جورج ويستِرمان
يبدو أن عالم الأعمال بأسره يتحدث هذه الأيام عن التحول الرقمي. يكفي أن ننظر إلى اتجاهات البحث عن هذا المصطلح، لكن رغم أن هناك مزيدًا من الحديث عن التحول الرقمي، فمن الواضح أن معظم الناس يخطئون في فهم جوهر الموضوع.
ومع أن النقاش حول تقنيات جديدة مثل الذكاء الاصطناعي (AI)، والروبوتات، وإنترنت الأشياء (IoT) يبدو مثيرًا، فإن التركيز على التكنولوجيا قد يوجه الحوار في اتجاه خطير. فعندما يتعلق الأمر بالتحول الرقمي، فإن الرقمنة ليست هي الحل، بل التحول ذاته هو الحل.
فالتكنولوجيا لا توفر قيمة للأعمال التجارية بذاتها -لم تكن كذلك قط (باستثناء التقنية الداخلة في المنتجات نفسها)-، إنما تأتي قيمة التكنولوجيا من تغيير أساليب العمل بفضل ما تتيحه من إمكانات. فالتجارة الإلكترونية ليست عن الإنترنت، بل عن البيع بطرق مختلفة، والتحليلات ليست عن قواعد البيانات وخوارزميات تعلم الآلة، بل عن فهم العملاء بصورة أفضل، أو تحسين عمليات الصيانة، أو مساعدة الأطباء في تشخيص السرطان بدقة أكبر، وإنترنت الأشياء ليس عن علامات RFID، بل عن مزامنة العمليات بشكل جذري أو تغيير نماذج الأعمال.
في العالم الرقمي، يبعث التركيز الاستراتيجي على الرقمنة برسالة خاطئة، فصياغة “استراتيجية رقمية” قد تدفع المنظمة إلى اتجاهات لا تلتقط القيمة الحقيقية للتحول الرقمي. أنت لا تحتاج إلى استراتيجية رقمية، بل تحتاج إلى استراتيجية أفضل، تمكّنها التقنيات الرقمية.
استراتيجية أفضل، بدعم من الرقمنة: أمثلة واقعية
هذه الفكرة، أي التركيز على التحول بدلًا من التكنولوجيا، تنطبق على صناعات تتراوح من الأغذية إلى التعدين، وفيما يلي بعض الأمثلة القطاعية لما أعنيه:
في صناعة الدهانات، تحولت شركة .Asian Paints Ltd من مجرد منتج للطلاءات في ثلاث عشرة منطقة من الهند إلى مزود لخدمات الطلاء، وخدمات التصميم، وتجديد المنازل في سبع عشرة دولة. لم تكن التقنيات التي استخدمها قادة الشركة معقدة أو مبتكرة للغاية، بل كان التحول مدعومًا ببرمجيات تخطيط موارد المؤسسات (ERP)، ومراكز الاتصال، والهواتف المحمولة والأجهزة اللوحية، والتحليلات، وبعض تقنيات تعلم الآلة والتصنيع الذاتي، لكن الأهم من ذلك هو القيادة القوية التي أعادت تصور طريقة عمل الشركة وسعت باستمرار نحو فرص عمل جديدة.
وفي قطاع البنوك، تستخدم العديد من الشركات روبوتات المحادثة (chatbots) -وهي برامج صوتية قادرة على إجراء محادثات- لجعل خدمة العملاء أكثر كفاءة. وقد ذهب التنفيذيون في بنك .DBS Ltd إلى أبعد من ذلك؛ فبعد تحسين العمليات والربحية ورضا العملاء في سنغافورة مرتفعة التكلفة، ركز هؤلاء القادة على الأسواق منخفضة التكلفة. وبالاستفادة من المعرفة والأنظمة المطورة في سنغافورة، بالإضافة إلى روبوتات المحادثة وتقنيات أخرى، دخل بنك DBS الآن السوق الهندية بنموذج مصرفي عبر الهاتف المحمول لا يتطلب أي تدخل بشري. هذا النموذج يتيح تحقيق أرباح من الحسابات الصغيرة التي لم تكن البنوك الأخرى تجدها مجدية اقتصاديًّا. وبينما جعل التفكير في روبوتات المحادثة العديد من المصرفيين يركزون على خفض التكاليف في القنوات القائمة، فإن تركيز DBS على تطوير نموذج للأسواق الجديدة منخفضة التكلفة حوّل روبوتات المحادثة -إلى جانب تقنيات أخرى وإعادة تفكير تنظيمية عميقة- إلى فرصة أعظم بكثير.
