بول ج. كامباس
إن الابتكار المستمر، سواء في المنتجات أو العمليات التجارية أو كليهما، ضرورة لا غنى عنها لنجاح أي شركة في صناعة تنافسية. وفي الصناعات التي تقودها التكنولوجيا، إذ تبلغ التقنيات الأساسية مرحلة النضج ويتكاثر الزبائن من التيار الرئيس، ينتقل مصدر القيمة الرئيس للزبون حتمًا من ابتكار المنتج إلى ابتكار الأعمال، الذي يركّز على العمليات (تطوير المنتج أو التوريد أو التصنيع أو البيع أو التوزيع أو الخدمات) والتسويق (الشراكة أو التقسيم أو التموقع أو التغليف أو بناء العلامة التجارية). ولتلبية احتياجات الزبائن المتغيرة، يجب على الشركات التقنية أن تُحدث تحوّلًا مماثلًا في كفاءاتها. غير أن المحاولات لتحقيق ذلك من خلال تغيير الاستراتيجية أو الهيكل أو العمليات أو المكافآت دون تغيير الافتراضات الثقافية الجوهرية للشركة غالبًا ما تبوء بالفشل؛ إذ إن الثقافة ترسم بقوة كفاءات الشركة وجمودها على السواء.
فإذا ما توافقت الثقافة مع حاجات السوق، أمكنها أن ترفع أداء المنظمة إلى أعلى المستويات، ولكن إذا تغير السوق تغيرًا جوهريًّا، فقد يتعيّن على الثقافة أن تتغير أيضًا. وكثير من كبار المديرين يتجنبون معالجة التحول الثقافي لصعوبة قياس الثقافة وخفائها ومقاومتها الشديدة للحلول السريعة. غير أن بطء وصعوبة التغيير الثقافي هو بالذات ما يجعل انتظار الأزمة لإطلاق هذا التغيير وصفة للهلاك. فانظر إلى مثال شركة ديجيتال إكويبمنت كوربوريشن (DEC)، التي تفوقت في ابتكار المنتجات وكانت رائدة في الصناعة سنوات عديدة، لكنها عثرت وسقطت حين أصبحت الأجهزة سلعة وأضحى ابتكار الأعمال هو القوة الدافعة. وتحليل حالة DEC يوضح بقوة أن ابتكار المنتج وابتكار الأعمال يتطلبان ميولًا ثقافية مختلفة تمامًا، ويقترح نموذجًا يعين القادة على توجيه شركاتهم خلال الانتقال الصعب من أحدهما إلى الآخر.
كيف تشكّل الثقافة الشركة
“يمكنكم أن تثقوا بأن خطتنا كانت مثالية، لكن افتراضاتنا كانت خطأ”. كين أولسن، 1991م (مؤسس ورئيس DEC لمدة 35 عامًا) وكما أن الحمض النووي البيولوجي لكل شخص يشكّل كفاءاته، فإن “الحمض النووي الثقافي” للشركة -أي الافتراضات والمعتقدات والقيم الفردية والجماعية لموظفيها- يشكّل كفاءات المنظمة. وعندما تُؤسس شركة جديدة، يحمل المؤسسون معهم افتراضات من تجاربهم السابقة حول ما يتطلبه النجاح في السوق. وهذه الافتراضات تختبر وتعدل ربما في أثناء سعي الشركة لتطوير المنتجات وتقديمها. فإذا تحقق النجاح، تثبت صحة هذه الافتراضات وتصبح مقبولة عمومًا. ويصبح الموظفون على جميع المستويات مطبوعين بهذه الافتراضات حتى تتجه تصوراتهم وأحكامهم من غير وعي نحو رؤية معينة للعالم ومسارات عمل محددة.
السياق الخارجي
لكل شركة سياق خارجي من الزبائن والمنافسين والشركاء والموردين والتقنيات والتنظيمات. ويتوقف النجاح على القدرة على تقديم قيمة أكبر أو أسعار أقل للزبائن مقارنة بالمنافسين. وتغيّر السياق الخارجي للشركة -أي تغير ما يقدّره الزبائن مع نضوج الصناعة- يوجب على الشركة أن تتكيف أو تواجه الفناء.
الشركة الظاهرة (الخارجية)
تركّز الشركة الظاهرة على التنفيذ والنتائج. وتوجد الأنشطة التي تدر الإيرادات (الهندسة، الإنتاج، التسويق، البيع، الخدمة) في المنظمة الظاهرة. ومن نتائج تلك الأنشطة: الإيرادات، والنمو، والربح، وحصة السوق، وتقييم الشركة، ورضا الزبائن. وتؤثر الافتراضات الثقافية في الشركة الباطنة بعمق في جودة التنفيذ والنتائج في الشركة الظاهرة، غير أن الطبيعة المراوغة للثقافة تجعل من الصعب على المديرين تشخيص العلاقة السببية بين تلك الافتراضات والنتائج.
