فرانسيسكو كاسترو، جيان جاو، وسيباستيان مارتن
أظهرت أنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدي التي تُحاكي اللغة براعة ملحوظة في مجموعة متنوعة من المهام، وقد تبناها الموظفون لتسريع أعمال الكتابة وتطوير البرمجيات بشكل خاص. إن زيادات الإنتاجية التي تعد بها هذه الأدوات، مثل ChatGPT، تدفع العديد من المديرين إلى دمجها في سير العمل. ومع ذلك، تكشف أبحاثنا أن التحسينات المحتملة في الكفاءة تأتي مصحوبة بجانب سلبي محتمل.
قد يؤدي الاعتماد المفرط على الذكاء الاصطناعي إلى تثبيط الموظفين عن التعبير عن معرفتهم الخاصة وابتكار أفكارهم بأنفسهم، وقد يؤدي أيضًا إلى إنتاج مخرجات متجانسة بشكل متزايد تحد من مزايا تنوع الموظفين. وعلى المدى الطويل، قد يقلل ذلك من الابتكار والأصالة. سيتعين على المديرين الساعين إلى تحقيق الكفاءة عبر نماذج اللغة الكبيرة، أن يساعدوا الموظفين على تحقيق توازن مدروس بين الإنتاجية والإبداع في تعاونهم مع الذكاء الاصطناعي.
المقايضة بين الأصالة والجهد
يقلد المحتوى الذي ينتجه الذكاء الاصطناعي بطلاقة لغوية مثيرة للإعجاب المحتوى الذي ينتجه البشر، لكنه يفتقر عادةً إلى الخيارات الأسلوبية المحددة للمستخدم والتفكير الأصلي، الذي قد يعبر عنه المستخدم بشكل طبيعي عند إنجاز المهمة دون الذكاء الاصطناعي. قد يتطلب مواءمة مخرجات الذكاء الاصطناعي مع نية المخرجات البشرية تكرار وتعديل المطالبات بشكل متواصل، وهو أمر قد يقرر المستخدمون أنه لا يستحق العناء، إذا عدُّوا أن المخرجات الأولية للذكاء الاصطناعي جيدة بما فيه الكفاية. وهكذا، يواجه المستخدمون قرارًا: إما استثمار الوقت في تخصيص اقتراحات الذكاء الاصطناعي التوليدي، لتعكس بشكل تدريجي المزيد من أسلوبهم الفريد ومعرفتهم —وهي عملية قد تستهلك وقتًا إنتاجيًّا— أو الاكتفاء بمسودات أولية أقل من المثالية.
خذ مثلًا حالة فريق من مهندسي البرمجيات يتعاونون في مشروع برمجي واسع النطاق، في أثناء عملهم على قاعدة الشيفرة، سيتخذ كل عضو في الفريق قرارات تتعلق بالبرمجة والتوثيق تتماشى مع المعايير المتفق عليها، لكنها أيضًا مدفوعة بتجربة وتفضيلات كل فرد فيما يخص بنية الكائنات، وتسمية الدوال، وخيارات الاختبار، وما إلى ذلك. تمامًا كما يسعى كُتّاب النثر إلى صياغة عبارات بليغة، يسعى مهندسو البرمجيات إلى تطوير حلول أنيقة وأصلية لمشاكل البرمجة.
عندما تكون الإنتاجية أولوية، تجعل الأدوات المعتمدة على نماذج اللغة الكبيرة مثل GitHub Copilot من السهل توليد مسودة، أو إكمال كتل كبيرة من الشيفرة بسرعة. يمكن أن يوفر هذا الكثير من الوقت؛ نظرًا لأن هذه الأدوات غالبًا ما تكتب شيفرة جيدة ويمكنها تحسين الشيفرة الحالية بسرعة. ومع ذلك، قد لا تعكس المسودة الأولى للذكاء الاصطناعي أفضل الممارسات للفريق أو معرفة وأسلوب المهندس. بينما يمكن للمهندسين تحسين مطالبات الذكاء الاصطناعي، أو تعديل الشيفرة يدويًّا لجعلها أكثر توافقًا مع نواياهم، إلا أن القيام بذلك سيبطئهم. ومع ذلك، فإن الإهمال في القيام بذلك يمكن أن يكون له آثار سلبية على الإنتاجية مستقبلًا: فعندما يحتاج المبرمج لاحقًا إلى العودة إلى الشيفرة لإصلاح خلل أو إجراء تحسينات، قد تكون التكاليف والجهود لمعالجة أي أوجه قصور أعلى بكثير. في الواقع، وجدت الأبحاث أن الأفراد غالبًا ما يواجهون صعوبة في مراجعة وتكييف الشيفرة التي ينتجها الذكاء الاصطناعي، وفي بعض الحالات، قد يكون من الأكثر كفاءة، البدء من الصفر إذا كانت هناك حاجة لإجراء تغييرات.
