أولريش ليشتنثالير، وهولغر إرنست، وجيمس كونلي
في اقتصاد اليوم الذي يعاني ظروفًا صعبة، تحاول الكثير من الشركات الصناعية تحقيق قيمة إضافية من تقنياتها من خلال ترخيص ملكيتها الفكرية لمؤسسات أخرى، بمن في ذلك المنافسون المباشرون. أصبح نقل التكنولوجيا المملوكة للشركة إلى الخارج في الآونة الأخيرة فقط بُعدًا مهمًّا في الاستراتيجية المؤسسية، كجزء من اتجاه نحو الابتكار المفتوح. (يمكن أن يشمل الابتكار المفتوح جلب المعرفة من الخارج إلى داخل الشركة وأيضًا نقل التقنيات من داخل الشركة إلى شركاء خارجيين). من خلال ترخيص تقنياتها المملوكة، تحاول الشركات تحقيق عائد كافٍ على البحث والتطوير، وغالبًا ما يتجاوز الترخيص كونه نشاطًا هامشيًّا يقتصر على التكنولوجيا المتبقية.
ترخِّص بعض الشركات التكنولوجيا على نحوٍ أساسي لتحقيق إيرادات إضافية. وتحقق قلة من الشركات، مثل هيوليت-باكارد وداو كيميكال، مئات الملايين من الدولارات سنويًّا من عائدات الإتاوات. في حين ترخِّص شركات أخرى التكنولوجيا لتحقيق فوائد استراتيجية؛ مثل تأسيس معيار تكنولوجي في قطاع ما، أو دخول أسواق جديدة، أو الترخيص المتبادل للوصول إلى المعرفة الخارجية. وعلى الرغم من هذه الفوائد المحتملة، ينطوي الترخيص أيضًا على مخاطر كبيرة. فالشركة التي تنقل “جواهر التاج المؤسسية” الخاصة بها —أي التكنولوجيا ذات الأهمية التنافسية— قد تضعف موقعها الاستراتيجي من خلال تقوية المنافسين المحتملين. ولهذا السبب، كانت الكثير من الشركات تقليديًّا مترددة في نقل التكنولوجيا.
حتى الشركات التي تسعى بنشاط إلى ترخيص التكنولوجيا غالبًا ما تفشل في جني الفوائد من جهودها. غالبًا ما تواجه الشركات صعوبةً في تحديد فرص الترخيص والمستفيدين المحتملين من الترخيص. فقد تمتلك الشركة حلًّا تكنولوجيًّا محتملًا لمشكلات محددة، لكنها تواجه تحدِّي تحديد تطبيقات مربحة أخرى، قد تكون في صناعات مختلفة تمامًا. علاوة على ذلك، فإن نقل التكنولوجيا عملية معقدة، وغالبًا ما يحتاج المرخِّص إلى دعم اعتماد التكنولوجيا بنشاط لدى المرخَّص له. وتبرز هذه التحديات الإدارية أهمية تنظيم أنشطة ترخيص التكنولوجيا على نحوٍ فعّال.
لتحديد عوامل النجاح التنظيمي لترخيص التكنولوجيا، أجرينا دراسة مقارنة في شركات صناعية أوروبية متوسطة وكبيرة الحجم. وبعد تحليل الأدبيات الأكاديمية والإدارية حول ترخيص التكنولوجيا، أجرينا مقابلات استكشافية مع 35 خبيرًا في 25 شركة للحصول على فهم تفصيلي لتنظيم عمليات ترخيص التكنولوجيا. ثم أجرينا دراسة مقارنة استنادًا إلى استبيان بين مديري الترخيص والملكية الفكرية. من بين 412 شركة جرى التواصل معها، تم تسلُّم ردود صالحة من 136 شركة، بمعدل استجابة بلغ 33%. ويُظهر ملف العينة النهائية توزيعًا معقولًا عبر الصناعات: السيارات والآلات (42%)، والكيماويات والأدوية (28%)، والإلكترونيات وأشباه الموصلات (18%)، وغيرها (12%). وبعد تحليل نتائج الدراسة، أجرينا مقابلات إضافية في 10 شركات لمناقشة النتائج.