أما في صناعة بناء السفن، فبينما تستخدم العديد من الشركات تقنية الواقع الافتراضي (VR) لمساعدة المصممين على تصور تصاميم المنتجات المعقدة، وظف قادة شركة Newport News Shipbuilding -وهي إحدى شركات Huntington Ingalls Industries Inc.- هذه التقنية بطرق استراتيجية أخرى. ففي إطار جهودها لتسريع تطوير حاملات الطائرات الضخمة التابعة للبحرية الأمريكية، استثمرت الشركة الواقعة في ولاية فرجينيا في أدوات التصميم الرقمي والتصاميم الجديدة للمنتجات، لكن بقي تنسيق آلاف العمال وتحفيزهم تحديًا؛ فقد كان من الصعب على الموظفين فهم كيف يندمج عملهم ضمن الصورة الكبرى لبناء حاملة طائرات عملاقة، أو كيف يتداخل عملهم مع عمل الآخرين. وأصبح الواقع الافتراضي أداة نافعة في جهود الشركة الأوسع لتحويل سير العمل؛ إذ بات بإمكان العمال الآن ارتداء نظارات الواقع الافتراضي لرؤية ما يوجد خلف الجدار الذي يحفرون فيه، أو كيف يجب أن يبدو الحامل الجديد عند تركيبه. كما يتلقون تحذيرات إذا كان أحد الأجزاء ثقيلًا للغاية بحيث لا يمكن رفعه دون معدات خاصة، وتعليمات حول التسلسل الصحيح لتركيب المكونات، ويمكنهم دائمًا رؤية أين يندرج جزء عملهم ضمن المشروع الأكبر الذي يبنونه معًا.
الواقع الافتراضي بحد ذاته أداة رقمية مثيرة للاهتمام، لكن الواقع الافتراضي كجزء من استراتيجية تحويل أوسع للعمل هو أكثر قوة بكثير.
كيف تحافظ على التركيز على التحول لا على التكنولوجيا
في صناعات تتراوح من الضيافة إلى تصنيع المناشير، يقوم القادة البارزون بتحويل أعمالهم عبر التكنولوجيا، فهم يركزون على التحول الاستراتيجي، لا على تبني التكنولوجيا فحسب، ويحققون نتائج أكثر قوة، ويضعون في اعتبارهم أربعة أمور لتجنب المزالق الشائعة التي غالبًا ما تنجم عن التركيز على التكنولوجيا:
تجنب التفكير المنعزل: استراتيجية الأجهزة المحمولة (mobile strategy)، واستراتيجية البيانات الضخمة (Big Data strategy)، واستراتيجية الواقع الافتراضي (VR strategy)، جميعها أمثلة على أنماط التفكير المنعزلة. إذ إن التركيز على التقنية يوجه الطموحات نحو ما تستطيع التقنية فعله، بدلًا من تصور ما ينبغي أن يكون عليه العمل التجاري بعد التحول. فتنتهي استراتيجية الأجهزة المحمولة عندما تطبق الشركة التقنية المحمولة، وتغفل عن فرص لا تتيحها هذه التقنية. وينتج عن ذلك تفكير تدريجي يفتقد فرصًا أكبر بكثير عبر المجالات المتعددة. وإن التحولات الأكثر قيمة تنبع، بدلًا من ذلك، من تغيير العمل التجاري عبر مجموعة من التقنيات وتدخلات الإدارة. فعلى سبيل المثال، تستخدم استراتيجية القرب من العميل (customer intimacy strategy) الأجهزة المحمولة مع تقنيات رقمية أخرى لزيادة التخصيص، والتفاعل، والرضا باستمرار، وتجد استخدامات للتقنيات تتجاوز الأجهزة المحمولة بكثير.