الشركة الوسطى
تتكوّن الشركة الوسطى من آليات التحفيز والتنسيق والضبط في المنظمة. وتعلن الشركة رؤيتها لتبعث الحماسة والإلهام في موظفيها على مستوى عميق من العاطفة. وتغرس الدافعية عبر منوعات من المحفزات، منها المال والأمان والإنجاز والإتقان. وتوحّد جهودها وتواجهها عبر إنشاء البنية التحتية ووسائل التوجيه المتنوعة، كصياغة الاستراتيجية، وتحديد الأدوار، ووضع الأهداف، وتوزيع الموارد.
الشركة الباطنة (الداخلية)
تسكن الافتراضات الثقافية في أعمق طبقات المنظمة. وهي تشكّل الشيفرة الضمنية التي تحدد كيفية عمل الشركة الوسطى والشركة الظاهرة. ويمكن أن يكون فهم مصادر الحمض النووي الثقافي معينًا في فهم ثقافة الشركة وما قد يلزم لتغييرها. فعلى سبيل المثال، في حالة DEC، فإن الوعي بجذور مؤسسيها الثقافية المرتكزة على ابتكار المنتج يساعد على فهم تفضيلها للمنتجات والعملاء المتقدمين وازدرائها للمنتجات السلعية والتسويق الجماهيري.
غالبًا ما يُعزى ما يطرأ من مشكلات استراتيجية في الشركة الوسطى ومشكلات التنفيذ في الشركة الخارجية إلى عدم الاتساق بين الافتراضات الثقافية الراسخة في الشركة الداخلية، والظروف الخارجية المتغيرة. فالشركات ملزمة بأن تتشارك في التطور مع تلك الظروف على نحوٍ يشبه ما عليه الكائنات الحية في الطبيعة، إذ تتطور لتظل قادرة على المنافسة في المنظومة البيئية؛ فالتغيرات العفوية تخلق تنوعًا جينيًّا، ولا يبقى ويتكاثر إلا ما كان من هذه التغيرات أصلح وأقوى. وفي عالم الأعمال، تمثل الشركات الناشئة ضربًا من التغير الطبيعي العفوي، إذ تدخل إلى الصناعة المتطورة أنواعٌ جديدة من “الحمض النووي الثقافي”. أما الشركات القائمة، فإن تعديل “حمضها النووي الثقافي” لتتكيف مع المتغيرات، هو تحدٍّ جسيم.
تطور الصناعات التقنية العالية على نهج متوقع
ولحسن الحظ، فإن الصناعات التي تقودها التقنية لا تنمو على نحوٍ عشوائي لا يمكن التنبؤ به، بل تمر عادة بثلاث مراحل متمايزة. وإن فهم الفروق في ديناميات السوق والصناعة عبر تلك المراحل، ليعين الشركة التقنية على استشراف التحولات التي سيقتضيها نضوج صناعتها والاستعداد لها.
مرحلة النشوء
تبدأ مرحلة النشوء مع ظهور تقنية جديدة، وتكون فترة ندرة في وظائف المنتج وقلة في المناهج المعيارية. يكون البائعون في موقف أقوى من المشترين، إذ قد يصبح المنتج سريع التقادم، وتكون كلفة انتقال العملاء إلى المنافسين مرتفعة. ويُعزى نجاح البائعين في السوق أساسًا إلى ابتكار المنتج المتولد عن التقنية الحصرية. ولأن المنتجات غالبًا ما تكون مكلفة، وغير موثوقة، وصعبة التركيب والتشغيل، فإن العملاء في معظمهم من أوائل المتبنين المتمرسين، القادرين على تحمل تلك التحديات في سبيل الحصول على القدرات المتقدمة. ومثال ذلك الحواسيب الأولى من “آي بي إم” و”يونيڤاك”، التي كانت باهظة الثمن، ذات بنى معمارية حصرية، وتستلزم من العملاء جهدًا برمجيًّا عظيمًا.
مرحلة التحول
ومع تطور التقنية، يظهر منتج تتوافر فيه خصائص تنال استحسان السوق على نطاق واسع، فتبدأ بذلك مرحلة التحول، حيث يغدو النهج الناجح هو التصميم السائد. وقد ينبثق التصميم السائد ببطء أو بسرعة، بحسب ديناميات العمل، ومنها طبيعة تكوين المعايير، أكانت مفروضة من الحكومة أم مختارة من السوق. وقد شكّل بزوغ الحواسيب الشخصية المعيارية ميسورة الثمن، والمتصلة بخوادم مضيفة في مطلع ثمانينيات القرن العشرين، فجر التصميم السائد في الحوسبة.
