القائمة الرئيسية

هل ترغب في اتخاذ قرارات أفضل؟ ابدأ بالتجريب

هل ترغب في اتخاذ قرارات أفضل؟ ابدأ بالتجريب
ملخص المقال

يبيّن المقال أن عالم الأعمال دخل «عصر التجارب»، حيث أصبحت التجارب العشوائية المحكمة أداة مركزية لاتخاذ قرارات أفضل بدل الاعتماد على الحدس أو الجدل الإداري، كما توضح أمثلة من Google وBooking.com وAlibaba وUber. ويؤكد المقال أن قيمة التجريب لا تكمن فقط في معرفة ما إذا كانت فكرة ما تنجح، بل في فهم لماذا وكيف تنجح، مع ضرورة تصميم التجارب بعناية، وقياس آثارها الشاملة وطويلة الأمد لا الاكتفاء بالنتائج السريعة. كما يحذر الكاتبان من مخاطر التجريب غير المنضبط، مثل إغفال الآثار المستقبلية أو إثارة مخاوف أخلاقية وخصوصية لدى العملاء، كما حدث في بعض تجارب Facebook. ويخلص المقال إلى أربعة دروس رئيسية: إدماج التجارب بشكل منهجي في عملية اتخاذ القرار، تجاوز النتائج السطحية إلى تحليل الآليات، التركيز على الآثار بعيدة المدى، والتحلي بالشفافية، مؤكدًا أن التجريب، إذا استُخدم بحكمة وأخلاقية، يمكن أن يحقق قيمة مستدامة للشركات والعملاء والمجتمع معًا.

مايكل لوكا وماكس هـ. بازرمان

تخيل أنك تعمل ضمن فريق الإعلانات في شركة Google وتحتاج إلى اتخاذ قرار حول ما إذا كان يجب أن تكون الإعلانات ذات خلفية زرقاء أم صفراء. تعتقد أنت أن اللون الأصفر سيجذب أكبر عدد من النقرات؛ بينما يرى زميلك أن الأزرق هو الأفضل. كيف تتخذ هذا القرار؟

في الأيام الأولى لشركة Google، ربما كنتما ستناقشان المسألة حتى يستسلم أحدكما أو تتفقان معًا على رفع القرار إلى المدير الأعلى. لكن في نهاية المطاف، أدرك القادة في Google أن كثيرًا من هذه النقاشات والقرارات لم تكن ضرورية.

قال لنا هال فاريان (Hal Varian)، كبير الاقتصاديين في Google: «لا نريد من كبار التنفيذيين أن يناقشوا ما إذا كانت الخلفية الزرقاء أم الصفراء ستؤدي إلى مزيد من النقرات على الإعلانات. لماذا نناقش هذه النقطة، في حين يمكننا ببساطة إجراء تجربة لمعرفة الجواب؟» عمل فاريان مع الفريق الذي طور المنهج المنظم للتجريب في Google. وتقوم الشركة الآن بإجراء تجارب على نطاق غير مسبوق؛ أكثر من عشرة آلاف تجربة سنويًّا. وتوجه نتائج هذه التجارب القرارات الإدارية في سياقات متنوعة، بدءًا من مبيعات الإعلانات ووصولًا إلى معايير محرك البحث.

وعلى نطاق أوسع، فإن عقلية التجريب قد تسربت إلى معظم قطاع التكنولوجيا وانتشرت خارجه. فاليوم، لا تقدم معظم شركات التكنولوجيا الكبرى، مثل Amazon وFacebook وUber وYelp، على أي تغيير مهم في منصاتها دون إجراء تجارب لفهم كيفية تأثيره على سلوك المستخدمين. وبعض الشركات التقليدية، مثل شركة Campbell Soup Co.، كانت تخوض غمار التجارب منذ عقود. وهناك العديد من الشركات الأخرى التي تعزز جهودها في مجال التجريب مع خوضها التحولات الرقمية، وفي تحول جذري عن دورها التاريخي كأداة غامضة للبحث الأكاديمي، أصبحت التجربة العشوائية المحكمة (randomized controlled experiment) تيارًا سائدًا. فالشركات الناشئة، والتكتلات الدولية، والوكالات الحكومية جميعها باتت لديها أداة جديدة لاختبار الأفكار وفهم أثر المنتجات والخدمات التي تقدمها.