لا تدفع الأمور إلى أقصى الحدود بسرعة فائقة: قبل التركيز على السيارات ذاتية القيادة (self-driving cars)، وأساطيل الشاحنات، والمراكز الهاتفية المؤتمتة بالكامل، لا تزال العديد من الشركات قادرة على تحقيق قيمة هائلة من خلال تحويل العمليات التجارية عبر القرارات المستندة إلى البيانات، والتعاون عبر الأجهزة المحمولة، وحتى أنظمة تخطيط موارد المؤسسات (ERP). وإن التطلع بعيدًا نحو الابتكارات الرقمية المتقدمة قد يجعل هذه التقنيات البسيطة أقل جاذبية، لكن القادة التجاريين يتركون أرباحًا سهلة إذا تجاهلوا الخطوات التدريجية وسعوا وراء فرص محفوفة بالمخاطر قد لا تكون جاهزة لتحقيق العوائد بعد.
لا تطلب من قادة التقنية قيادة التحول بمفردهم: “إنها تقنية، إذًا يجب أن تكون مهمة المدير التنفيذي للمعلومات (CIO) أو مدير تقنية المعلومات (IT manager)”. وإن هذا النوع من التفكير -أي التخلي عن مهمة تحويل الشركة عبر التقنية- هو تفكير غير سليم. حتى أفضل قادة تقنية المعلومات لن يتمكنوا من تحويل العمل التجاري أو أجزاء منه إذا لم يكونوا مسؤولين عن تلك الأجزاء. وعلى الرغم من أنني رأيت العديد من التحولات الرقمية الناجحة يقودها قادة تقنيون بارزون، فإن التحول الحقيقي ينبع من التعاون معهم، وليس من مطالبتهم بالقيام بذلك بمفردهم.
ابنِ قدرات قيادية أساسية، لا تقنية فقط: إن القادة الرقميين البارزين ينظرون إلى التحول الرقمي ليس كمشروع، بل كقدرة، فهم يصنعون رؤية تحويلية، ويشركون أفرادهم في تلك الرؤية، ثم يحكمون المسار بقوة عبر مجموعة كاملة من جهود التحول الرقمي، بعضها مخطط له، وبعضها لم يُكتشف بعد. وإن فائدة التركيز على التحول بدلًا من التقنية الرقمية تكمن في إبراز الدور الجوهري للقيادة وقدرات التنظيم في خلق القيمة الحقيقية للأعمال من الابتكارات التقنية.
وبصفتي مهندسًا تحوّل إلى مدير ثم إلى باحث في الإدارة، أعشق التقنية، لقد قضيت حياتي في صنع بعض أعظم الابتكارات واستخدامها ودراستها خلال العقود الماضية، ودرست التحول الرقمي على مدى السنوات الست الماضية، بدءًا من قبل أن يصبح مفهومًا رائجًا. لن أنصح شركة أبدًا بتجنب التقنيات الجديدة، ولن أنصح المديرين بتجاهل الابتكارات الرقمية السريعة الظهور، لكنني سأواصل تحذير المديرين عندما أرى أن نقاش التحول الرقمي يسير في الاتجاه الخاطئ.
التقنية تساعدك على ممارسة الأعمال التجارية بأسلوب مختلف، لكن الاستراتيجية الصحيحة لا تركز على التقنية ذاتها، بل تدمج التقنيات المناسبة في المهام المناسبة، وتستخدم التقنية المتقدمة حيثما تكون القدرات مهمة، والتقنية البسيطة حيث يكفي الحل البسيط. وعندما تُوظّف التقنية بشكل صحيح، يمكنها أن تساعد الشركة على إطلاق موجة بعد موجة من الابتكار التجاري؛ ابتكار يصبح ممكنًا مع تحول التقنيات الجديدة إلى واقع.