مرحلة التسلع
ومتى ما حظي التصميم السائد بقبول عام، تبدأ مرحلة التسلع. وتقل أهمية ابتكار المنتج، إذ وجدت السوق نهجًا يرضيها ولا ترغب في تغييره جذريًّا. ويمثل ذلك ثورة في سلوك الشراء لدى العملاء؛ إذ تغدو وظائف المنتج والأداء الموثوق متاحة بوفرة، في حين يتضاءل تميز البائعين. فإذا لم يكن ثمة احتكار من البائعين، صار المشترون هم أصحاب اليد العليا. وعليه، تزداد أهمية الابتكار التجاري الذي يخدم المشترين، فيسهم في تقليل التكاليف، وزيادة الموثوقية، وسهولة الاستخدام والجودة. ومثال ذلك ظهور الإنترنت وقبوله الواسع، ثم الشبكة العالمية بوصفها معيارًا للربط الشبكي، ما حدّ من فرص ابتكار المنتج الثوري، إذ استثمر العملاء أموالًا طائلة في هذا النهج ولا يرغبون في جعله متقادمًا.
وقد تؤخر الاحتكارات وبراءات الاختراع وحقوق النشر أو تمنع التسلع الكامل عبر تقييد المنافسة، ما يحد من بروز خيارات المشترين ونفوذهم على البائعين. فعلى سبيل المثال، لا تزال “مايكروسوفت” تمارس سلطة هائلة على موزعيها وشركائها ومستخدميها النهائيين بسبب احتكارها أنظمة تشغيل الحواسيب الشخصية. ويبرز نظام “لينكس” مفتوح المصدر كمرشح لكسر ذلك الاحتكار. أما في صناعة الأدوية، فإن براءات اختراع الأدوية تخلق احتكارات تمكن المصنعين من فرض أسعار مرتفعة وتأخير التسلع حتى انتهاء مدة البراءة. وفي صناعة الترفيه، تحوُّل حقوق النشر على الموسيقا والأفلام دون حدوث تسلع على غرار “نابستر”.
وللنجاح في الانتقال من مرحلة النشوء إلى مرحلة التسلع، يتعين على البائعين الراسخين التكيف مع تحولين جوهريين، هما: تحول ما يقدّره العملاء من قيمة، وتحول قوة تفاوض العملاء. ويتطلب التكيف مع هذين التحولين من الشركات أن تغيّر ممارساتها وكفاءاتها، ومن ثم تحيزاتها الثقافية.
تحدي التغيير الثقافي الحتمي
“اختبار الذكاء من الدرجة الأولى هو القدرة على الاحتفاظ بفكرتين متعارضتين في الذهن في آن واحد، مع الاستمرار في القدرة على العمل”. – ف. سكوت فيتزجيرالد
إن الحمض النووي الذي ينشئ الانحياز الثقافي يتكوّن من عدد من “الجينات” أو الافتراضات الجوهرية التي تدفع السلوكات في قلب الشركة وأطرافها. فعُدَّ نموذجًا من ستة جينات، كل جين منها يُعرَّف بجواب المنظمة عن سؤال أساسي مذكور هنا؛ الجوابان الأول والثاني يحددان الافتراضات “الوراثية” للمنظمة حول التنفيذ والنتائج، والجوابان الثالث والرابع يلوِّنان رؤيتها الجوهرية حول التوجيه والبنية التحتية، أما الجوابان الخامس والسادس فيدلان على الفكر الجوهري حول الرؤية والدافع. وفي ثقافة ابتكار المنتج، تكون الأجوبة عن كل سؤال مختلفة تمامًا عن تلك في ثقافة الابتكار التجاري.
ما جوهر المنتج الفائز؟ في الشركات المبتكرة للمنتجات، المنتجات الفائزة هي الأكثر حداثة وتبيع نفسها بنفسها؛ أما في الشركات المبتكرة تجاريًّا، فالمنتجات الفائزة موثوقة، معقولة السعر، وقادرة على إبراز علامة تجارية قوية.
من ينبغي أن يحدد المنتجات الجديدة؟ في شركات ابتكار المنتج، يحدد المهندسون المنتجات الجديدة؛ وفي شركات الابتكار التجاري، يحددها العملاء.
ما الذي يحتاج إليه الموظفون للأداء الجيد؟ يشجع المبتكرون في المنتجات الاستقلالية والنقاش بين الموظفين؛ أما المبتكرون تجاريًّا فيؤكدون التعاون والعمليات الرشيقة.