تكمّل التجارب الحدس والتخمين برؤية قائمة على الأدلة، وقد رأيناها تحقق عوائد كبيرة للمنظمات، كما حدث عندما نبهت تجربة شركة eBay إلى أنها كانت تهدر ملايين الدولارات سنويًّا على الإعلانات (انظر: «عوائد التجريب»). وصعود التجارب أمر جيد في المجمل: فهو جيد للشركات التي يمكنها استخدام النتائج لتحسين موظفيها وممارساتها التشغيلية وعروضها للعملاء، وجيد للحكومات التي يمكنها الاستفادة من النتائج في تصميم الخدمات الأساسية وتقديمها بشكل أفضل، وعندما تُصمم وتُراقب بعناية، فهي جيدة أيضًا للعملاء والمواطنين. وفي الوقت نفسه، يتطلب الأمر حكمةً لإدماج نتائج التجارب بفعالية في اتخاذ القرارات، ولتحديد متى وكيف يُجرى التجريب. فعلى سبيل المثال، عندما صممت الباحثة الاقتصادية السلوكية كاتي ميلكمان (Katy Milkman) وعالمة النفس أنجيلا داكوورث (Angela Duckworth)، وكلاهما من جامعة بنسلفانيا، تجارب تهدف إلى تحديد طرق لزيادة معدلات الحضور في سلسلة النوادي الرياضية 24 Hour Fitness، سعتا إلى إيجاد استراتيجيات تؤدي إلى حضور طويل الأمد من خلال تتبع سلوكيات مثل عدد زيارات النادي أسبوعيًّا ومدة كل زيارة على مدى أشهر. وتبرز منهجيتهما أهمية خيارات التصميم المركزية في التجارب: فلو اكتفت ميلكمان وداكوورث بتتبع زيارات النادي لبضعة أسابيع فقط (من الشائع أن تستمر التجارب أيامًا معدودة)، لكانتا توصلتا إلى استنتاجات مختلفة تمامًا، وربما طبقت 24 Hour Fitness تغييرات مفيدة على المدى القصير فقط، لتتلاشى آثارها بعد أشهر قليلة.

وفوق ذلك، فإن للتجارب قدرًا معينًا من المخاطر، فهي تثير مخاوف تتعلق بالشفافية، خاصة وأن معظم تجارب العالم ونتائجها محفوظة في قواعد بيانات الشركات، بعيدة عن أعين الجمهور وتُستخدم لأغراض غير معروفة. وقد تبدو هذه التجارب متطفلة أو ذات طابع رقابي صارم (Big Brother-ish)، بل وقد تثير الغضب، كما حدث عندما أجرت Facebook تجربة لمعرفة ما إذا كانت المنشورات الحزينة أو السلبية تؤثر على مشاعر مستخدميها. وعلاوة على ذلك، وبقدر اعتماد الشركات على بيانات العملاء لإجراء التجارب، تتداخل هذه المخاوف مع قضايا الخصوصية وأمن البيانات وتزداد تعقيدًا بسببها.

وقد تخلق التجارب أيضًا حالات ربح وخسارة، فعلى سبيل المثال، أجرت شركة StubHub تجربة دفعتها إلى إضافة رسوم التذاكر في اللحظة الأخيرة، قبيل إتمام الشراء، بدلًا من جعلها ظاهرة أثناء عملية التسوق. وقد قدم هذا البحث رؤية مهمة حول القرارات التي تتخذها الشركات فيما يتعلق بما يُسمى بإخفاء الرسوم (fee-shrouding) وتأثير هذه الممارسة على نتائج العملاء. وأظهرت النتائج أن القيمة قصيرة الأمد لإخفاء الرسوم كانت واضحة: فقد اشترى مزيد من العملاء التذاكر. لكن القيمة طويلة الأمد للشركة كانت مشكوكًا فيها، إذ عاد عدد أقل من العملاء خلال العام التالي.

