمية، فإن بحثنا يُظهر بوضوح أن الطلب عليها كبير جدًّا. عندما سُئل المشاركون عما إذا كانت مؤسساتهم بحاجة إلى قادة جدد للنجاح في العصر الرقمي، وافق 68% منهم على أن مؤسساتهم بالفعل بحاجة إلى قيادة جديدة للمنافسة. وما هو أكثر إثارة للاهتمام هو التناسق في هذه الردود عبر فئات النضج الرقمي. كما هو متوقع، أفاد 77% من المشاركين من الشركات في المراحل المبكرة بأنهم بحاجة إلى قادة جدد، وكذلك 55% من المشاركين من الشركات الناضجة رقميًّا.

لا يوجد ببساطة ما يكفي من القادة الرقميين الذين يلبّون التحديات التي تواجهها معظم الشركات. ولكن هنا تبرز الشركات الناضجة رقميًّا عن نظيراتها الأقل نضجًا: فهي تتخذ إجراءات لمعالجة المشكلة. عندما سألنا عما إذا كانت المؤسسات تطوِّر على نحوٍ فعال القدرات القيادية التي تحتاج إليها في العصر الرقمي، كان ثمة فرق كبير في الردود. وبينما قال نحو ثلثَي المشاركين من الشركات الناضجة رقميًّا إنهم يفعلون ذلك، قال 33% فقط من الشركات في مرحلة التطوير و13% فقط من الشركات في المراحل المبكرة الشيء نفسه.

3. أنشِئ بيئة يمكن للقادة الجدد أن يتقدموا فيها.

يتحرك العمل الرقمي بسرعة كبيرة بحيث لا يستطيع المديرون والموظفون انتظار التعليمات لمواجهة كل موقف. يجب على القادة أن يوضحوا الأهداف الاستراتيجية حتى يتمكن المديرون في الخطوط الأمامية والمتوسطة من اتخاذ قرارات سليمة على أرض الواقع، وأن تُتاح لهم الفرصة والوقت الكافيان لتجربة طرائق جديدة للقيادة في بيئة رقمية. واحدة من أهم المهارات التي يجب على الجميع تطويرها هي القدرة على قيادة شبكات من الأشخاص والفرق، بدلًا من القيادة من خلال الهرمية. القادة التقليديون الذين يتبعون أسلوب الشلال في إدارة الاتصالات واتخاذ القرارات —أي الذين يفضلون النهج الخطِّي والمتسلسل في القيادة التنظيمية— يخلقون نقاط اختناق عندما تكون هناك حاجة إلى السرعة. في المقابل، تسهل طريقة الشبكة المحادثات والقرارات التكرارية والسريعة والتعاونية من خلال نشر الكثير من نقاط الاتصال الصغيرة في التواصل واتخاذ القرار، التي تتجاوز حدود وصناديق المؤسسة التقليدية. إذا كانت حقوق اتخاذ القرار واضحة وممكنة ومبلغة، يمكن للقادة الكبار تعزيز جودة وسرعة هذه الشبكات المتوسعة من خلال فتح الأبواب، وإزالة العوائق، والمشاركة مع الفرق في العمل التعاوني، ومساعدتهم على أن يصبحوا أكثر مرونة، والتركيز على الابتكار في العمل اليومي.

4. عزِّز ثقافة التجريب.

أخيرًا، يجب على القادة أن يفكروا كمبتكرين ويوفروا المساحة للموظفين لتجربة أشياء جديدة، والتعلم منها، والتعديل، والتوسع. معظم المؤسسات تتحدث نظريًّا عن مفهوم “الفشل السريع”، لكنها في الواقع ترسل رسائل ضمنية بأن “الفشل غير مقبول”. لتجنُّب إرسال رسائل متضاربة، يمكنك تشجيع ومكافأة التعلم الذي يأتي من الجهود التي لم تحقق النجاح الكامل — وغالبًا ما يُسمى هذا “الفشل التقدمي”. كما قال ريتشارد جينغراس، نائب رئيس أخبار جوجل: “ليس من المهم حقًّا إذا نجح التجريب أو فشل؛ المهم هو ما يتعلمونه منه. سواء كان جيدًا أو سيئًا أو محايدًا، فهو ذكاء يمكنهم الاستفادة منه. ربما لم ينجح الأمر كما كنا نظن، لكننا تعلمنا كذا وكذا، ولسنا محرَجين من أن افتراضاتنا الأولية كانت خاطئة؛ لا يوجد فشل. لقد جربنا شيئًا، وتعلمنا شيئًا”. إذًا، ما نوع القادة الذين نحتاج إليهم في عصر التحول الرقمي؟ هل هم القادة الذين يدرسون المعارك السابقة بهدف استخلاص الدروس المستفادة، أم المغامرون الجريئون الذين يعتقدون أن ما يحدث الآن لا يشبه أيَّ شيء حدث من قبل؟ الجواب هو مزيج صحي من الاثنين: قادة يمتلكون المهارات الأساسية المستمدة من رؤى الماضي، ولكن بعقلية مرنة ودراية رقمية تمكِّنهم من التكيف عند الضرورة. باختصار، نحن بحاجة إلى قادة يمكنهم “أن يكونوا التغيير الذي نبحث عنه”.

عن المؤلفين

جيرالد سي. كين (@profkane): أستاذ نظم المعلومات في كلية بوسطن، والمدير الأكاديمي لمركز إدموند إتش. شيا جونيور لريادة الأعمال. آن نغوين فيليبس (@anhphillips): باحثة ومؤلفة من مركز ديلويت للأبحاث المتكاملة، حيث تقود أبحاث التحول الرقمي. جوناثان كوبولسكي (@jcopulsky): يدرِّس التسويق في جامعة نورث وسترن، ويشغل منصب مدير برنامج دورة تسويق الأعمال في التعليم التنفيذي بكلية كيلوغ. غارث أندروس (@garth_ot): يشغل حاليًّا منصب شريك وقائد عالمي لحلول الحمض النووي الرقمي في ديلويت. وهم جميعًا مؤلِّفو الكتاب المرتقَب لمعهد ماساتشوستس للتقنية: خرافة التكنولوجيا: كيف أن البشر هم المفتاح الحقيقي للتحول الرقمي، (أبريل 2019م)، الذي اقتُبِست هذه المقالة منه.

المَراجع

1. G. Santayana, The Life of Reason: The Phases of Human Progress, Vol. 1: Reason in Common Sense (New York: C. Scribner’s Sons, 1905), 284.

2. J. Baldwin, The Devil Finds Work, sec. 1, The Price of the Ticket (New York: St. Martin’s Press, 1985).

3. G.C. Kane, Is the Right Group Leading Your Digital Initiatives? MIT Sloan Management Review, Aug. 3, 2018.

مقالات ذات صلة