ما الذي يميز القيادة الجيدة؟ في شركات ابتكار المنتج، القيادة أبوية، ومتسامحة، ومركزة إلى الداخل؛ وفي شركات الابتكار التجاري، القيادة منضبطة، ومهنية، ومركزة إلى الخارج.
ما أصل النجاح؟ في شركات ابتكار المنتج، النجاح هو العبقرية التقنية والرؤية؛ وفي شركات الابتكار التجاري، النجاح في إبرام الصفقات بقوة.
ما الذي نسعى إليه؟ الشركات ذات الانحياز نحو ابتكار المنتج تسعى لتغيير العالم، أما الشركات ذات الانحياز نحو الابتكار التجاري فتسعى إلى حصة سوقية استثنائية، ونمو، وأرباح، وتقييم عالٍ.
وبالنظر إلى هذه المجموعات المتناقضة ظاهريًّا من الافتراضات، فلا عجب أن يجد التنفيذيون صعوبة في الانتقال من انحياز ثقافي قوي نحو ابتكار المنتج إلى آخر قوي نحو الابتكار التجاري.
الانحياز الثقافي نحو ابتكار المنتج
الاستعداد الوراثي لشركة ابتكار المنتج، كما تدل عليه الأسئلة والأجوبة السابقة، يميل إلى التركيز على الهندسة الخارقة (للتنفيذ والنتائج)، وعقلية العشيرة الإبداعية (للتوجيه والبنية التحتية)، وريادة الأعمال ذات الرؤية (لرؤية الشركة ودافعها). وهذه الثقافة أصلح لمرحلة الإنشاء؛ إذ ترعى ابتكار المنتج وتستغل قوة البائع.
توجه الهندسة الخارقة
في شركات ابتكار المنتج، هناك إيمان راسخ بأن المهندسين هم الأحق بتحديد المنتجات الجديدة لأنهم الأعلم بالإمكانات التقنية. وترى هذه الشركات أن المنتج الفائز هو المبتكر، والحديث، وذو السعر المرتفع، والقادر على بيع نفسه بنفسه. وعليه، في المراحل الأولى لدورة حياة التقنية، يحدد مهندسو التصميم المنتجات الجديدة بمساهمة خارجية من قلة من المستخدمين الأوائل ذوي الخبرة التقنية، وغالبًا ما يكونون مهندسين أو علماء. (في شركة DEC، كانت جمعية مستخدمي DEC – DECUS – تؤدي هذا الدور، إذ تجمع المستخدمين الرياديين بمهندسي الشركة لمناقشة القضايا التقنية والفرص). وبما أن وظائف المنتج نادرة، فلا يدفع الثمن المرتفع إلا العملاء المتقدمون تقنيًّا، إذ يعني لهم استخدام التصاميم المتطورة ميزة في القدرات أو التكاليف في أعمالهم. ولا يكون التسويق مهمًّا في هذه المرحلة؛ إذ غالبًا ما يقتصر البيع على حديث مباشر بين مهندس المبيعات ومهندس العميل.
توجه العشيرة الإبداعية
تؤمن شركات ابتكار المنتج بأن القيادة الجيدة أبوية، ومتسامحة، ومركزة إلى الداخل، وأن الموظفين بحاجة إلى الاستقلالية والنقاش الصحي والمسؤولية الشخصية لتحقيق نتائج باهرة. ولأن معادلة المنتج المثالي غير مفهومة في مرحلة الإنشاء، فلا بد من كثير من التجريب الذاتي، والإبداع، والنقاش، والمخاطرة، لإنتاج تنوع من المفاهيم تأمل الشركات أن يؤدي إلى اكتشاف التصميم المهيمن. ويحتاج الموظفون إلى المخاطرة لتحقيق مستويات عالية من ابتكار المنتج، لذا تُقبل الإخفاقات ويغفرها القادة بوصفها جزءًا لا مفر منه من التجريب. ويمكن لهذا التوجه الأبوي المتسامح والمتمركز داخليًّا أن يخلق شعورًا عائليًّا يصعب معه تقليص العمالة أو الاستعانة بمصادر خارجية في مرحلة تسليع المنتج. ففي DEC، قاوم المؤسس كين أولسن تسريح الموظفين إلى ما بعد ما كانت تقتضيه الحقائق المالية، ما صعَّب على خليفته الانتقال إلى منظمة رشيقة.