نحن في بدايات عصر التجارب في عالم الأعمال. إن تصميم هذه التجارب وتفسير نتائجها يُعد من المهام الصعبة، إذ يتطلب ذلك مزيجًا من المهارات التقنية المتقدمة، والقدرات التحليلية، والحكمة الإدارية. ومع انتشار التجارب في الشركات، سيزداد احتياج المديرين إلى أطر عمل فعّالة لإدارة هذه التجارب، والانتقال من النتائج إلى اتخاذ القرارات بطريقة تعود بالنفع والجدوى على الشركة والعملاء على حد سواء. في هذا المقال، سنستعرض أربعة دروس استخلصناها من مقابلاتنا مع المديرين في عشرات الشركات الكبرى التي تعتمد التجارب، ومن خبرات العديد من المختصين في مجال التجريب، بالإضافة إلى رؤانا التي اكتسبناها من تصميم وتدريس مقررات حول التجريب واتخاذ القرار الإداري على مستوى الدراسات العليا، ومن تجاربنا في تطوير واختبار تدخلات قائمة على الاقتصاد السلوكي لصالح عملاء من قطاعي الشركات والحكومات.

الدرس الأول:

إدماج التجارب بشكل منهجي في عمليات اتخاذ القرار في شركتك.

من المهم أن يشارك المديرون في تصميم التجارب وتفسير نتائجها، ليس فقط ليستفيدوا من آرائهم وخبراتهم، بل ليكتسبوا أيضًا حس “الاختبار” ويصبحوا أكثر ميلًا لمراجعة افتراضاتهم والبحث عن الأدلة في قراراتهم اليومية. علاوة على ذلك، ينبغي أن تؤسس الشركات بنية تحتية تتيح لكل ذلك أن يحدث على مستوى المؤسسة ككل، حتى لا تظل التجارب محصورة في أقسام معينة.

تأمّل نهج منصة الحجز الرقمية Booking.com، الذي جذب انتباه المديرين والباحثين في إدارة الأعمال على حد سواء، جزئيًّا بسبب الطريقة التي تقرّب بها التجارب من عملية اتخاذ القرار الإداري. ففي Booking، تُجرى التجارب في جميع أقسام العمل، سواء تلك الموجهة للعملاء أو للشركاء. ويشارك في إدارة التجارب نحو 1,500 موظف، كثير منهم من ذوي الخلفيات الإدارية أو الهندسية، ولكنهم كانوا يملكون معرفة محدودة بالإحصاء والتجريب من قبل. يستطيع أي مدير منتج في Booking بسهولة إجراء تجربة لاختبار ميزات جديدة قبل طرحها للعملاء. في الواقع، يشارك نحو 80% من فرق تطوير المنتجات في Booking بنشاط في إجراء التجارب.

وقد نفذت Booking مجموعة من التغييرات الإدارية، مثل تخصيص علماء بيانات داخليين (من بينهم مدير التجريب لوكاس فيرمير، الذي قدم لنا لمحة عن العملية الحالية) لإقامة جلسات تدريبية وتقديم دعم تحليلي مخصص لكل تجربة على حدة. وقد جعلت هذه التغييرات من السهل على الفرق تصميم تجارب فعّالة وإطلاقها، مما عزز من قدرة الشركة على اتخاذ قرارات مبنية على الأدلة.

وبعد إجراء التجربة، تُسجل النتائج في مستودع مركزي يمكّن أفراد الشركة جميعهم من الاطلاع عليها إلى جانب نتائج التجارب السابقة. ويمكن للجميع معرفة الميزات التي تم اختبارها، سواء تم تنفيذها في النهاية أم لا. وتُعرض مجموعة من المقاييس القياسية بشكل افتراضي، لكن الفرق تستطيع أيضًا تخصيص المقاييس وفقًا لطبيعة كل تجربة.

يتيح نهج Booking للشركات أن تدعم قرارات الفرق بالأدلة التجريبية، مع احتفاظ الفرق بالتحكم في كيفية الانتقال من النتائج إلى القرارات. كما تتمتع الفرق ببعض المرونة في اختيار النتائج التي تحللها، ووزن أهمية كل نتيجة. ويوزع النظام المتكامل أيضًا فهمًا أساسيًّا لأساليب التجريب ومفاهيمه -بما في ذلك اختبار الفرضيات (hypothesis testing)، والدلالة العملية (practical significance)، أي حجم التأثيرات، والدلالة الإحصائية (statistical significance)، ونقاط القوة والضعف في المقاييس المختلفة (metrics) وفي التجارب عمومًا- على مستوى القوى العاملة بأكملها.

الدرس الثاني:

تجاوز مجرد معرفة ما إذا كانت الأمور تنجح في تجاربك، إلى استكشاف أسباب نجاحها.