ستة عوامل أساسية للنجاح
تؤكد نتائج دراستنا أن النية الاستراتيجية وحدها غير كافية للاستفادة من الترخيص؛ بل يجب على الشركات أيضًا أن تنظِّم عمليات ترخيص التكنولوجيا بفاعلية. وبعد دراسة مجموعة من العوامل في البحث، حدَّدنا ستة عوامل تنظيمية لها تأثير إيجابي قوي في أداء الشركات في مجال الترخيص. وتزيد هذه العوامل الستة من احتمال تجاوز الشركات للصعوبات الإدارية المتأصلة في ترخيص التكنولوجيا على نحوٍ نشط.
- تعيين موظفين مخصصين. تُعيِّن بعض الشركات موظفين مخصصين للعمل بدوام كامل على تحديد فرص الترخيص وتنفيذ صفقات الترخيص. هؤلاء الموظفون هم جهات الاتصال لجميع القضايا المتعلقة بالترخيص.
- الاستفادة من الشبكات الخارجية. قد تعتمد الشركات على شبكاتها الحالية مع شركات أخرى لتحديد فرص الترخيص ونقل التكنولوجيا. على وجه الخصوص، توفر شبكة التحالفات الاستراتيجية للشركة مع منظمات أخرى فوائد معلوماتية مهمة؛ لأن تلك الشبكات توسِّع معرفة الشركة بتطبيقات التكنولوجيا المحتملة في صناعات أخرى.
- تشكيل فرق لتحديد فرص الترخيص. في ترخيص التكنولوجيا، يزداد تنظيم المشاريع القائمة على فرق العمل شعبيةً، ويمثل مكملًا أساسيًّا للهياكل الرسمية للترخيص، التي غالبًا ما تكون محدودة نسبيًّا في الكثير من الشركات. على وجه الخصوص، يمكن للشركات تشكيل فرق مشاريع قصيرة الأجل لتحديد فرص الترخيص في مجال تكنولوجي محدد أو في أسواق معيَّنة. قد تجمع هذه الفرق بين قدرات أفراد من وحدات وظيفية وتجارية مختلفة.
- إنشاء فرق مشاريع للنقل. بمجرد تطور فرصة ترخيص، غالبًا ما تُشكِّل الشركات فريق مشروع محددًا لتنفيذ نقل التكنولوجيا إلى صاحب الترخيص. تساعد هذه الفرق على تنسيق إسهامات الموظفين من وحدات تجارية ووظيفية مختلفة؛ مثل خبراء البحث والتطوير والتسويق، الذين قد يشاركون إضافة إلى أيِّ طاقم ترخيص مخصص.
- استخدام داعمين تنفيذيين للترويج للترخيص. يؤدي الداعمون التنفيذيون دورًا حاسمًا في التغلب على تردد الشركة التقليدي في تبني استراتيجيات الترخيص النشطة. هؤلاء الداعمون هم موظفون رفيعو المستوى، مثل المدير التنفيذي للتكنولوجيا أو رئيس قسم الملكية الفكرية، الذين يروِّجون بحماس لترخيص التكنولوجيا في جميع أنحاء المؤسسة.
- تجنيد مشاركة واسعة للموظفين. قد تعتمد الشركات على مشاركة مجموعة كبيرة من الموظفين، وخاصة موظفي البحث والتطوير والتسويق، لتحديد فرص الترخيص وتنفيذ صفقات الترخيص. حتى لو كان لدى الشركات قسم ترخيص مخصص مدعوم من داعمين تنفيذيين، فإن هؤلاء الموظفين المخصصين لا يمكنهم تنفيذ جميع المهام ذات الصلة خلال عملية الترخيص.
استنادًا إلى هذه العوامل الستة الحاسمة للنجاح، تظهر دراسة المقارنة أربع مجموعات من الشركات ذات مستويات مختلفة من الكفاءة في تنظيم عمليات الترخيص. (انظر “أربعة نُهُج لترخيص التكنولوجيا”). كما وجدت دراستنا أن كل مجموعة من المجموعات الأربع تحقِّق الفوائد المالية والاستراتيجية من الترخيص بدرجات متفاوتة. وبالتالي، تؤكد دراسة المقارنة أن التنظيم الفعال لعمليات الترخيص يعزِّز على نحوٍ كبير أداء الشركة في الترخيص من حيث الفوائد المالية وغير المالية.