توجه الرؤية الريادية
الشركات ذات الرؤية الريادية تسعى لتغيير العالم. وهي تؤمن بأن العبقرية التقنية وابتكار المنتج هما أصل النجاح وأن المال يتبع ذلك. وفي قلب كثير من الشركات الناشئة التقنية مؤسس مثالي شغوف، عبقري تقني ذو فكرة مبتكرة لمنتج يمكن أن يقدم قدرة لم تكن متاحة من قبل، بل ربما لم تكن متصورة. فإذا قبلت السوق الفكرة، سيسارع المستخدمون الأوائل إلى أبواب الشركة الناشئة ويدفعون أثمانًا مرتفعة لقاء الحصول على هذه القدرة.
التحيّز الثقافي نحو الابتكار التجاري
إنّ الاستعداد الوراثي لشركة الابتكار التجاري يتّسم بعقلية تسويق السلع (للتنفيذ والنتائج)، وتركيز على العمليات الرشيقة (للتوجيه والبنية التحتية)، وتوجّه تجاري هجومي (لرؤية الشركة ودافعها). وهذا التوجّه أنسب لمرحلة تَسْلِيع المنتجات؛ إذ يُغذي الابتكار التجاري ويحتضن قوة الزبون.
توجّه تسويق السلع:
في مرحلة تسليع المنتجات، تكون وظائف المنتج ومعاييره واضحة. وتعتقد شركات الابتكار التجاري أنّ الزبائن، لا المهندسين، هم الأقدر على تحديد مواصفات المنتجات الجديدة. فالزبائن يمتلكون معرفة واسعة بالمنتجات ولديهم خيارات متعددة من الباعة، لذا يكون لهم تأثير أكبر في تحديد القيمة. والسوق يُهيمن عليها زبائن غير تقنيين ذوو احتياجات سائدة، لذا تركز شركات الابتكار التجاري أقل على القدرات المتقدمة وأكثر على السعر وسهولة الاستخدام والسلامة والاعتمادية. كما تصبح تصاميم المنتج وتغليفه وعلامته التجارية عناصر تمييز مهمة.
توجّه العمليات الرشيقة:
إن إنتاج منتجات منخفضة التكلفة وعالية الجودة في مرحلة التسليع يتطلب مخزونات منخفضة وتنسيقًا محكمًا ومعايير ومقاييس واضحة. وتتبنى شركات الابتكار التجاري الرأي القائل إنّ كل شيء يدور حول بنية العمليات التحتية، ويمتد ذلك إلى الموردين والموزعين أيضًا. ومن هنا يكون التحيّز نحو القيادة المهنية المنضبطة ذات التوجه الخارجي، والعمليات الرشيقة، وتعاون الموظفين ومحاسبتهم.
توجّه الأعمال الهجومي:
تركز شركات الابتكار التجاري عادة على ابتكار العمليات والتسويق كمصادر جذرية للنجاح. وفي مرحلة التسليع، بعد ظهور تصميم مهيمن، تكون المنتجات موحدة إلى حد معقول ومفهومة ومحبوبة ومعتمدة. ولا يرغب الزبائن في أن يجري الباعة تغييرات كبيرة، بل يطلبون الأسعار المنخفضة والجودة العليا والخدمة الفُضلى التي ترافق الابتكار التجاري.
ومما لا شك فيه أن التحيزين الثقافيين مختلفان تمامًا؛ فثقافة الابتكار المنتجية حالمة، رؤيوية، غير رسمية، متحررة، مبتكرة، بل حتى متغطرسة. القواعد قليلة، والسوق مفتوحة على مصراعيها، والمنافسون يلهثون خلف الشركة. أما ثقافة الابتكار التجاري فهي أكثر انضباطًا وتنظيمًا وارتكازًا إلى العمليات، قائمة على المحاسبة والتدرج. البنية التحتية، وقابلية التنبؤ، والعلاقات التعاونية هي الأهم. وما يجعل الشركة ناجحة قبل ظهور التصميم المهيمن قد يجعلها نفسها غير ناجحة بعده.
كذلك، فإن شركات الباعة في هذه المرحلة غالبًا ما تكون مطروحة للتداول العام، ولديها مطالب من المستثمرين بنمو وربحية مستمرين. ولأن تحقيق هذه الأهداف يصبح أصعب مع نضوج التقنية، تلجأ شركات الابتكار التجاري غالبًا إلى صفقات هجومية، تشمل الاندماجات والاستحواذات، لتحقق ميزة على الموردين والزبائن والمنافسين.