تسمح عملاقة التجارة الإلكترونية الصينية Alibaba لشركائها من تجار التجزئة بتحديد أسعارهم الخاصة على منصتها، لكنها تحتفظ ببعض السيطرة على الأسعار النهائية التي يدفعها المستخدمون، جزئيًّا من خلال تحديد متى يمكن للبائعين تقديم خصومات للعملاء ومتى لا يمكنهم ذلك. وللاستفادة من هذه الآلية الرقابية، استخدمت Alibaba التجارب لتحديد الحالات التي يكون فيها تقديم الخصم أكثر فائدة للمنصة من حيث تفاعل المستخدمين واحتفاظهم بها.

على سبيل المثال، ولزيادة المبيعات، سمحت Alibaba للبائعين بتقديم خصومات كبيرة للعملاء الذين تركوا بعض “المنتجات المروجة” في سلات تسوقهم لأكثر من أربع وعشرين ساعة. لكن هل غيّرت هذه القسائم فعلًا سلوك العملاء؟ هذا هو السؤال الذي سعى قادة الشركة للإجابة عنه. ففي أوائل عام 2016م، تعاون فريق من الباحثين الإداريين مع Alibaba لإجراء تجربة ميدانية عشوائية على منصتين من منصات الشركة، بهدف قياس الأثر الدقيق لبرنامج الترويج عبر سلة التسوق.

اختار الباحثون عشوائيًّا مليون عميل من عملاء Alibaba الذين استهدفوا بعروض ترويجية واحدة على الأقل بين 12 مارس و11 أبريل 2016م، وقسموهم إلى مجموعتين: مجموعة ضابطة وأخرى معالجة. عُرضت على عملاء المجموعة المعالجة قسائم لمنتجات مروجة كانوا قد تركوها في سلة التسوق لأكثر من يوم، بينما لم يتلقَّ عملاء المجموعة الضابطة أي قسائم.

ركزت Alibaba وفريق البحث على مجموعتين من النتائج: (1) ما إذا كان العملاء الذين حصلوا على القسائم أكثر ميلًا لشراء المنتجات في سلاتهم، و(2) ما إذا كان هؤلاء العملاء قد استمروا في شراء المزيد من المنتجات من Alibaba مقارنة بالعملاء الذين لم يحصلوا على القسائم.

أظهرت نتائج التجربة أن برنامج عربة التسوق كان متذبذبًا بالنسبة للبائعين: جيّدًا للبعض، وسيِّئًا للآخرين. إلا أن النتائج كشفت أيضًا أن البرنامج لم يؤدِّ إلى زيادة ملحوظة في التسوق على منصة “علي بابا” (Alibaba) بشكل عام. وبناءً على ذلك، قررت الشركة عدم توسيع برنامج قسائم عربة التسوق الخاص بها.

ولكن يجدر الانتباه إلى طبيعة السؤال المطروح هنا، فقد سألت تجربة “علي بابا” في جوهرها: “ما أثر البرنامج كما هو قائم؟” وليس: “كيف ينبغي تصميم هذا البرنامج؟” وهذه نقطة فاصلة، إذ قد يكون تأثير القسائم محدودًا فقط بسبب ضعف التصميم، وليس لأن مثل هذه الخصومات معيبة بطبيعتها. وعلى الرغم من أن هذه التجربة كانت ذات قيمة في كشف محدودية فعالية البرنامج القائم، فإن التساؤل يبقى مطروحًا: هل كان من الممكن أن يحقق إصدار بديل من البرنامج نتائج أفضل؟

على وجه التحديد، هناك عدة عناصر في برنامج عربة التسوق كان بإمكان “علي بابا” اختبارها. أولًا، عانت الحملة الترويجية من ضعف الانتشار النسبي؛ إذ إن ثلث المستخدمين لم يعودوا إلى عربات تسوقهم قبل انتهاء صلاحية القسيمة، وبالتالي لم يعلموا بوجود الخصم أصلًا. ثانيًا، أتاح البرنامج للبائعين اختيار قيمة الخصم المقدمة عبر القسيمة، مما منع القائمين على التجربة من فهم الأثر السببي لقيمة القسيمة على سلوك الشراء. ثالثًا، يبقى تأثير برنامج القسائم على رضا المستخدمين وارتباطهم طويل الأمد بمنصة “علي بابا” غير واضح، وكان بالإمكان استكشافه بشكل أعمق.