الخطر الذي يواجهه المديرون نتيجة لذلك، هو أن التركيز المفرط على أهداف الإنتاجية والمواعيد النهائية الصعبة، قد يشجع الموظفين على تجنب بذل جهد إضافي والاكتفاء بمخرجات أكثر عمومية. قد يكون لهذا تداعيات سلبية كبيرة: فقد وجدت دراسة في عام 2023م، أن الأدوات البرمجية المعتمدة على نماذج اللغة الكبيرة، يمكن أن تقلل من جودة الشيفرة وقابليتها للصيانة.
هذا السيناريو يواجهه بالفعل الموظفون الذين يعتمدون على أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي لإنجاز كتاباتهم. لقد جعل دمج الذكاء الاصطناعي مع حزم البرامج المؤسسية من السهل تكليف نماذج اللغة الكبيرة بكتابة الرسائل الإلكترونية، أو توليد التقارير، أو تصميم شرائح العروض التقديمية. في مثل هذه الحالات، يواجه المستخدمون مقايضة مشابهة بين قبول مخرجات قد يرونها أقل من المثالية من حيث الدقة أو الأصالة الكتابية، وبذل جهد إضافي للحصول على نتائج أفضل من الأدوات عبر تحسين المطالبات. من المرجح أن يؤدي عامل ضغط الوقت دورًا كبيرًا في خيارات المستخدمين هذه. لا يوجد هنا مكسب مجاني: فكلما قضى المستخدمون وقتًا أكثر في تحرير المحتوى بأنفسهم أو تحسين المطالبات التكرارية، اقتربت مخرجات الأداة من تفضيلاتهم ومعاييرهم. وإذا اعتادوا قبول المخرجات الأولية للذكاء الاصطناعي، ستتراكم لدى المؤسسة محتوى -أو شيفرة- لا تعكس فعلًا المعرفة والخبرة التي يقدِّر أصحاب العمل من أجلها الموظفين الموهوبين.
في ورقة عمل، قدمنا نموذجًا رياضيًّا بسيطًا مصمَّمًا لإعادة إنشاء وتوضيح الجوانب الرئيسية لتفاعلات الإنسان مع الذكاء الاصطناعي. أدناه، نصف ما يعلّمنا إياه هذا النموذج عن العواقب المحتملة لاعتماد الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع.
تعريض الإبداع للخطر
تشير أبحاثنا إلى أنه مع محاولة الناس تحقيق التوازن بين الحصول على أفضل النتائج، والعمل بأكبر قدر من الكفاءة عند التفاعل مع الذكاء الاصطناعي، غالبًا ما يضيعُ تنوع الأفكار والإبداع. الاعتماد على مخرجات الأداة غير المعدلة، قد يؤدي إلى محتوى أكثر تجانسًا مما قد ينتجه الأفراد البشر. فعلى سبيل المثال، إذا كُتبت جميع رسائل البريد الإلكتروني بواسطة Microsoft Copilot، فمن المرجح أن تبدو جميعها متشابهة. هذا التجانس على نطاق واسع، يمكن أن يعرض أصالة وتنوع الأفكار والمحتوى للخطر، وهما أمران أساسيان للنمو والابتكار.
تتفاقم مشكلة التجانس هذه عندما يُستخدم المحتوى الذي ينتجه الذكاء الاصطناعي لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي اللاحقة. يمكن أن يؤدي الاستخدام العقلاني لهذه التقنية الجديدة وعملية تعلم الذكاء الاصطناعي، إلى خلق حلقة تغذية راجعة، مما قد يؤدي إلى دوامة موت التجانس؛ حيث يفقد المحتوى الذي ينتجه الذكاء الاصطناعي تنوعه. ويتزايد هذا القلق مع دخول المزيد من المحتوى الناتج عن الذكاء الاصطناعي، إلى مجموعات البيانات المستخدمة في تدريب النماذج اللغوية الكبيرة، سواء كان محتوى تنظيميًّا خاصًّا، أو مواد على الإنترنت. إذا أصبح الويب مشبعًا بمحتوى الذكاء الاصطناعي، ودمجنا الذكاء الاصطناعي بشكل متزايد في سير العمل وعمليات إنتاج المحتوى، فسوف يتقلص الإبداع وتنوع أفكارنا بشكل كبير. وقد جادل بعض الباحثين بأن تدريب النماذج اللغوية الكبيرة على محتوى ناتج عن نماذج لغوية أكثر من المحتوى البشري، قد يؤدي حتى إلى انهيار هذه النماذج.