التحيّز الثقافي المناسب للموقف:
في الصناعات المدفوعة بالتقنية، يتغير المزيج اللازم من ابتكار المنتج والابتكار التجاري مع مرور الزمن.. ويشمل المزيج خمس فئات من الابتكار، هي: المنتج الأساسي، والعوامل البشرية، والتصميم والتغليف، والتسويق، والعملية الأساسية. ولدعم تطور مزيج الابتكار، يجب أن يتطور كذلك المزيج الأمثل من التحيز الثقافي. فكلما كانت ثقافة الشركة أكثر ملاءمة لمرحلة الخلق، كانت أقل ملاءمة لمرحلة التسليع. وكانت شركة DEC متفوقة للغاية في مرحلة الخلق، لكنها تعثرت بشدة عندما ظهر التصميم المهيمن (الحواسيب الشخصية والحوسبة العميل-الخادم). ومن العوامل الرئيسة في تعثرها عجزها عن تجاوز خصائص مرحلة الخلق من المنتجات الحصرية والعمليات مرتفعة التكلفة (بدل العمليات الرشيقة).
أما الشركات التي تزدهر اعتمادًا -شبه حصري- على ابتكار المنتج، فعادة ما يكون لديها زبائن انتقائيون للغاية وعمليات منخفضة الحجم. وتشمل هذه الشركات: الشركات الناشئة التقنية العالية، والمختبرات البحثية، ومراكز التفكير، والحرفيين المهرة. وعلى الطرف الآخر من الطيف الثقافي، هناك شركات الخدمات اللوجستية والتوزيع التي تزدهر بالابتكار التجاري وحده (وخاصة تقنية العمليات)، مثل FedEx وSouthwest Airlines وWal-Mart.
وبما أن الصناعة تحتاج إلى سنوات عديدة لتصل إلى تسليع كامل، فإن أنجح الشركات هي التي تجد سبيلًا لتطوير ثقافات هجينة توازن بين ابتكار المنتج والابتكار التجاري، رغم ما بين الثقافتين من تناقضات جوهرية. (وإذا كانت للشركة خطوط منتجات متعددة في مراحل مختلفة من النضج التقني، وجب أن يتعايش التحيزان الثقافيان بنجاح، وربما عبر الفصل بين الأقسام).
الشركات الهجينة التي يغلب عليها ابتكار المنتج تقدّم منتجات وخدمات عالية القيمة، غير سلعية، بحجم معقول من الإنتاج. ومن أمثلة ذلك مصنّعو المعدات المتطورة (كشركة بوينغ وشركات الحواسيب المركزية في بداياتها) ومكاتب العمارة. أما الشركات الهجينة التي يغلب عليها الابتكار في الأعمال، فهي الشركات المنتجة بكميات كبيرة لسلع المستهلكين كمواد التجميل أو الحواسيب الشخصية، والسيارات الموجّهة للسوق العامة وتجار التجزئة الراقين. وإن صانعي السيارات ومستحضرات التجميل قد يقدّمون ابتكارات تدريجية في المنتج الأساسي، لكنهم يعتمدون غالبًا على التصميم والتغليف والتسويق والجودة والتكلفة لتحقيق ميزة تنافسية. ومثال ذلك سيارات الدفع الرباعي الرائجة، التي إنما هي ابتكار في التغليف مبني على تكنولوجيا المنتج الأساسي القائمة، وكذلك مركبات تويوتا التي بُني نجاحها على مستويات عالية من الجودة والاعتمادية بسعر ميسور.
ويمكن للثقافات الهجينة أن تسعى إلى تعظيم ابتكار في المنتج والأعمال معًا بالتوجه نحو الزاوية العليا اليمنى من المشهد (أي الميل العالي للابتكار المنتج، والميل العالي للابتكار في الأعمال)، غير أن الإفراط في الصراع بين هذين الميلين قد يعوق النجاح. ومن أمثلة الصعوبات في صناعة الطيران شركات النقل الجوي ذات التكلفة والخدمة العاليتين، كخطوط كونتيننتال الجوية، التي حاولت وفشلت في منافسة خطوط ساوثويست الجوية في ميدان الخدمة المنخفضة والتكلفة المنخفضة. ومثال آخر على الصراع الثقافي الكامن يُرى في قطاع التجزئة، حيث انتقلت بنية الصناعة إلى المتاجر الراقية عالية القيمة وتجار التخفيضات منخفضي الأسعار، في حين تكافح شركات كـ”سيرز” في الوسط. ولتطوير البعدين الثقافيين معًا، ينبغي أن تُفصل الكفاءات في ابتكار المنتج والابتكار في الأعمال تنظيميًّا في ثقافات فرعية مترابطة. وتلك واحدة من التحديات التي تواجهها شركة هيوليت-باكارد اليوم، إذ تملك تنوعًا في المنتجات أكثر من أي وقت مضى منذ استحواذها على “كومباك”.