تسلط تجربة “علي بابا” الضوء على الوعود والتحديات التي تصاحب استخدام التجارب في توجيه القرارات الإدارية. فقد استبدلت الشركة الحدس بالبيانات، وأجرى الباحثون تجربة مفيدة. إلا أن الأمر، كما هو الحال مع أي تجربة منفردة، لا يمثل سوى جزء من الصورة الكاملة. في النهاية، إن نجاح التجارب في المؤسسات لا يتعلق فقط بالإجابة عن الأسئلة، بل أيضًا بطرح الأسئلة الصحيحة والكافية. ينبغي للمديرين ألا يقتصر تركيزهم على اختبار العرض كما هو، بل عليهم تطوير أطر تساعدهم في اتخاذ قرارات بشأن عروض محتملة أخرى. وهذا يعني استكشاف الشروط والآليات المؤثرة، وفي هذه الحالة، ليس فقط ما إذا كان شكل معين من التسعير “ينجح”، بل أيضًا لماذا وكيف ينجح، وكيف يمكن تحسينه.

ويتطلب الحكم الإداري تحديد أي الأسئلة يمكن للتجارب الإجابة عنها؛ ففي حديث مع الحائز على جائزة نوبل “أل روث” (Al Roth)، الذي كان رائدًا في مجال الاقتصاد التجريبي، أخبرنا أنه عمد في الفصل الافتتاحي من “دليل الاقتصاد التجريبي” (The Handbook of Experimental Economics) إلى استخدام عبارة “سلسلة من التجارب” بدلًا من “تجربة واحدة”. وكان منطقه بسيطًا: لم يشأ أن يظن القراء أن تجربة واحدة تكفي للإجابة عن الأسئلة جميعها. وعلى المنوال ذاته، ينبغي للمديرين التفكير في كيفية مساهمة قاعدة أوسع من الأدلة في توجيه قراراتهم. علاوة على ذلك، ينبغي لهم النظر إلى التجارب مع فهم حدودها، وفي سياق أشكال أخرى من الأدلة المبنية على البيانات.

الدرس الثالث:

اختبر النتائج الشاملة وطويلة الأمد.

كثيرًا ما يركز المديرون على نتائج ضيقة أو قصيرة الأجل في تجاربهم، لأنها تكون واضحة وسهلة القياس. لكن عليهم أيضًا تبني منظور بعيد المدى، وقياس التأثيرات على مدى عدة أشهر أو أكثر. وهذا يتطلب تحديد النتائج طويلة الأمد التي تهم المؤسسة بشكل صريح، ثم إدماج هذا الفهم في تصميم التجارب وتفسيرها.

عندما تعاون “ميلكمان” (Milkman) و”دكوورث” (Duckworth)، مديرا مبادرة “تغيير السلوك للأفضل” (Behavior Change for Good – BCFG) في جامعة بنسلفانيا، مع سلسلة النوادي الرياضية “24 ساعة للياقة” (24 Hour Fitness)، كان هدفهما اكتشاف تدخلات تدفع الناس لممارسة الرياضة أكثر. وقد لاقى هذا الهدف استحسان “24 ساعة للياقة”، التي تضم 3.7 مليون عضو في أكثر من 420 موقعًا ضمن 13 ولاية. فزيادة ممارسة الرياضة تعني غالبًا زيادة الإيرادات والأرباح.

في مايو 2017م، عقد “ميلكمان” و”دكوورث” أول اجتماع لعلماء فريق “BCFG”. وقد قدموا للعلماء منصة “ستيب أب” (StepUp)، وهي منصة إلكترونية صممت لاستضافة تدخلاتهم الرياضية. وباستخدام “ستيب أب” كمنصة للتجارب، تمكنوا من اختبار تدخلات محددة وتتبعها، وإضافة محتوى وأسئلة إلى عملية التسجيل، وتخصيص الرسائل الإلكترونية والنصية التي يتلقاها المشاركون.

وكشفت النتائج الأولية أن العديد من التدخلات، مثل توقيع التعهدات ووضع خطط لممارسة الرياضة، أظهرت فوائد فورية، لكن بعض التدخلات كانت مكاسبها أقل وضوحًا عند قياسها على مدى عدة أشهر. وكما قالت “دكوورث”: “تغيير السلوك أمر صعب للغاية.”