المجموعة الأولى من الشركات التي حُدِّدت في دراسة المقارنة (29% من الشركات في الدراسة) يمكن تسميتها بـ “التقليديين” لأن اهتمامهم يتركز أساسًا على أعمال منتجاتهم مع اهتمام ضئيل نسبيًّا بالترخيص. يتركز تركيز الشركات في هذه المجموعة على حماية ميزتها التنافسية من خلال الحدِّ الصارم من نقل التكنولوجيا إلى الخارج. ووفقًا لهذه الاستراتيجية المغلقة للابتكار، تفتقر هذه الشركات إلى موظفين مخصصين للترخيص. صفقات الترخيص نادرة جدًّا في هذه المجموعة، وإذا حدثت، تُدار كحدث فريد من نوعه.
المجموعة الثانية (45% من الشركات) أطلقنا عليها اسم “المترددون” لأن هذه الشركات أصبحت على دراية بفوائد الترخيص لكنها لا تسعى إليها بنشاط. بدلًا من ذلك، فإن الشركات في هذه المجموعة سلبية نسبيًّا؛ فعادة ما تنشأ صفقات الترخيص لديهم استجابةً لاستفسارات خارجية، وغالبًا ما تقتصر على التقنيات غير المستخدمة داخليًّا. هذه الشركات لديها بالكاد أيّ موظفين بدوام كامل للترخيص، كما أنها لا تستخدم فرق المشاريع بنشاط لاكتشاف فرص الترخيص. ونتيجة لذلك، لا يزال الترخيص نشاطًا عرضيًّا.
المجموعة الثالثة (20% من الشركات) أطلقنا عليها اسم “النشطاء” لأن هذه الشركات أنشأت منظمات ترخيص ذات كفاءة نسبية في السنوات الأخيرة، ويبدو أنها ستزيد من نشاطها في الترخيص في المستقبل. الشركات في هذه المجموعة تحاول بنشاط تحديد فرص الترخيص بدلًا من انتظار الاستفسارات من أصحاب التراخيص المحتملين. معظم هذه الشركات لديها عدد محدود من موظفي الترخيص المخصّصين، الذين يكونون عادة جزءًا من قسم الملكية الفكرية. كما أن هذه الشركات لديها عادة تنظيم مشاريع محدد لتحديد فرص الترخيص، وتدعم إدارة الترخيص بوساطة بعض المديرين التنفيذيين رفيعي المستوى الذين يعملون بصفتهم داعمين غير رسميين لأنشطة الترخيص. معظم هذه الشركات لديها نشاط ترخيص كبير، لكنها غالبًا لا تزال في المراحل المبكرة نسبيًّا من إنشاء نهج ترخيص نشط.
مجموعة رابعة صغيرة (6% من الشركات) نطلق عليها اسم “المتفوقون”. لقد كانت الشركات في هذه المجموعة رائدة في الاتجاه نحو ترخيص التكنولوجيا النشط، وأنشأت منظمات ترخيص عالية الكفاءة. وتتميز هذه الشركات على نحوٍ خاص عن غيرها بعدد كبير نسبيًّا من موظفي الترخيص المخصصين، الذين يشكلون عادة قسمًا منفصلًا. وتتمثل المهمة الرئيسة لهؤلاء الموظفين في تحديد فرص الترخيص. تُظهر نتائج دراسة القياس المرجعي أن على المديرين ألا يُبسّطوا على نحوٍ مفرط تحقيق فرص الترخيص من خلال التركيز الزائد على استراتيجيات الترخيص المفتوح بدلًا من التركيز على تنفيذها. ولتنفيذ استراتيجيات الابتكار المفتوح بنجاح، التي تتضمن ترخيص التقنيات من داخل المنظمة، تحتاج الشركات إلى تنظيم فعَّال لعمليات الترخيص.
عن المؤلفين
أولريش ليشتنثالير: أستاذ الابتكار والتنظيم في كلية إدارة الأعمال WHU — أوتو بيسهايم في فالندار، ألمانيا. هولغر إرنست: أستاذ إدارة التكنولوجيا والابتكار في كلية إدارة الأعمال WHU — أوتو بيسهايم. جيمس كونلي: أستاذ سريري في مركز البحوث في التكنولوجيا والابتكار في كلية كيلوج للإدارة بجامعة نورث وسترن في إيفانستون، إلينوي.