تنسيق التحول في الميل الثقافي
حينما تنتقل الصناعة من طور النشأة إلى طور التحول إلى سلعة، يكون من المثالي أن يتم التوازن بين التركيز على ابتكار المنتج والابتكار في الأعمال بسلاسة ويسر. غير أن الواقع أن الطريق نادرًا ما يكون كذلك، إذ كثيرًا ما يضطر التنفيذيون إلى إحداث صدمات قوية لإخراج المديرين من مسارات مريحة أضحت أخاديد معطلة. وإن لم يضطلع التنفيذيون بهذه المهمة، فإن المنافسين والعملاء سيفعلون ذلك.
وإن تنسيق تكوين الثقافة وتغييرها يتطلب شجاعة وبصيرة من القادة، ولحسن الحظ، فإن الأساليب المجربة متاحة.
البدء بثقافة هجينة
إن إنشاء ثقافة نقية للابتكار المنتج له مزايا مبدئية، غير أن احتمال تحولها بنجاح إلى ثقافة ابتكار في الأعمال لاحقًا ضعيف. وينبغي للثقافة الهجينة أن تبدأ بتركيز قوي على ابتكار المنتج (ما لم تكن التقنية المستهدفة قد دخلت بالفعل مرحلة التحول أو السلعية)، مع وجود جينات الابتكار في الأعمال. وقد يجد رواد الأعمال في الشركات الناشئة صعوبة في تحقيق ذلك، لكن المستثمرين ذوي الخبرة يستطيعون تقديم الإرشاد اللازم. ومن الأهمية بمكان في مرحلة النشأة تجنّب زرع افتراضات سلبية أو نخبوية شديدة الاستقطاب حول ابتكار المنتج، تهوّن من شأن افتراضات الابتكار في الأعمال وتخلق مقاومة لها. (تأمل الاعتقاد الذي كان سائدًا في DEC بأن المنتجات البسيطة سهلة الاستخدام، المعتمِدة على مواصفات عامة وذات تكلفة منخفضة ليست سوى ألعاب). ومن الشركات التي بدأت بثقافة هجينة ونجحت في تجاوز تحولات الصناعة شركة IBM؛ إذ كانت تملك قبل ظهور التصميم الغالب كفاءات كبيرة في التسويق (مثل قوة المبيعات الشهيرة) وفي العمليات التجارية (قسم الخدمات الفيدرالية، الذي سبق خدمة الأعمال الإلكترونية الناجحة). أما الشركات القائمة التي تطرح تقنيات جديدة، فالتحدي أمامها معاكس؛ إذ ينبغي تجريد معظم جينات الابتكار في الأعمال، وترك جينات ابتكار المنتج تهيمن، وذلك أنجح ما يكون بإنشاء قسم منفصل.
التغيير بصدمات قوية
لأن الموظفين يتمسكون لا شعوريًّا ببعض الافتراضات بعد سنوات من النجاح، فإن إيقاظهم ومديريهم يتطلب عادة صدمة قوية. وللأسف، كثيرًا ما تكون تلك الصدمة تجربة قريبة من الموت تفرضها ظروف خارجية، حيث تنحدر الشركة إلى شفا الكارثة، كما حدث لشركة بورشه في أوائل التسعينيات. والأفضل أن تكون الصدمة داخلية يقودها التنفيذيون أو مجلس الإدارة وتُنفّذ استباقًا للتغيير لا استجابة متأخرة له.
ومن الأساليب الفاعلة لإحداث صدمة نحو ميل الابتكار في الأعمال زيارة شركة رائدة في الإنتاج الرشيق؛ فكثير من التنفيذيين لا يدركون تمامًا مدى ضعف كفاءة عملياتهم حتى يروا ويختبروا عمليات منافس عالمي من الطراز الأول. وكان ذلك يتطلب في وقت مضى السفر إلى اليابان، أما اليوم فمثل هذه العمليات متاحة في كل مكان. وقد استُخدم هذا الأسلوب لإحداث صدمة في بورشه؛ إذ كان من أوائل مبادرات الرئيس التنفيذي فيندلين فيديكينج إرسال كبار مديري الشركة في جولة بين مصنّعي السيارات اليابانيين.