وهذا درس مهم ومشكلة مزمنة للباحثين التجريبيين، فلو كان “BCFG” قد تتبع التأثيرات قصيرة الأجل فقط، لبدت النتائج مختلفة تمامًا. وعلى قادة الأعمال مثل “24 ساعة للياقة” أن يأخذوا في الحُسبان النتائج القصيرة والطويلة الأجل معًا عند اتخاذ قراراتهم الإدارية. ففي معظم الحالات، يكون من الأسهل (وبطبيعة الحال أسرع) قياس النتائج قصيرة الأمد، لكنها ليست بالضرورة دائمة، والأسوأ من ذلك، أنها قد تؤدي إلى إضعاف نتائج طويلة الأمد أكثر قيمة.

في عام 2018م، كانت شركة Uber تفكّر أيضًا في تحدّيات القياس حين كان عليها أن تقرّر ما إذا كانت ستطلق خدمة Uber Express Pool، وهي خدمة مشاركة السيارات. في خدمة Express Pool، ينتظر الركّاب مدة أطول قليلًا ويسيرون مسافة أبعد للوصول إلى وجهاتهم. وفي أثناء الانتظار، تجمع الخوارزمية (algorithm) مجموعة من الركّاب ليتم اصطحابهم من نقاط التقاء معيّنة أُطلق عليها اسم “express”. والنتيجة تجربة مشاركة السيارات قد تستغرق وقتًا أطول، لكنها توفر المال للركّاب.

وقد أُوكلت إلى دنكان غيلكريست (Duncan Gilchrist)، وهو اقتصادي حاصل على درجة الدكتوراه ومدير في فريق علم بيانات التسعير التجريبي للسوق وخدمة الركّاب في Uber، مهمة فهم قيمة خدمة Express Pool. ويشير غيلكريست سريعًا إلى التحدّيات المصاحبة لهذا الأمر. فلو افترضنا، على سبيل المثال، أن Uber أطلقت المنتج الجديد دفعة واحدة دون اختباره أولًا، حتى وإن أصبح المنتج شائعًا، سيكون من الصعب تحديد ما إذا كان يستنزف مستخدمي منتجات Uber الأخرى (مثل Uber X وUber Pool وغيرهما). أما إذا عرضت Uber خدمة Express Pool على نصف ركّاب مدينة بوسطن، فإن النصف الآخر لن يكون مجموعة ضابطة جيدة لهذا الاختبار، إذ إن تجاربهم (بما في ذلك أوقات الانتظار) تتأثر بالطلب الذي يخلقه ركّاب آخرون (بمن فيهم المجموعة الخاضعة للعلاج). وهذا النوع من تأثير الانتشار (spillover effect) شائع في التجارب العلمية.

ولتجنّب تأثيرات الانتشار وفهم كيف ستؤثر خدمة Uber Express Pool على مجموعة خدمات الشركة بأكملها، اختارت Uber مجموعة من الأسواق الكبرى وطرحت المنتج في ست مدن تم اختيارها عشوائيًّا من هذه المجموعة. وبالاستفادة من أدوات التجريب، بما فيها طريقة سمحت لـ Uber باستخدام مزيج مرجّح من مدن أخرى لتشكيل مجموعة ضابطة “اصطناعية” أكثر ملاءمة، استطاع غيلكريست وفريقه استكشاف الطرق التي أثّر بها طرح المنتج على استخدام Uber.

ولم يكن من المستغرب أن خدمة Express Pool أوجدت أنواعًا جديدة من مطابقة الرحلات. إلا أن التجربة أخذت أيضًا في الحسبان تأثير Express Pool على منتجات Uber القائمة، وأوضحت أن إطلاق الخدمة سيكون قرارًا تجاريًّا حصيفًا. ونتيجة لذلك، تمكنت Uber من تقديم خدمة Express Pool بثقة في العديد من أسواقها الرئيسية، ولم يكن لهذه الثقة، ولا للنتائج التي ألهمتها، أن تتحقق دون تجارب واسعة النطاق.

الدرس الرابع:

اسعَ إلى الشفافية.