ولكن في هذه المرحلة، وبما أن الذكاء الاصطناعي يمكنه إنتاج الكثير من المحتوى الروتيني بكفاءة، قد يبدو أن فقدان تنوع الأفكار ليس ذا عواقب كبيرة، خاصة بالنظر إلى المكاسب الكبيرة المحتملة في الكفاءة. ومع ذلك، فإن الاعتياد على الاعتماد على مخرجات النماذج اللغوية الكبيرة، قد يكون له آثار بعيدة المدى على الابتكار، الذي يعتمد على الأصالة والإبداع. يجب على المديرين تحقيق التوازن بين التركيز على مكاسب الإنتاجية، وضمان أن تعزز أدوات الذكاء الاصطناعي الأفكار ووجهات النظر المعبر عنها في المنتجات العملية بدلًا من تقييدها.
هناك عدة طرق يمكن للمديرين من خلالها تحقيق فوائد الإنتاجية التي توفرها تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي، مع الحفاظ على الإبداع وتنوع الأفكار. أولاً، يجب عليهم إعادة التفكير في توقعات الإنتاجية. عند تقييم إمكانية استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي لمهمة معينة، يجب على المديرين مراعاة طبيعة ومتطلبات المهمة، ومقدار الإشراف أو التفكير الأصلي المتوقع من الموظفين. في بعض الحالات، قد يحتاج الموظفون إلى وقتٍ أطول لإكمال المهمة باستخدام الذكاء الاصطناعي.
يمكن أن يؤدي تعزيز التفاعلات بين الإنسان والذكاء الاصطناعي، من خلال تمكين المستخدمين من توجيه وتعديل وتصحيح مخرجات النماذج بسهولة، دورًا حاسمًا في نجاحهم. على سبيل المثال، يستخدم التوليد المدعوم بالاسترجاع قواعد معرفية خارجية لتحسين دقة المخرجات. ويجب أن تسهل التدريبات الشاملة في هندسة المطالبات على المستخدمين نقل أفكارهم الخاصة، لتشكيل مخرجات أكثر أصالة من النماذج اللغوية الكبيرة.
تاريخيًّا، أدت التحولات في الأعمال التجارية، مثل الأتمتة والاستعانة بمصادر خارجية، إلى نقل عبء العمل والمهام الروتينية إلى الآلات أو أطراف خارجية. وبدوره، مكّن هذا الشركات من زيادة إنتاجيتها وخفض تكاليفها. وعلى النقيض من ذلك، بينما تعد تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي التوليدي أيضًا بزيادة الإنتاجية وتقليل التكاليف، إلا أنها تؤثر على الأعمال في مجال مختلف: مجال الأفكار والمحتوى والابتكار. يمكن أن يخفف من العبء المعرفي لدينا في مهام مثل صياغة الوثائق الروتينية، أو تحليل التقارير الطويلة. ومع ذلك، كما أشرنا أعلاه، هناك مخاطر في تفويض الكثير من تفكيرنا الأصلي أو النقدي. نحن نشجع على استخدام الذكاء الاصطناعي مساعدًا يثري حياتنا وعملنا، بدلًا من أن يكون بديلًا يقلل من ثراء فرديتنا وتنوع أفكارنا.
وللتخفيف من هذه المخاوف، من الضروري أن يقود القادة فرقهم لاستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي بطريقة مدروسة. يجب على المديرين تشجيع موظفيهم على التعبير بصدق عن وجهات نظرهم المميزة، والمساهمة بنشاط في إبداع الشركة. لن يضمن ذلك فقط استخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي بشكل أفضل لتحقيق مكاسب الكفاءة مع الحفاظ على الأصالة، بل سيحمي أيضًا من المخاطر المحتملة لثقافة متجانسة متأثرة بالذكاء الاصطناعي. إن تنمية علاقة متوازنة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي، حيث يكمل كل طرف الآخر بشكل متبادل، سيكون أمرًا محوريًّا في مواجهة المشهد المتطور للإنتاج والإبداع المدفوعين بالذكاء الاصطناعي داخل أعمالنا.
عن المؤلفين
فرانسيسكو كاسترو: هو أستاذ مساعد في قرارات الإدارة والعمليات وإدارة التكنولوجيا، في كلية أندرسون للإدارة بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس. جيان جاو: هو باحث دكتوراه في كلية أندرسون بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس. سيباستيان مارتن: هو أستاذ مساعد في العمليات في كلية كيلوغ للإدارة بجامعة نورث وسترن.