إنشاء الثقافات الفرعية المترابطة
إذا تجاوز عدد موظفي الشركة بضع مئات، فإن الثقافات الفرعية ستنشأ بحكم التخصص الوظيفي واتساع العمليات عبر الأقطار. وتظهر الثقافات الفرعية أيضًا إذا طورت الشركة خطوط إنتاج متعددة قائمة على تقنيات في مراحل متفاوتة من النضج. وعلى القادة أن يُقِرّوا بالحاجة إلى الثقافات الفرعية، وأن يتأملوا بعناية في التوازن بين الاستقلالية والاندماج بما يحقق المصلحة العليا للشركة بأسرها. فعلى سبيل المثال، إن قسم البحث العالمي في شركة آي بي إم له ثقافة تختلف اختلافًا بينًا عن ثقافة قسم المبيعات، غير أن بينهما رابطًا يتمثل في مقاييس تحقيق الميزة التنافسية، ونجاح نقل التقنية، وإمكانات الإيرادات المستقبلية من العملاء. أما في شركة دي إي سي، فقد كان من أبرز إخفاقات أولسن في أوائل الثمانينيات امتناعه عن التقسيم الإداري، ما حال دون تطوير الثقافات الفرعية شبه المستقلة اللازمة لتغطية مجموعة منتجات وخدمات الشركة الواسعة.
استبدال المؤسسين
إن رواد الأعمال غالبًا ما ينجحون لفرط إيمانهم برؤيتهم. غير أنه إذا نضجت السوق وتعَيّن تعديل الفرضيات، فقد يتحول الإيمان الجامح إلى مقاومة جامحة للتغيير. وقد يصبح من اللازم حينئذٍ استبدال المؤسس وسائر صانعي الثقافة الأوائل بقادة ذوي انضباط وميول للابتكار في الأعمال. وقد يكون هؤلاء من خارج الشركة ممن لهم خبرة في الأعمال الكبرى والمنتجات السلعية. أو يكونون من القادة الداخليين للثقافات الفرعية الذين أحسنوا التكيف مع السياق الخارجي المتغير. وربما كان أحدهم يتولى إدارة قسم نجح في تطبيق العمليات الرشيقة أو بناء قنوات التسويق السلعية. ومع أن مؤسس شركة آبل ستيف جوبز يبدو استثناءً جزئيًّا لهذه القاعدة، فإن آفاق الشركة على المدى البعيد، ما لم تستحوذ عليها شركة كبرى كـ”سوني” مثلًا (وهو أمر يكاد جوبز يمنعه لما جبل عليه من نزعة إبداعية عشائرية منغلقة)، ليست زاهرة.
استخدام الإغراء التقني
ومن الوسائل النافعة لتغيير التحيز الثقافي إدخال نظم معلومات تفرض تحولًا في الثقافة. فانظر إلى كيف أن الشركات الاستشارية الكبرى أنشأت أنظمة إدارة معرفة مركزية ومقاييس تشجع المستشارين على مشاركة الملكية الفكرية القيمة مع زملائهم ومكافأتهم على ذلك. وبالمثل، فإن شركتي “وول مارت” و”ديل” تدفعان عجلة التغيير الثقافي من خلال تنفيذ وتعزيز نظم إدارة سلاسل التوريد المتقدمة الصارمة. ففي هذا الموضع، تُغرس الجينات الثقافية للابتكار في الأعمال داخل تصميم نظم وسوفتوير سلسلة التوريد، ما يؤثر بعمق في كيفية إنجاز العمل وقياس النتائج وأداء الموظفين.
الاستعداد لما لا مفر منه
إذا أراد رواد التقنية الأوائل أن يبقوا ناجحين، لزمهم أن يطوروا تحيزهم الثقافي الأساسي مع تطور التقنية المحركة لصناعتهم عبر مراحل الإنشاء والانتقال والتحول إلى سلعة. وليس تغيير الثقافة بالأمر الهيّن، وقد يحتاج الأمر إلى أن يُزَحزح المديرون عن مساراتهم المألوفة. وإن التغيير المدروس أقرب للنجاح من انتظار وقوع الكارثة، إلا أنه يتطلب شجاعة عظيمة وبصيرة نافذة لإصلاح ما يراه كثيرون لم يُصَب بعد. وللقيادة الشجاعة، فإن النظرية والأدوات متوافرة لتوجيه تطور ثقافة الشركة من تلك الملائمة لريادة الأعمال المبكرة إلى ثقافة قادرة على قيادة الصناعة زمنًا مديدًا.
المراجع
1. E.H. Schein, “The Corporate Culture Survival Guide” (San Francisco: Jossey-Bass, 1999), 91–114.
2. J.M. Utterback, “Mastering the Dynamics of Innovation” (Boston: Harvard Business School Press, 1994), 79–102.
3. Ibid., 18.
4. E.H. Schein, “Organizational Culture and Leadership,” 2nd ed. (San Francisco: Jossey-Bass, 1992), 297–333.
5. J.B.M. Kassarjian, “Jolt Your Managers Out of Their Comfortable Groove,” IMD Perspectives for Managers, no. 4 (1991): 1–4.
6. J.P. Womack and D.T. Jones, “Lean Thinking” (New York: Simon & Schuster, 1996), 197.
7. Schein, “Organizational Culture,” 318.