تجري الشركات عشرات الآلاف من التجارب سنويًّا، تربط نتائجها بسجلات مفصّلة لسلوك المستخدمين وتستخدمها لتشكيل طريقة تفاعل العملاء مع منتجاتها وخدماتها. ومع ذلك، لا يُعرف الكثير عن هذه التجارب علنًا، ويرجع ذلك جزئيًّا إلى المخاوف من أن يشعر العملاء بأنهم مُستغلّون ويغضبون.

تأمّل التجربة واسعة النطاق التي أجرتها شركة Facebook قبل عدة سنوات، والتي هدفت إلى اختبار ما إذا كان الطابع العاطفي للمنشورات يؤثر على مزاج المستخدمين وكيفية ذلك. ولتحقيق ذلك، عدّلت الشركة محتوى التغذية الإخبارية (feeds) لمجموعة مختارة عشوائيًّا من المستخدمين، حيث عرضت لهم منشورات إيجابية أقل من الآخرين. ونشر الباحثون نتائجهم في ورقة علمية خلصت إلى أن “المشاعر التي يعبّر عنها الآخرون على Facebook تؤثر في مشاعرنا، مما يشكل دليلًا تجريبيًّا على انتشار واسع النطاق عبر الشبكات الاجتماعية” (social networks).

كانت التأثيرات على المزاج التي كشفتها التجربة صغيرة، إلا أن النتائج كانت لافتة للنظر، فقد واجهت Facebook رد فعل عنيفًا من مستخدميها الذين ربما لم يكونوا على علم بأنهم منحوا إذنًا ليكونوا جزءًا من تجربة عند تسجيلهم في المنصة، وقد حظيت التجربة أيضًا باهتمام إعلامي كبير، وغالبًا ما كان سلبيًّا.

وبالنظر إلى هذه التجربة، ركّز كثير من الانتقاد على قيام Facebook بإجراء تغييرات في تصميم المنتج مع إدراكها أنها قد تؤثر على المشاعر. لكن الناس لم يكن ينبغي أن يصدمهم ذلك؛ فمن الطبيعي أن تؤثر خيارات Facebook على المشاعر. أما الجزء الأكثر إزعاجًا، بالنسبة للكثيرين، فكان حقيقة أن Facebook كانت تجري تجارب سرية لفهم كيفية تفاعل المستخدمين مع التغييرات في تغذيتهم الإخبارية، وقد بدا الأمر كأنه تجسّس.

وربما ليس من المستغرب أن Facebook لم ترد على رد الفعل العنيف بمحاولة جعل المنصة أكثر سعادة أو حيادية، ما يدل على أن التأثير الإيجابي على المشاعر لم يكن الهدف الرئيس للشركة. ومع ذلك، استجابت الشركة لمخاوف التجربة بطرق أخرى؛ ففي أعقاب الحدث مباشرة، أوقفت بعض أبحاثها الموجهة للجمهور وقلّلت من الإفصاح عن التجارب الداخلية التي تجريها. ومن باب الإنصاف، أنشأت Facebook مجلسًا داخليًّا لأخلاقيات البحث يتكوّن من خمسة موظفين يراجعون مجموعة مختارة من تجارب الشركة (على الرغم من أن عمل المجلس ليس شفافًا تمامًا أيضًا).

ستستفيد Facebook وغيرها من الشركات من زيادة الشفافية حول تجاربها، وبدلًا من إخفاء التجارب (أو دفن الشروحات في اتفاقيات المستخدم التي لا يقرؤها معظم الناس)، ينبغي للشركات وضع عملية شفافة لتوضيح تعاملها مع المنهج التجريبي. ويجب أن تشمل هذه الجهود الأهداف التالية:

ينبغي الإقرار، بشكل عام، بأن الشركة كثيرًا ما تنشئ تجارب لقياس ردود فعل الناس (ونعم، تستفيد من تلك الردود ماليًّا).

تتجلّى قيمة التجارب بالنسبة للشركة وعملائها وسائر الأطراف المعنية في أنها تتيح فهمًا أعمق لاحتياجاتهم وتطلعاتهم، وتسهم في تطوير المنتجات والخدمات بما يحقق منفعة مشتركة.

بقدر الإمكان، ينبغي تشجيع النقاش حول أهداف الشركة التجريبية وطرائقها، بما يرسّخ ثقافة الانفتاح والتعاون بين المعنيين جميعهم.

وعندما يكون ذلك مناسبًا، يجب التحلي بالشفافية في عرض نتائج التجارب، حتى تتضح صورة العملية البحثية للجمهور.

إن التجارب ليست ذات قيمة للشركات فحسب، بل للعملاء أيضًا، إذ إنهم لا يرغبون، على الأغلب، في خدمات رديئة نتيجة قرارات ارتجالية كان بالإمكان تحسينها بالاعتماد على البيانات. وهذا يعني أن على العملاء أن يكونوا منفتحين تجاه التجريب، ما دامت خصوصياتهم وسائر مصالحهم مصونة، وأن على الشركات أن تكفّ عن إحاطة العملية بالسرية والغموض. فالمستهلكون أذكياء: يعلمون أن الشركات تعدّل المنتجات والخدمات وتقيّم ردود أفعالهم. غير أن الشركات يجب أن تلتزم بأعلى معايير الشفافية والأخلاقيات في إجراء التجارب. وإذا كانت الشركات صادقة في عرض أبحاثها، فإنها بذلك تزيل الشكوك، وتحصل على الدعم، وربما تعمّق تفاعل العملاء معها.

نحن في مستهلّ الثورة التجريبية؛ فالكثير من الشركات تجري تجارب، بعضها على نطاق واسع يثير الإعجاب، لكن هذه الشركات لا تزال تتعلم كيفية إجرائها بفعالية. إن اعتماد المنهجية في التجارب واتخاذ القرارات، والتأني في تصميم الاختبارات والنتائج المرجوة، والنظر بعناية في الآثار بعيدة المدى للنتائج، والتحلي بالشفافية مع الأطراف المعنية، كل ذلك من شأنه أن يحقق قيمة لكل من الشركات والعملاء على حد سواء.

المراجع

1. J.O. Eastlack, Jr. and A.G. Rao, “Advertising Experiments at the Campbell Soup Company,” Marketing Science 8, no. 1 (February 1989): 57-71.

2. R. Meyer, “Everything We Know About Facebook’s Secret Mood Manipulation Experiment,” The Atlantic, June 28, 2014, www.theatlantic.com.

3. T. Blake, S. Moshary, K. Sweeney, et al., “Price Salience and Product Choice,” working paper 25186, National Bureau of Economic Research, Cambridge, Massachusetts, October 2018.

4. R. Kaufman, J. Pitchforth, and L. Vermeer, “Democratizing Online Controlled Experiments at Booking.com” (presentation at the MIT Conference on Digital Experimentation, Cambridge, Massachusetts, Oct. 27-28, 2017).

5. D.J. Zhang, H. Dai, L. Dong, et al., “How Do Price Promotions Affect Customer Behavior on Retailing Platforms? Evidence From a Large Randomized Experiment on Alibaba,” Management Science 27, no. 12 (December 2018): 2343-2345.

6. “The Handbook of Experimental Economics,” eds. J.H. Kagel and A.E. Roth (Princeton, New Jersey: Princeton University Press, 1995).

7. More information on Behavior Change for Good’s research and experiments is available at https://bcfg.wharton.upenn.edu.

8. A.D.I. Kramer, J.E. Guillory, and J.T. Hancock, “Experimental Evidence of Massive-Scale Emotional Contagion Through Social Networks,” Proceedings of the National Academy of Sciences 111, no. 24 (June 17, 2014): 8788-8790.

9. Z. Boka, “Facebook’s Research Ethics Board Needs to Stay Far Away From Facebook,” Wired, June 23, 2016, www.wired.com.

i. M. Ostrovsky and M. Schwarz, “Reserve Prices in Internet Advertising Auctions: A Field Experiment,” working paper 2054, Stanford University Graduate School of Business, Stanford, California, November 2016.

ii. T. Blake, C. Nosko, and S. Tadelis, “Consumer Heterogeneity and Paid Search Effectiveness: A Large-Scale Field Experiment,” Econometrica 83, no. 1 (January 2015): 155-174.

iii. N. Bloom, B. Eifert, A. Mahajan, et al., “Does Management Matter? Evidence From India,” working paper 16658, National Bureau of Economic Research, Cambridge, Massachusetts, January 2011.

iv. E.P. Bettinger, B.T. Long, P. Oreopoulos, et al., “The Role of Application Assistance and Information in College Decisions: Results From the H&R Block Fafsa Experiment,” Quarterly Journal of Economics 127, no. 3 (August 2012): 1205-1242.

مقالات ذات صلة